سعيد يوسف
بداية أبارك للدكتور هاجار رستم عبدالفتاح كتابه الذي صدر تحت عنوان ” المدرسة الفكرية ” – تعلّم الفكر- فلسفة الموقع . منشورات دار نينوى، تاريخ النشر 1/1/2025/.
حقيقة لم أبحث في محتوى الكتاب، كونه غير موجود لدي، ولكني تعرفت على عنوانه من خلال مقال للكاتب والناقد الأدبي جوان سلو نشره على موقع ولاتي مه ربّما بتاريخ 17/8/2026/ تحت عنوان فن البحث عن الهوية الفكرية “قراءة في كتاب “
وأنا هنا لن أبحث في عنوان المقال الموجّه نحو فنّ البحث عن الهوية الفكرية والذي يبدو لي هو الآخر طريفاً، كونه في الظاهر يتناول فنّ البحث عن الهويّة، فيما الكتاب يحمل عنوان مدرسة فكرية. لذا سوف أقف عند حدود قراءة العنوان الرئيسي للكتاب ذو الطابع التركيبي والمؤلف من ثلاث عناوين . لكن لفت انتباهي أن الناقد اقتبس الأسئلة الثلاث التالية من افتتاحية الكتاب وهي :
هل نحن نفكّر؟ سؤال تشكيكي، لكنّ ديكارت لم يقل هل نحن نفكّر بل قال أنا أفكّر !
من الذي يجعلنا نفكر؟ الأدق ما الذي يجعلنا نفكّر؟
ما هو المسار إلى التفكير؟ .
ووصف هذه الأسئلة بالوجودية، فيما هي ليست أسئلة وجودية قطعاً، بل أسئلة إبستمولوجية وما شابه ذلك، لكن صياغتها هزيلة وبخاصة السؤال الثاني الذي أراه يحتاج إلى تعديل حتى يكون سؤالاً فلسفيا وقوياً:
ما الذي يجعلنا نفكّر؟ وليس من الذي يجعلنا نفكر؟
أولاً – لم أجد ضمن حدود دراستي في تاريخ الفلسفة مدرسة تحمل عنوان المدرسة الفكرية، وهذا يعني أنّ المدرسة جديدة، وهنا أرى أن التسمية مغرقة ومسرفة في العمومية وهذا يستلزم التعرّف على مؤسسها، وبعض أعضائها وأتباعها وكذلك التعرف على فلسفة المدرسة، ومناهج البحث والتدريس فيها كي يتمّ التخفيف من شمولية العنوان الفضفاض فالمدارس تعرف عادة بأسماء مؤسسيها : أكاديمية إفلاطون، أو نسبة إلى مدينة كمدرسة فرانكفورت، أو نسبة إلى مكان بعينه كالمدرسة الرواقية. ما من شك أن مدارس الفلسفة كثيرة على امتداد تاريخها كالمدرسة المشّاىية في إشارة إلى الآلية الحركية في التدريس، والمدارس السكولاستية والمدرسة العقلية، والمدرسة التحليلية وجميعها كانت تمارس الفكر وفعل التفكير. وهنا لا أدفع باتجاه القول أن باب إنشاء المدارس الفلسفية قد أغلق!.
ثانياً – العنوان الفرعي الثاني “تعلّم الفكر”. وغم أنّ الفعل تعلّم غير مشكّل بالحركات ، لكن من الواضح أنه فعلٌ مرتبط بالزمن الحاضر. أي أنّ منهاج المدرسة هو أنها تعلّم “الفكر”. أي أنّها مصنع ومتجر أفكار نمطية، وليس كيف نفكّر أو كيف نولًد الأفكار. فعبارة “تعلم الفكر” هنا توحي بوجود قوالب فكرية جاهزة ومغلقة تلقّنها المدرسة لمنتسبيها. وهذا ما أشار إليه كاتب المقال الذي وضعنا أمام تسع معادلات فكرية لا يطالها النقد والشك سواءً حسب رأيه أو رأي المؤلف، كونها معادلات قائمة على أسس علمية واضحة تربط الفكر بالمعادلة وفي النهاية المعادلة ليست إلا قالبا فكرياً معدّة قبليّاً، لكنها غير مبرهنة يقينياً مما يفقدها الصفة العلمية التي تميز العلوم الرياضية، وهي قد تشبه المبدأ الذي بنى عليه الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت فلسفته (الكوجيتو) ومن بعده باروخ سبينوزا الذي حاول بناء فلسفته على مبادئ وأسس هندسية ( كتاب الأخلاق لاسبينوزا). دون أن يغلقا باب النقد والتساؤل.
أعتقد أن الاعتماد على قوالب فكرية نمطية جاهزة ومغلفة لا تناسب قطعاً الحقل الفكري الفلسفي الذي يقوم أساسا على فن السؤال المفتوح الذي لا يفرض وصاية مسبقة على العقل وحرية التفكير. حيث من الجائز أن نقول أن المدرسة تعلم فنّ التفكير أوتعلّم مبادئ التفكير النقدي، أو ما هي الطرق المناسبة لتعلم مهارات التفكير، وهنا يصبح العنوان أكثر أهمية ودقة، حيث أنّ أساليب التفكير مفتوحة ولا توجد قوالب نمطية جاهزة ومحصّنة فكرياً ونحن نتعلمها حصريّاً وكأننا في مدرسة دينية فقهيّة تعلم منتسبيها فنون القياس الفقهي.
ثالثاً – “فلسفة الموقع”. جملة مدهشة لا بل وأكثرها دهشة وغرابة. فعن أي موقع يتحدّث المؤلف ؟
موقع الإنسان دينياً في العالم؟ أم الموقع الفلسفي الوجودي؟ أم الموقع الجغرافي؟ أو الموقع الميتافيزيقي ربما قراءة الكتاب تعطي بعض التفاصيل، لكن تبقى العبارة جديدة ومبتدعة، لم تطرق سمعي وما قرأتها في كتب تواريخ الفلسفة، أوفي الأبحاث والدراسات الفلسفية الحديثة أو المعاصرة وهذا لا يعني الإعتراض على تداولها، بل المطلوب هو البرهنة على مشروعية دلالتها ومسوغاتها الأنطولوجيا والإبستمولوجيا، والمؤلف مدعوّ للتعريف بمصطلحاته والتي ينبغي أن تكون موجودة. وهنا أذكّر بمقولة جيل دولور وفيليكس غيتاري اللذان يجعلان من صناعة المفاهيم إحدى مهام الفلسفة.
ختاما أكرر أنّ النقد هنا موجّه نحو عنوان الكتاب دون المحتوى. رغم أني على تماس مستمر مع الفكر الفلسفي ولو في حدّه الأدنى منذ حوالي خمس عقود من السنين، إلا أنني شعرت بالحرج أمام هذا العنوان الجديد الذي نبّهني إلى ضرورة السؤال عن جدوى تلك السنوات الطوال التي أمضيتها في دراسة الفلسفة وضرورة مراجعة عدّتي المفاهيمية التي ربّما باتت هي الأخرى قديمة وفي حكم المستهلك. لا أريد نفي وجود مغامرة فكرية للمؤلف، سيما أنّ المغامرة هي بحث عن كمال جديد كما يقول الفريد نورث وايتهيد في كتابه مغامرات الأفكار، وفي فصله المعنون ” من القوة إلى الإقناع. متمنياً للمؤلف التوفيق عسى أن نكون وإيّاه أمام فتح فلسفي جديد “لمدرسة فكرية ” جديدة.