نصر محمد / ألمانيا
قبل أن أدخل عالم القراءة
لابد أن أتقدم للقارئ بلمحة عن الشاعر.
فواز أوسي
في عالم الكلمة، يولد بعض الأدباء ليكونوا شهودًا على زمنهم، يعبرون عن آلام شعبهم وآماله، يخطّون بأقلامهم دروبًا جديدة للتعبير، ويتحدّون قيود اللغة والظروف. فواز أوسي واحدٌ من هؤلاء الذين كتبوا لأنفسهم أولًا، ثم وجدوا أن الكتابة قدرهم وصوتهم. بدأ رحلته الإبداعية باللغة العربية، حيث كانت السبيل الوحيد المتاح له في ظل القمع الذي منع الأكراد من تعلم لغتهم الأم، لكنه لم يتخلَّ عن جذوره، فحمل هويته الكردية في قلبه حتى صارت قلمه ولسانه.
وُلد فواز أوسي عام 1970 في قرية دكشوري، التابعة لناحية تربسبي في منطقة قامشلو، المدينة التي كانت وما زالت مهدًا للأدب والمقاومة الثقافية. أكمل تعليمه الابتدائي في قريته، ثم واصل دراسته الإعدادية والثانوية في قامشلو، حيث حصل على شهادة الثانوية العامة عام 1989. ورغم شغفه بالأدب، اختار أن يسلك طريق التعليم، فالتحق بمعهد إعداد المعلمين في قامشلو وتخرج منه عام 1991، ليبدأ بعدها رحلة طويلة في التدريس استمرت 28 عامًا، متنقلًا بين مدارس مختلفة في تل حميس، بروجي، دكشوري، وأماكن أخرى.
منذ سنواته الأولى، كان شغف القراءة يرافقه، فتعمّق في أعمال كبار الشعراء العرب أمثال نزار قباني والجواهري ومحمود درويش ورياض صالح الحسين، كما نهل من تراث الشعر الكردي عبر جكرخوين وتيريج وملا نوري هساري. وبينما كانت لغته الأم مقيدة في فضاء السياسة، وجد نفسه يكتب باللغة العربية، مدفوعًا بشغفه بالكلمة ورغبته في التعبير عن ذاته.
بدأت كتاباته كخربشات شخصية خلال المرحلة الثانوية، لكنها تطورت لاحقًا ليشارك في المجالس الأدبية والندوات والمهرجانات، حتى صار له حضور واضح في الصحف والمجلات الأدبية. غير أن التحول الحقيقي في مسيرته جاء بعد عام 2011، حيث قرر العودة إلى لغته الأم، والكتابة بالكردية إلى جانب العربية، ليؤكد أن اللغة ليست مجرد وسيلة، بل هي جزء من الهوية والنضال الثقافي.
إصداراته الأدبية
حمل فواز أوسي هواجسه وأفكاره إلى القارئ عبر عدة مؤلفات تنوعت بين الشعر والمقالة، منها:
- «هواجس الياسمين» (2014): ديوان شعري باللغة العربية، يحاكي مشاعر الإنسان وتناقضاته.
- «كلمات مفتاحية» (2015): مجموعة مقالات اجتماعية تعكس الواقع المعاصر.
- «Hêviyên Hebûnê» (2021): ديوان شعري بالكردية، يُعبّر فيه عن آمال وأحلام شعبه.
- «شرفات روحي» (2023): ديوان شعري باللغة العربية، صدر في دمشق، ويشكل امتدادًا لتجربته الإبداعية.
- كما يعمل حاليًا على مشروع رواية باللغة الكردية، مما يؤكد استمراريته في العطاء الأدبي.
لم يقتصر نشاط فواز أوسي على الكتابة فحسب، بل كان حاضرًا في المشهد الثقافي من خلال عضويته في اتحاد الكتاب الكرد في سوريا منذ تأسيسه عام 2013. شغل مناصب قيادية في الاتحاد، حيث كان عضوًا في الهيئة الإدارية (2014-2015)، ثم في الهيئة الرئاسية (2022-2023)، مسهمًا في النهوض بالأدب الكردي ونشر الثقافة.
إلى جانب ذلك، عمل مديرًا للبرامج في منظمة «آشتي» لبناء السلام، وكان ناشطًا مدنيًا منذ 2013، مؤمنًا بأن الثقافة والسلام صنوان لا يفترقان، وأن للكلمة دورًا في بناء المجتمعات مثلما لها دور في كشف معاناتها.
فواز أوسي هو صوت يحمل قضية، وجسر يربط بين لغتين وهوية واحدة. بدأ رحلته في الظل، لكنه شق طريقه بثبات، محافظًا على جذوره، ومؤمنًا بأن الكتابة ليست مجرد حروف على الورق، بل فعل مقاومة، وبأن الهوية الحقيقية لا تُمحى، بل تظل تنبض في قلوب أصحابها، وتزهر في كلماتهم، كما أزهرت في قصائده ومقالاته.
الديوان
الديوان هو سيرة روح تتنقل بين شرفاتها. لا يقف القارئ أمام قصيدة واحدة، بل أمام حالات وجودية كاملة. لغتك بسيطة في ظاهرها، عميقة في جرحها. أنت لا تزخرف الألم، أنت تسميه باسمه. وهذا ما يجعل الديوان صادقًا حد الوجع.
يحوي الديوان بين دفتيه ثلاثة وخمسين شرفة أو نصًا.
اخترت أربع شرفات، أربعة نصوص، تطل منها روح الشاعر على العالم:
1- شرفة العزلة: نص «وحدتي»
«أن أكون وحيدًا
هو أول منازل اللقاء بذاتي».
هنا لا يقدم الشاعر الوحدة كشكوى، بل كقرار وجودي. النص كله قائم على ثنائية البستان / الصحراء.
في الماضي كانت الذات:
«بستانًا فيه من كل فاكهة زوجان»
وصارت بعد عين الدهر:
«كثبان».
تحول القلب من نهر جارٍ إلى مفازة.
إن هذا النص هو مفتاح الديوان كله. يصف تحول الإنسان السوري والكردي بشكل خاص من الامتلاء إلى الخواء القسري.
الصورة الأقوى:
«فقط صبار وشيح
دمعة ما زالت عالقة».
الصبار والشيح هما نبات الصبر المر، والدمعة هي ما بقي من البستان. عزلتك ليست هروبًا، بل هي عصا تتكئ عليها:
«والعزلة عصاي أهش بها على نغم يتردد بين الحشا».
تحولت العزلة من منفى إلى آلة موسيقية حزينة.
2- شرفة الحب: نص «وميض الحبّ»
إذا كان نص «وحدتي» هو الليل، فهذا النص هو محاولته لإشعال قمر فيه.
لافت أنه لا يعرّف الحب تعريفًا واحدًا، بل يمنحه عناصر الطبيعة كلها: قمر، شمس، مطر، فصول، وميض.
«للحبّ مطر يبعث طفولة آفلة».
هنا يتجلى فواز أوسي الرومانسي. الحب عنده ليس غزلًا عابرًا، بل فعل إحياء. هو الذي يعيد الطفولة، ويفتح للشريان «ساقية نشوانة».
لكنه، كعادته، لا يترك النور خالصًا. يختم النص بظلاله:
«للحبّ سراب ومفازة تيه».
الحب عنده ليس وعدًا آمنًا، بل هو نفس جغرافية وطنه: فيه الواحة وفيه التيه. هذا التناقض هو سر صدقه. الشاعر فواز أوسي لا يكتب عن حب معلق في الهواء، بل عن حب يمشي حافيًا في حقول الحرب.
3- شرفة السرد والشهادة: نص «تقول القصة»
هذا النص مختلف تمامًا. هنا يخلع فواز عباءة الشاعر العاشق ويلبس خوذة الشاهد.
«في جيوب الزمن خبّأت قصة
وأنا السارد الأوحد الذي شهد مقتل الحياة».
هنا الشعر يصبح وثيقة. هو لا يكتب عن الحرب كفكرة، بل عن تفاصيلها الصغيرة الموحشة: صديقه الذي كان سيهدي وردة حمراء لفتاة بجديلتين، فباغتته الرصاصة في شريانه الأيسر «حيث صورتها المخبأة بعناية».
إنك حفّار قبور للأحلام:
«حفّارًا ماهرًا لرفات أحلام وئدت قبل أن ينمو لها زغب».
لغته هنا تصبح جافة، خشنة، مقصودة. لا مكان للمجاز المزهر. وحكاية العجوز الذي يقول:
«الحرب جبانة لا تخرج دون مسدس»
هي ذروة وعيك الساخر والموجع. الحرب عنده ليست بطولة، بل كائن جبان يخاف من عجوز أعزل.
4- شرفة الوطن والهوية: نصا «لدي من الحزن طوفان» و«جراح وطن»
أجمع هذين النصين لأنهما شرفة واحدة، شرفة الكردي السوري.
«لي وطنٌ كما لهم
بيدَ أن وطني يرتدي الظلام
وأوطانهم لها ألف قمر ونجمة».
هذه هي خلاصة مأساة الشاعر الجميلة. وطنه ليس خارطة، بل امرأة ثكلى، وغراب لا يجد شجرة ليدفن موتاه. صورة مذهلة في قسوتها.
وفي «لدي من الحزن طوفان» تبلغ ذروة الخطاب المباشر:
«أخي الكوردي لا تكن خنجرًا بل قلبًا اقتُطع من شرياني».
هنا يتحول الشاعر إلى مصلح، إلى صوت ضمير. حزنه ليس شخصيًا فقط، بل هو حزن تاريخي يمر عبر حلبچة ومهاباد وسري كانيه وكوباني. الشاعر لا يبكي على أطلال، بل يصرخ في وجه الانقسام:
«مغبة الكوردي للكوردي بركان أحمر يحرق.. يدمر ولا يزهر».
لغة الشاعر هنا تفقد غنائيتها عمدًا لتصبح هتافًا، بيانًا مكتوبًا بالدم المشترك.
شرفات روحي.. أربعة فصول داخلية
- ذات تحاول أن تبقى بستانًا في زمن يريدها صحراء.
- حب هو المقاومة الوحيدة ضد التصحر، ولو كان وميضًا عابرًا.
- ذاكرة حرب لا تنسى، تحول الشاعر من عاشق إلى شاهد قبر.
- وطن معلق بين المنفى والهوية، يبحث عن شمس جديدة.
قوة الشاعر هنا في أنه لا يتجمل. مفرداته هي نفسها تتكرر كصلاة: البستان، النهر، الصبار، الغراب، القمر، المفازة، العصافير، الرماد. أنت تبني معجمك الخاص من رماد وطنك.
الديوان موجع، لكنه ليس يائسًا. في كل نص، حتى في أحلك نصوصه، تترك نافذة صغيرة مفتوحة:
«ألمح وميضًا، بارقة تدنو
ها هي.. تعالي
لدي بقية نبض».
تلك البقية من نبض هي شرفات روحك كلها.