تودة… يا وجه القمر: حين تكتب المرأة نفسها بحبر النار..  قراءة انطباعية في ديوان مجيدة الفلاحي

نصر محمد / ألمانيا 
ماجدة الفلاحي ليست شاعرة تكتب الشعر فقط ، هي حاصلة على الإجازة في القانون العام علوم سياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط ، وناشطة حقوقية ، عضوة رابطة كاتبات المغرب ، وعضوة الحركة المطلبية للنساء السلاليات ، والجمعية الديمقراطية لنساء المغرب . هذه السيرة الحقوقية تفسر لماذا لا تكتب ماجدة قصيدة حب عابرة ، بل تكتب عن الجسد كأرض سلالية مسلوبة ، وعن الصمت كقضية .
من ” مساء المرايا ” 2022 إلى ” هكذا حدثتني جدتي ” 2023 إلى ” عييت.. مني ” 2024 إلى ” 48 ساعة في الجحيم ” 2025 ، وصولاً إلى ” تودة… يا وجه القمر ” 2026 ، ماجدة تبني معجمها الخاص : الجدة ، الريح ، الثلج ، الرماد ، والمرأة التي ترسم ملامحها من فتنة الرماد كما كتبتِ في ظهر الغلاف :
” أنا الريح إن غضبت يا جدتي
والشمس التي تأبي الغروب
أنا أنثى تكتب نفسها بحبر النار “
ديوان ” تودة ” هو ديوان هوية : كيف تكونين رئة ثالثة حين تضيق بك الحياة ؟
1. وجع على سلم ريختر – قلب الديوان :
هذا هو النص المفتاح ، وفيه تعرّفين تودة بنفسك :
” تودة يا وجه القمر… يا وجه القصيدة… هنا الموت فيك مقيم يجدد الحياة “
تودة هنا ليست امرأة جميلة فقط ، هي مقياس للزلزال . حين يهوي سقف السماء وتئن الأرض وتخر الجبال ويموت الرجال سريعاً ، تبقى هي ” ثلج وطين ودماء من هنا “. هي الطيبة المتسامحة التي تحمل كل التناقضات : الثلج للصبر ، والطين للأرض ، والدماء للجرح . الوجع عند ماجدة لا يقاس بالأرقام ، بل بتودة .
2. امرأة الثلج – أيقونة الصمود السلالي :
” تقف كل صباح عند منعطف الطريق الجبلي متأنقة بمعطفها الأصفر يشبه شمسنا الصغيرة تقاوم الثلوج… ابنة الصمت والثلج “
هذه المرأة هي المرأة السلالية نفسها التي تناضلين من أجلها . معطفها الأصفر هو بقعة الشمس الوحيدة في بياض قاسٍ ” لا يترك لها ظلاً “. وحين تشتد الشمس تخاف أن تذوب ، فتلوذ بصمتها ” ذلك الضجيج الساكن في أعماق القلب “. هذا توصيف عبقري لنساء الجبل : مثقلات بما لا يقال ، بأشجان توارت خلف الظل ، وفي عينيهن ” حلم انسحب بهدوء وحب تكسّر دون شاهد “. هي قصيدة عن كل امرأة تقف كل صباح لتقاوم دون أن يراها أحد ، صامتة لكنها تقول كل شيء .
3. تودة ذات الجلد – المنفى الداخلي :
النص الذي يبدأ بـ ” من هناك.. أنا من كل الأماكن.. أموت كثيراً أموت جداً ” هو بورتريه جسدي مؤلم :
” ذات الجلد والوجه الصامد الساكن الجامد والصوت الصامت الخفيض الخافت واليدين المتشققتين كظل ممدود سقيم هزيل “
هنا تخلعين عن تودة قداسة الأميرات ، لتقديمها كامرأة عاملة ، كادحة ، يداها متشققتان ، تسافر في أحداق الليل حافية ، عارية من ذاكرتها ، تردد آيات قدرها . هي تمشي بلا مأوى بلا شمس سمائية ، تتأبط موتها ” كفه بكفي.. أمضي.. لا أبالي لا أحتج مستسلمة.. راضية “. هذا الاستسلام ليس ضعفاً ، بل هو أسمى درجات المقاومة عند نساء سلاليات تعلمن أن الخلاص هو أن ” أطوي المسافات ولا طريق أمامي “.
4. اعتراف الخيانة – لست أنا / هذا العام / لعلكم مثلي :
النص الذي يبدأ بـ :
” ارحمي ضعفي واعترفي: أنك خائنة.. وأنني أنا.. خائنة مثلك لنفسي وعن سبق إصرار وبمنتهى العناد “
هو أكثر النصوص جرأة وحداثة . هنا تنقلب تودة من الطيبة المتسامحة إلى خائنة لنفسها عن سبق إصرار . ” دائماً معك ودائماً ضدك.. دائماً ضد نفسي “. هذا هو وجع المرأة المثقفة الحقوقية التي تعرف حقها لكنها تخون نفسها كل ثانية. تلبس الوجوه، تقنع نفسها، تنحدر… “فأنسى أنك قناع وقناع لوحدي “. إنه اعتراف بأننا جميعاً نرتدي أقنعة لنستمر .
5 _ القلب : هل سنلتقي ؟ تراجيديا الانتظار 
هل سنلتقي هي مسرحية حب كاملة ، هو يقول : ” أنت تعودين من حلمك البهي / وانا أعود من خيبتي ” ” ولو كان لنا جناح واحد / لكفانا / لنحمل روحينا معا ” 
ويطلب ان يلهوا بأصداف الوقت كطفلين يبحثان في اعشاش الطير من فرخة افراحهما فلا يجدان غير الذكرى 
وهي تقول : ” سأعود متى شئت/ بل سأعود كما ناداني صمتك .. لكن قل لي .. حين اعود هل سنلتقي ” 
ثم تصبح سيدة الوقت والدقائق خاتما في اصبعها  ، وتسأل سيعبر بحر الشوق إليها ” كما يعبر البحار إلى جزيرة أحلامه؟ أو كما يسوق الدليل قافلته عبر صحراء التيه نحو واحة الأمان ” 
هذا الحوار ليس حبا عاديا، هو سؤال الفقد الأمازيغي : نلتقي في الموعد الذي خبأناه في جيب الغياب ، والجيب مثقوب دائما  . 
6 _  الذروة الفلسفية: شاهدة – حين تصبح النفس اثنتين وواحدة
وهنا تأتي قصيدة ” شاهدة “، وهي أهم قصيدة في الديوان فكرياً ، والتي بنيتِ عليها كل شيء .
قال لها : ” وليس ما بيني وبينك إلا كالذي ما بين نفس وصاحبها.. لا هو يهجرها فيستريح ولا هي ترضى بأن تفارقه”
فأجابته بلعبة لغوية عبقرية :
” أنفسك يا هذا توجب التأنيث / كنفسي / ونفس الأنثى / هي الأخرى أنثى / فاتنة مثلها / تطيل غزل الحكاية / وتجيد الغواية / وإخفاء الحقيقة “
ثم تسأل السؤال الذي يقلب النحو والوجود معاً :
” من تكلمني / أم أقول أنتِ؟ / أم أن نفس الأنثى توجب التذكير / والتفكير بطريقة أخرى؟ / أم أن عالم الروح / بلا نوع ولا جنس / فمن أنتَ إذن؟ / قولي / من أنتَ؟ / قل لي… “
وهنا تنتبه إلى نفسها :
” لما انتبهت إلى نفسي من كلامي / وجدت أني لم أكن أكلم سواي / ونفسي علي شاهدة / فمتى كنا اثنتين / وكيف صرت واحدة؟ “
” لعلني لم أجب بعد عن السؤال / متى تشرق القصيدة / وكيف يجوز لي تذكير الأنثى / فأقول لنفسي أنتِ / وأنا أقصد أنتَ؟ “
هذا هو لب ديوان تودة . الشاعرة الحقوقية التي تدافع عن النساء السلاليات تكتشف أن المعركة ليست بين ذكر وأنثى، بل داخل النفس الواحدة التي هي مذكر ومؤنث معاً. عالم الروح بلا نوع ولا جنس . فكيف أقول لنفسي أنتِ وأنا أقصد أنتَ ؟ متى كنا اثنتين وكيف صرنا واحدة ؟ تودة هنا لم تعد امرأة ، أصبحت مرآة .
7 _  النهاية : الحب كعبادة وحريق
بعد هذا الاكتشاف الفلسفي ، يأتي الحب في الديوان ليس كعاطفة ، بل كخلاص .
في “أحبك” :
” أحبّيني كما يحب العابد سره / تحرري من قيدك / تمرّدي على ما يشدك / تجرئي وقدي قميصي من قُبُل / قولي جهرا: هيت لك / فلعلي ويا ليتني / أكون لك. “
هي دعوة للمرأة أن تكون هي الفاعلة ، هي التي تراود يوسف، هي التي تقد القميص من الأمام مواجهة لا من الخلف خلسة . تمرد مقدس .
وفي ” كوني لي ” يجيبها بالفناء الكامل :
” وكوني لي / وإن قطّعن أصبعهن بالسكاكين / كوني لي… / كوني بدني / واسكنيني / كوني وطني / وملاذي / كوني ميلادي… / فإني، دونك / في عداد الأموات. “
وأخيراً في ” قل لي…” ص ، وهي خاتمة الديوان وخلاصته الوجدانية ، يتحول الحبيب إلى كائن غير مسمى ، أكبر من المعنى :
” وقل لي : كيف يصبح الشوق بهذه القوة حتى انه يطير بي / بلا جناح نحوك؟ / أيها الغير مسمى، الأكبر من المعنى… “
” كيف لا تتمايل الأحرف وهي تعبر نحوك لتقول سكرها / بك، وشكرها لك، وقربها منك، وبعدها عن نفسها، كيف لا ؟”
” بل وكيف أنظر في العتمة فأرى نورك، وأسير على حافة اليأس فأجد يدك الممدودة لتقودني نحو قمة الأمل ؟”
” انت الكلمة وأنت الطريق، وأنت النحلة وأنت الرحيق، وأنت الجمرة وأنت، وأنت، الحريق… “
هنا يذوب سؤال ” من أنتَ ؟ من أنتِ ؟” في جواب واحد : أنت الكلمة والطريق والجمرة والحريق. الحب يصبح هو اللغة نفسها .
ديوان ” تودة… يا وجه القمر ” لماجدة الفلاحي ليس ديواناً عن الحب بالمعنى التقليدي ، رغم وجود عناوين مثل ” أحبك ” و ” هل سنلتقي ” و ” قلي لي ” .
إنه ديوان عن ” كيف تكونين طيبة ومتسامحة في عالم يهوي فيه سقف السماء ” ؟ كيف تكونين أميرة من القرن السادس عشر ويداك متشققتان كظل سقيم ؟ كيف تقفين كل صباح بمعطفك الأصفر في الثلج ، مثقلة بما لا يقال ، وحبك تكسّر دون شاهد ، ومع ذلك تظلين وجه القمر ووجه القصيدة ؟
ماجدة في هذا الديوان لا تكتب عن تودة ، بل تكتب بتودة . تستعير جلدها الصامد ، وصوتها الخفيض ، ووجعها على سلم ريختر ، لتصرخ بدلاً عنها : أنا الريح إن غضبت يا جدتي .
وهذا هو أجمل ما في التجربة : تودة التي تعني الطيبة المتسامحة ، أصبحت عند ماجدة الفلاحي رمزاً للمرأة التي تسامح العالم لكنها لا تسامح نفسها حين تخونه ، والتي طيبتها ليست ضعفاً ، بل هي حبر النار الذي تكتب به نفسها من جديد .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم اليوسف

غدا صباحُ اليوم الذي أُعلن فيه رحيل الفنانة الكردية كلستان طاهر”1974-2026″، المعروفة فنياً باسم “كلستان طاهر/ سوباري”، صباحاً جد أليم بالنسبة إلى أسرتها، وذويها، ومتابعي فنها: غنائياً ومسرحياً، فقد حمل معه خبراً صادماً لمن عرفها عن قرب أو تابع مسيرتها الفنية الطويلة، إذ رحلت وهي لاتزال في أوج عطائها الإبداعي، تجمع بين الغناء والتمثيل،…

خالد بهلوي

يمثل حفل توقيع الكتاب، الذي يقيمه الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا ضمن أنشطته وفعالياته الثقافية، فرصة مهمة لتقديم الكتاب إلى القراء والمهتمين بالشأن الكردي، وفتح نقاش حول القضايا التي يتناولها، ولا سيما ما يرتبط بتاريخ الكرد في سوريا، وحضورهم الثقافي والاجتماعي، والتحولات التي مروا بها عبر مراحل مختلفة.

ولا يُعدّ حفل توقيع الكتاب،…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ثَمَّة تاريخ لا ينتهي حين تنتهي الحروب، ولا يهدأ حين تصمت البنادق، ولا ينام حين تُغلق السجونُ أبوابَها، ولا يختفي حين يُدفَن الموتى في التراب. هناك تاريخ آخر، أكثر عنادًا، وأشد التصاقًا بالإنسان، يواصل حياته في الذاكرة، ويعيش في الجسدِ، ويتوهَّج في اللغةِ، ويتدفق في الخوف الذي لا…

عصمت شاهين دوسكي
يَشْقِينِي صَمْتُكِ إِنْ غَارَا
كَصَمْتِ اللَّيْلِ إِنْ سَارَا
فِي الْكَرَى عَلَى وِسَادَةٍ
تَحْلَمِينَ بِلَوْعَةِ نَارِكِ نَارَا
وَتَمُرُّ الذِّكْرَيَاتُ كَمَا كَانَتْ
تَضُجُّ بِالْحَنِينِ تَارَةً وَتَارَا
رَأَيْتُ سَرِيرَكِ الْمَعْنَى يَشْكُو
تَرْكُ آثَارِكِ الْوَرْدِيَّةِ تَدَارَا
آهْ مِنْ شَوْقٍ يُدْنِينِي
حِينَمَا أَرَاكِ يَحْمِرُ حارَا
***
يُشَتِّتُنِي قَلْبُكِ الَّذِي يَطِيبُ
بِالْمِسْكِ وعِطْرُكِ غَرِيبٌ
أَدْنُو مِنْ أَشْيَاؤُكِ الْجَمِيلَةِ
أَشُمُّهَا كَأَنِّي فِي جِنَانِ الطَّيِّبِ
أَوَدُّ أَخْذَهَا لَكِنْ قَلْبِي يَرْتَجِفُ
كَأَنَّ نَبْضَ قَلْبِكِ مِنِّي قَرِيبٌ
أَرَى مَرْآَتَكِ أَتَخَيَّلُ…