قراءة في كتاب عين ديوار- تاريخياً وجغرافياً

نارين عمر

 

   يعدّ المكان الذي تحتض أرضه أيّ شخص في المعمورة، ويستمع إلى صراخه ليحوّله فيما بعد إلى ابتسامة، فضحكة هو الحاضن لكلّ أيّامه بشهورها وسنواتها، تنقش في ذاكرته كلّ الأحداث والمتغيّرات التي ترافق حياته؛ لكلّ هذا وذاك نجد الكاتب والباحث عمر اسماعيل يلجأ إلى ذاكرته المنقوشة بكلّ ذكرياته عن قريته عين ديوار قلب منطقة ديريك وابنة فصولها المتعاقبة.
عندما ترفرف حروف هذا الاسم في رياض القلب وواحة الخاطر تتراقص طيور المحبّة وأزاهير السّعادة معلنة عن شباب متجدّد كتجدّد طبيعة ديريك وقرة عينها عين ديوار،، وتنتعش هفوات الطّفولة ومشاغبات الصّبا بصحبة پرا بافد”بافت”، چمي سقلان، نهر دجلة، كانيا غيدا والينابيع والسّواقي التي تنعش ذاكرة القرية وأهلها على مرّ العهود والأزمان.
” عين ديوار، تاريخياً وجغرافياً” كتاب يتناول فيه الباحث قريته عين ديوار بجغرافيتها، تاريخها، سكّانها بعاداتهم، طبائعهم، أعمالهم.
إذا بدأنا من الإهداء نجده يهدي الكتاب إلى روح والدته السّيدة فاطمة حاجو قائلاً:
(( إلى التي علّمتني أن أرى جمال عين ديوار في حنانها، والتي أرشدتني، وما زال نورها يرشدني في كلّ خطوة)). هنا يودّ الباحث أن يعلمنا أنّه رضع حبّ عين ديوار مع حليب أمّه، وكلما كبر في العمر كبرت معه محبّة القرية وولدت في مخيّلته وذاكرته فكرة توثيق تاريخها وجغرافيتها كعربون وفاء للسّيدة والدته وإخلاص لقريته التي  أكّد فيها: (( قبل كلّ شيء لا بدّ من التّوضيح أنّ كردستانية عين ديوار تكمن إحدى الإشكاليات التي ظلّت معلّقة طويلاً في السرديات والتواريخ المحلية؛ فهذه الرقعة الواقعة عند تماس ثلاثة حدود دولية لم تقرأ بمعزل عن فضائها الكردستاني الواسع)). فالعلاقة الحميمية بينه وبين قريته هي علاقة وراثة وفطرة ولّدتها الأصالة الكردية لأمّه والأصالة الكردية والكردستانية لقومه وشعبه. 
من خلال هذا العلاقة نجد أنّ الكتاب لا يوثّق لقرية صغيرة تابعة لمنطقة ديريك فحسب، بل يحاول أن يوثّق فيها جغرافية كردستان وتاريخها، ويؤكّد على جذورها الضّاربة في التّاريخ والجغرافيا منذ عهود صامدة في وجه النّسيان أو الهلاك:
((لقد سعيت أن أقدّم  صورة علمية موثّقة، تظهر أن عين ديوار ليست هامشاً، بل عقدة من عقد الجغرافيا الكردية، ونموذج حيّ لثقافة ظلت أقوى من الحدود وأثبت من تغيّر الأزمنة. يشكل هذا الكتاب محاولة علمية متواضعة من قبلي لتوثيق الذاكرة المحكية لقرية عين ديوار، بوصفها واحدة من أهم القرى الكوردية ذات الامتداد التاريخي والجغرافي والاجتماعي في منطقة المثلث الحدودي الكردستاني الذي يربط الحدود السايكسبيكوية المصطنعة بين سوريا والعراق وتركيا)).
يؤكّد الباحث على أنّه وأثناء توثيق الكتاب كان يشعر أنّه لا يدوّن قرية واحدة، بل يكتب عن نموذج كامل من الحياة الكردية الريفية التي لم تعط حقّها من التّوثيق، وهو هنا يورد سببين لذلك، إمّا بسبب الإهمال أو بسبب غياب المؤسّسات المعنية. يبدو أنّ السّببين معاً ساهما في إهمال الرّيف الكردي، بل وعموم المناطق الكردية في غربي كردستان.
   تطرّق الباحث في كتابه إلى أصل تسمية القرية، وأورد بعض الآراء والتّفاسير في ذلك، فإنّه اعتمد على التّسمية التي يراها الأقرب إلى الدّقة والصّحة إذ يقول:
(( من وجهة نظري أنا كاتب وموثّق هذه الحقائق، أرى بأن التسمية مأخوذة من نبعها، حيث أنّ ” عين ديوار” كلمة أو تغبير مؤلّف من مقطعين: ” عين” كلمة عربية تعني النبع، و”” ديوار” كلمة كردية تعني الحائط أو الجدار)). مشيراً إلى أنّ هذا النّبع موجود إلى يومنا هذا، كما ويشير إلى أنّها قديماً كانت تسمّى گوندي خوار” أي القرية السّفلية.
قسّم الباحث كتابه إلى تسعة فصول، كلّ فصل مخصّص للحديث عن مواضيع متعدّدة ذات صلة بشكل مفصّل بغية إغناء بحثه التّوثيقي وإعطاء كلّ موضوع حقّه، تطرق فيها إلى أصل التّسمية والموقع وملكية القرية والعلاقة بين عين ديوار وجزيرا بوطان. كما أنّ الفصل يتضمّن موضوعين في غاية الأهمية هما:
في الفقرة السّابعة ” عين ديوار والحزام العربي ومزارع الدّولة” يتحدّث فيها عن بدايات إنشاء مزارع الدّولة وتطبيق الحزام العربي ومقاومة سكّان عين ديوار لهذين المشروعين العنصريين؛ ومن ثمّ يبدأ الحديث عن التّعليم ونسبة المتعلّمين في المجتمعات الرّيفية، حيث يؤكّد أنّ تاريخ افتتاح أوّل مدرسة في القرية يعود إلى عام 1932 في عهد فرنسا بجهود الكاتب والسّياسي الكردي نمري مكسي، والمدرسة الثّانية افتتحت في عام 1958- 1959 وأوّل معلّم تعيّن فيها كان الشّاعر واللغوي العينديوري أحمد الشّيخ صالح. ما يعكس عدد المتعلّمين والمتخرّجين وأصحاب الشّهادات العليا في هذه القرية.
إذا مررنا على الفصول الأخرى نجدها مخصّصة لطبيعة عين ديوار والإنتاج الزّراعي والاقتصادي فيها، الأخطار الدّاخلية والخارجية التي تهدّد المحاصيل.
عرج الباحث على فصل في غاية الأهمية يتعلّق بالمعالم والمواقع والأوابد الأثرية فيها، والتي ما تزال معرّضة للإهمال من قبل الجهات المعنية والرّسمية، وهي الشّاهدة على قدم وعراقة عين ديوار وديريك والمناطق والنّواحي التّابعة لها جغرافياً وتاريخياّ. لو كان الاهتمام بها كافياً لكانت عين ديوار وديريك توابعهما مناطق تجذب السّياح من مختلف البلدان والمناطق، لأنّها لا تقلّ أهمية عن الأماكن السّياحية في البلدان الأخرى وحتى الأوروبية منها. السّائح الذي يتوجّه إلى عين ديوار لا بدّ ان يمرّ من ديريك، ويتوجّه نحو قرية ” Çem Şeref” وقرية “Tildar” و” Swêdîk” وغيرها من الأماكن الأثرية والتّاريخية، ما كان سيؤدي إلى تطوّر ديريك وعين ديوار وما يتبعهما اقتصادياً، ويوفر العديد من فرص العمل والإنتاج لشرائح واسعة من الشّعب الكردي.
يتحدّث أيضاً عن المهن التّراثية، العادات والتّقاليد، عادات الأعراس والرّقصات وأهم الألعاب القديمة والحديثة، الطّرائف والأمثال الكوميدية والأمثال الشّعبية في المجتمعات الكردية عامة ومجتمع عين ديوار خاصة.
لصعوبة الحديث عن مضامين كلّ الفصول تجنّباً للإطالة، يستوقفنا الفصل الثّامن والذي خصّصه الباحث للمرأة االعينديورية، ويتضمّن ثلاثة مواضيع:
أهمية عمل المرأة ودورها في المجتمعات. أبرز الأعمال والأنشطة التي شاركت فيها المرأة االعينديورية. الأكلات الشّعبية التي كانت دارجة في القرية وأبدعت المرأة في صنعها وتحضيرها.
بعد أن يبدأ الفصل في الحديث عن أهمية دور المرأة في المجتمع، ينتقل إلى الحديث عن الأعمال والأنشطة التي شاركت فيها المرأة االعينديورية، ومن خلال تعداد هذه الأعمال سنتعرّف على ما قامت به المرأة في هذه القرية وما تزال:
المشاركة في الحصاد، العمل في البيادر، نقل التّبن إلى البيوت، قطع وصناعة الكلبيچ” الطّوب، تلييس السّطوح، زراعة الخضراوات، زراعة القطن، مشاركة الرّجل في الزّود عن حياض الوطن، تأمين مياه الشّرب، جلب الحطب، تامين القش اللازم لأسطح المباني، صناعة الجلّة” Tepik”، البسط والسّجاد اليدوي، صناعة وإنتاج الألبان والأجبان ومشتقاتها، صناعة التّنور لإنتاج الخبز الطّازج يومياً، التّطريز وأشغال الإبرة، تربية الطّيور والدّواجن، والفقرة اللافتة هنا هي إطلاق الزّغاريد والتي تسمّى بالكردية ” Tilîlî”.
من خلال هذه العناوين ندرك مكانة المرأة الكردية في مجتمعنا ومدى أهمية ما تقوم به من أعمال وأنشطة لا تعتمد فقط على قوّة العقل والإدراك، بل على القوّة الجسدية والعضلية التي تتمتّع بها المرأة الرّيفية في المجتمع تفوق قوّة وعضلات الكثير من الرّجال. مع العلم أنّ المرأة الكردية في قرانا وأريافنا ما تزال تقوم بكلّ هذه الأعمال من دون كلل أو تذمّر.
كذلك تطرّق الباحث في الفصل السّابع المخصّص لبعض الشّخصيات إلى ذكر بعض نساء الكرد اللواتي كان لهنّ الدّور البارز والهام في قرية عين ديوار وديريك وغيرها من القرى المجاورة.
لم يكتف الباحث بالحديث عن عين ديوار كقرية سياحية تنبض بالرّوح الكردية الخالصة، بل كونها مفكّرة لعموم قرى ومدن وأماكن كردستان الكبرى، كونها تتشابه في طبيعتها، وكون الشّعب الكردي يتشابه في معظم العادات والأنشطة التي تمّ ذكرها في الكتاب، ما يعني أنّنا نستطيع التّعرّف على ما تبقى من الجغرافية الكردستانية بعيون  عين ديوار وطبيعتها وتاريخها.
نعود إلى موضوع فصول الكتاب، ووقوف الباحث على كلّ التّفاصيل والجزئيات المتعلّقة بحياة سكّانها بمختلف أعمارهم، طبائعهم، طبقاتهم، تباين تفكيرهم وإدراكهم للأمور دون أن يميّز بين هذا أو ذاك، بل حاول الحديث عنهم بعفوية تامة وسلاسة في الاسترسال والتّوضيح دون اللجوء إلى أسلوب التكلّف أو المبالغة في سرد الأحداث والوقائع.
   يسرد لنا الحياة الاجتماعية لسكّان القرية على سجيتها، كما عاشها وعايشها معهم، لينقل لنا حقائق توثيقية عن كلّ ما يتعلّق بهذه البقعة الجغرافية الهامة جدّاً في جغرافية غربي كردستان وعمومها على اعتبار أنّ عين ديور هي توأم جزيرة بوطان وزاخوكا بهدينان.
بكلّ تأكيد لا يمكن الإلمام بمحتوى الكتاب في هذه القراءة السّريعة، ولكنّها قد تكون تعريفاً لجوانب وردت فيه ربّما تكون بدورها إضاءة لمحتوى الكتاب الذي يزخر بمعلومات في غاية الأهمية.
يُذكر أنّ الكتاب صدر في دار النّخبة للطّباعة والنّشر في القاهرة- مصر عام 2026م، بُدئ بتقديم للأستاذ عبد الملك حسن، ومقدّمة للكاتب والرّوائي خورشيد شوزي مع دراسة توضيحية للكاتب والباحث عمر اسماعيل أكّد فيها على كردستانية عين ديوار، وأوضح أسباب ودوافع تدوينه للكتاب وتوثيق محتوياته. كما وتمّ إرفاق التّوثيق بصور حقيقية للقرية ومعالمها الأثرية والسّياحة والشّخصيات التي تحدّث عنها.
…………………

*عمر اسماعيل: ولد في قرية عين ديوار التابعة لمدينة ديريك

درس الجغرافيا في جامعة دمشق- كلية العلوم والآداب الإنسانية وتخرج عام 1974- 1975

عمل مدرّساً في مدارس ديريك وتوابعها وفي مدارس اليمن والإمارات.

من اعماله الأدبية:

-مجموعة شعرية لم تطبع بعد

-كتاب عن الأمثال الشعبية وبعضاً من الحواريات والزجل الغرامي بين الفتيات والشباب والتي كانت تتم في الحقول ودروب العمل “المحب عذري” أيضا غير مطبوعة .

مقيم الآن مع عائلته في ألمانيا

 

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا كتاب «وجوه المنفى… دروب الوطن» للكاتب السوري الكردي هيثم حسين، وهو عمل سيري جديد يتابع فيه الكاتب رحلته الإنسانية والفكرية منذ مغادرته سوريا واستقراره في بريطانيا، متتبعاً أثر المنفى في الوعي واللغة والهوية، عبر سلسلة من الحكايات والتأملات والوجوه التي رافقت تلك الرحلة وأسهمت في تشكيلها.

يأتي الكتاب امتداداً لمشروع الكاتب في كتابة…

هوشنك_أوسي
على متن الطائرة التي أقلَّتني من إسطنبول إلى الإسكندرية،
وقفت مضيفةُ الطيران في الممر،
بجانب مقعدي.
بدأت تُمثِّل بحركات جسدها تعليماتَ السلامة:
هكذا تربطون أحزمةَ الأمان مع الحبيب،
وهكذا تفكونها.
إذا تعبت الحبيبة،
فالقبلاتُ على الشفاه هي أقنعةُ أكسجين،
تُقنع القلوب، وتقتنع بها الأجساد.<br class="html-br"...

سعيد يوسف

 

“أي إنسان غاب عن المكان، وأيّة روح حجبها عني الزمان”

 

في كلّ يوم وفي الساعة السابعة تقريبًا مساء ً كنت آتي إلى هذا المكان أعني “الوجيبة الخلفية من بيتنا الكبير”. كنت تسبق الجميع إليه، إمّا أن يكون إبريق الشاي أمامك أو بعد مدّة من الجلوس تقوم، وبكلّ أريحية لإعداده بنفسك وحسب ذوقك كونه المشروب المفضّل…

مسعود محمد

 

حين يكتب الأديب إبراهيم اليوسف عن جكرخوين، فهو لا يكتب عن شاعر كردي كبير فحسب، ولا ينجز كتاباً توثيقياً عادياً يضاف إلى رفوف المكتبة الكردية والعربية، بل يفتح بوابة وفاء واسعة أمام واحد من أكثر الأسماء رسوخاً في الوجدان الكردي الحديث. فالكتاب هنا ليس مجرد صفحات عن شاعر، بل شهادة على زمن، وعلى جرح،…