وجه هلالية

فواز عبدي

في شقة صغيرة في مدينة دورتموند، جلس دارا أمام شاشة الكومبيوتر يتصفح أرشيفاً رقمياً عن معرض دمشق الدولي. لم يكن يبحث عن شيء محدد. فقط كانت لديه رغبة عارمة في أن يربط بين ذاكرته الممزقة وبلدٍ لم يعد يعرفه إلا من صور باهتة وأخبار تأتي من بعيد محمّلة دائماً برائحة من آثار الحروب، وأحاديث متقطعة من والده.

كان قد سمع عن التفجير الذي وقع في المعرض عام 1996، لكنه لم يكن يعرف أن اثنين من أقربائه؛ فرهاد وكاوى كانا من بين الضحايا. لم يعرف ذلك إلا قبل أيام، حين أرسل له والده رابطاً لقصة منشورة على مدونة قديمة بعنوان “الرعشة أو ليلة انتهاء العرض”[1]. قرأها مرة تلو مرة، وكل مرة كان يشعر أن الكلمات تنزف من بين السطور.

كان كاوى وفرهاد يتنقلان بين أجنحة المعرض، يضحكان، يتكلمان بلغة لا يفهمها طفل يحمل فوق رأسه صينية كاتو. تناهى إلى مسمعه همساتهما:

  • Îro emê paytetê tevî bibînin.
  • Paytext tenê?! Dibêjin qîzên paytextê spehîne.

ابتسم دارا، دارا الذي لم يكن هناك. كان حينها طفلاً يعيش في هلالية، حيث كانت السماء أقرب إليهم من الدولة، والهويّة تُحفَظ سرّاً في القلوب أو تُكتب –أحياناً كنوع من التحدي وفي حلكة الليل- على الجدران، حيث لا مكان لها في السجلات. انتابه شعور قوي أن القصة تخصه كما تخص كل من حمل اسماً كردياً في وطنٍ لا ينطقه.

في تلك الليلة قرّر أن يكتب رسالة إليهما. رسالة قصيرة جداً، لم تكن رسالة عزاء، بل اعترافاً متأخراً:

“فرهاد!

كاوى!

لم أكن هناك حين انفجرت الرعشة في جسديكما، لكني كنت هناك حين انفجرت فينا فكرة أننا لا نملك أوراقاً تثبت أننا نحلم. كنت هناك حين سألني موظف القنصلية: ما جنسيتك؟ قلت: لا أعرف!”

أغلق الكومبيوتر وخرج إلى الشارع. دورتموند هادئة. واجهات المحلات تلمع، قطارات تعبر، جسور تتقاطع… سار بلا وجهة معينة.. شعر أن كاوى وفرهاد يسيران معه. كلما مرّ بشاشة عرض تذكّر وجه هلالية الذي لم يعرض. كلما رأى بطاقة تعريف تذكّرَ من ماتوا دون أن تعرفهم دولة..

في اليوم التالي أخذ دارا ابنته الصغيرة إلى معرض في المدينة. كانت القاعة مليئة بالوجوه؛ وجوه من أفريقيا، وجوه من آسيا، وجوه من مدن بعيدة، وجوه نجت من قوارب الموت، وجوه لم تنجُ تماماً.. وجوه تعرف أسماءها ووجوه تبحث عنها.

كانت هناك شاشة كبيرة تعرض وجوهاً من كل أنحاء العالم. سألت الطفلة:

  • بابا! أين وجه هلالية؟

ارتعش شيء في داخله:

  • لا أعرف.
  • هل ضاع؟
  • ربما.
  • هل أرسمه؟

لم يقل شيئاً. أعطاها ورقة وصمت.

جلست الطفلة على الأرض ورسمت دائرة، عينين، فماً وشَعْراً أسود، ثم وضعت إصبعها على نصف الوجه وقالت:

  • هنا دخان.
  • لماذا؟
  • لأن أحداً أحرقها.

لم يعرف دارا ماذا يقول. اكتفى بمراقبة ابنته التي أضافت نصف ابتسامة إلى النصف الثاني من الوجه. سألها:

  • وهنا؟
  • هنا تضحك.
  • لماذا؟
  • لأنها كانت تنتظر كاوى وفرهاد.

في الليل عاد دارا إلى الكومبيوتر. فتح الخبر وقرأه:

“مقتل فلسطيني في انفجار المعرض إضافة إلى بعض الجرحى”.

أغمض عينيه قليلاً ثم انتقل إلى القصة، قرأ: كاوى.. فرهاد… هلالية..

ثلاثة أسماء، ثلاثة ظلال، ثلاثة وجوه تتزاحم على شاشة صغيرة.

كتب:

“في 9 أيلول 1996 انفجرت رعشة في معرض دمشق الدولي. لم يكن هناك قتيل فلسطيني فقط. كان هناك فرهاد، وكان هناك كاوى، كما كان هناك من يبحث عن هلالية”.

توقف. مسح كلمة “فلسطيني”..

ظل ينظر إليها لحظة، ثم أعادها.

لا، لن يمحوها، سيتركها كما هي، لكنه سيكتب إلى جوارها: كاوى وفرهاد وأسماء أخرى.

***

في المساء علقت الطفلة رسمتها على باب غرفتها ونامت.

دخل دارا ولمح الرسمة، اقترب.. كان وجه هلالية نصفه ضاحك ونصفٌ مغطى بالدخان، لكن العينين كانتا مفتوحتين. تذكر فرهاد، تذكر كاوى، تذكر الشاشة، تذكر النعل الذي مر فوق الوجه، تذكر الورقة، ثم تذكر السؤال الذي لم يجد له جواباً:

  • من أنا؟

مدّ يده ولمس الرسم. قال:

  • أنت هلالية.

ثم تراجع وكأنه خاف أن يسمعه أحد:

  • ونحن؟

توقف.

لم يقل “كرد”، لم يقل “أجانب”، لم يقل “بلا جنسية”. قال فقط:

  • ونحن الذين بقينا نبحث عنك.

***

في الصباح كانت دورتموند باردة. فتحت ابنته باب غرفتها. نظرت إلى الرسم، ثم إلى أبيها وقالت:

  • بابا، هل رآنا وجه هلالية؟

نظر إليها مبتسماً:

  • لا.

أخذت قلماً أسود، ورسمت أسفل الوجه عيناً ثالثة وقالت:

  • الآن يستطيع أن يرى.

ضحك دارا، وكانت ضحكته طويلة هذه المرة، ثم سمع صوتاً من بعيد، أو تهيّأ له أنه سمع:

  • Kawa… Ferhad..!

فتح النافذة، لم يكن هناك أحد.. فقط سماء دورتموند وعلى صفحتها قوس خفيف من الدخان يظلل المدينة.

****

في مكان آخر، في صورة قديمة، بقي المعرض مفتوحاً. الأجنحة مغلقة، الأعلام ساكنة والشاشة تعرض وجوهاً لا تنتهي. بين وجه وآخر –وللحظة قصيرة جداً- ظهر وجه فتاة تبتسم، وجه لم يعرفه أحد. اقترب كاوى وفرهاد. قال أحدهما:

  • Îro emê ruwê Hilêliyê bibînin.

وسارا.

هذه المرة لم يكونا يبحثان عنه. كان هو الذي ينظر إليهما.

وفي مكان بعيد، وبعد ثلاثين عاماً، كانت طفلة ترسم ثلاثة وجوه:

كاوى

فرهاد

وهلالية…

 

[1] – “الرعشة أو ليلة انتهاء العرض، قصة كتبتها أثنار حدوث الانفجار في معرض دمشق الدولي . نشرت في صحيفة خبات، هولير. وفي مجلة “قضايا وحوارات” قامشلو.

لقراءة القصة انقر:

https://www.facebook.com/share/p/1FrSuKRHpt/

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…

بهمن قوبادي يرصع قمة جبال هوليود بفيلمه الجديد الاشجار تنظر
بعد سلسلة أفلامه التي حازت على عدة جوائز ضمن مهرجانات السينما العالميه ،
مهرجان سيباستيان – اسبانيا
مهرجان روتردام – هولندا
مهرجان فلورنسه – ايطاليا
مهرجان كان السينمائي – فرنسا
مهرجان تورنتو – كندا
حيث شارك في تلك المهرجانات بأفلام تركت بصمة في عالم السينما ، كفيلم:
وقت الجياد المخموره و قد ترجم…

لندن – أعلنت منشورات رامينا في لندن فوز الكاتب والمترجم والصحفي فريد خليل بالدورة الثانية من “جائزة چولبر في علوم اللغة الكردية” لعام 2026، بعد اختيار لجنة التحكيم اسمه من بين عدد من المرشحين.

وجاء اختيار خليل تقديراً لعمله في اللغة الكردية والترجمة والإعلام، ومشاركته في مشاريع تهتم بوضع معايير للكردية الكرمانجية وتطوير المصطلحات الإعلامية، إلى…