شعر

أموتُ قليلاً كلما عاد المساء

أفين بوزان

تعبتُ…

كأنني عشتُ عمري كله
لأبلغَ هذا الخراب ..
وكأنَّ قلبي .. كلما رمَّمتُه ..
فتحَ للغيابِ باباً ..
فعادَ منه أكثرَ انكساراً.

تعبتُ من أملٍ ..
كلما خبَّأتُه في صدري
أعادهُ إليَّ المساءُ
جنازةً صغيرة.

من جرحٍ لا ينام ..
ومن دعاءٍ ظلَّ معلقاً
بين السماءِ
وقلبٍ لم يَعُدْ يؤمنُ بالسماء.

كم مرَّةً ..
بنيتُ بيتاً من الحنين ..
وتركتُ الألمَ بلا إجابة ..
وكم سؤالاً تركتهُ
دونَ أن يُنجبَ جواباً…

وزرعتُ الريحانَ عند نوافذِهِ
وأشعلتُ في عتمتِهِ شمعةً
ثم بتُّ وحدي
أرقبُ احتضارَ الضوءِ
في عينيَّ؟
لا أعرفُ…

كم غصناً من الياسمين
تركتُه على عتبة الانتظار
وكم رسالةً كتبتُها ولم أُرسلها ..
وكم مرَّةً همستُ للريح:
لعلَّه يأتي…

وكم مرَّةً ..
عادَ المساءُ وحدَه ..
وفي يديه رائحةُ الغياب.

كنتُ أقولُ: غداً…

لعلَّ هذا الحزنَ ينسى اسمي
ولعلَّ قلبي يستريحُ قليلاً ..
ولعلكَ.. ذاتَ ندمٍ
تبحثُ عن امرأةٍ
أحبَّتْكَ أكثرَ
مما أحبَّتْ نجاتها.

لكنَّ الغدَ كان يأتي
بوجهِ الأمس ..
وكانت المرآةُ ..
كلَّ صباحٍ ..
تردُّ إليَّ امرأةً
أثقلَ من دمعها ..
وأصغرَ من أحلامها.

تعبتُ…

وليس ما يؤلمني
أنَّكَ لم تَعُدْ ..
بل أنني ..
رغمَ كلِّ هذا الخراب
ما زلتُ أتركُ لكَ
مكاناً على المائدة ..
وأُصغي كلما تحركَ الباب
وأخجلُ من قلبي
كلما كذَّبَ الغيابَ
ثم عادَ ينتظرُكَ.

تعبتُ…

أريدُ أن أنامَ
دونَ أن أراكَ في منامي
وأن أستيقظَ
دونَ أن أفتشَ عنكَ
في الجهاتِ الأربع ..
وأن أمرَّ باسمكَ
دونَ أن يسقطَ من روحي
شيءٌ يستحيلُ أن يعود.

أريدُ أن أكونَ أنا…
ولو لمرَّةٍ واحدة
أن أستردَّ المرأةَ التي كنتُها
قبلَ أن أحبَّكَ ..
وقبلَ أن أعلقَ عمري
على مسمارِ وعدٍ
وقبلَ أن أتعلمَ
كيف يموتُ الإنسانُ واقفاً
ولا يلحظُ أحدٌ احتضارَه.
تعبتُ…

فإن عُدتَ يوماً ..
فلا تسألِ الأبوابَ عنِّي ..
ولا تضعِ الياسمينَ على قبري
ولا تقُلْ: تأخَّرتُ…

فقد تأخَّرتَ
حتى صارَ قلبي
مكاناً لا يُزار ..
وصارَ الحنينُ
آخرَ ما تبقى من امرأةٍ
كانت تنتظرُكَ…

فثمَّةَ نساءٌ
يمُتْنَ من الانتظارِ مرَّةً ..
وثمَّةَ امرأةٌ
ماتتْ ألفَ مرَّةٍ وهي تنتظرُكَ ..
ثم نهضتْ
لتطفئَ آخرَ شمعةٍ
في بيتها.

أنا تلكَ المرأة…

التي لم تَعُدْ تنتظرُ أحداً ..
لكنها ..
كلما أغمضتْ عينيها
سمعتْ قلبَها القديمَ
يناديكَ
من تحتِ الركام.

تعبتُ…

وما عادَ فيَّ ..
ما يكفي لأحزنَ أكثر
ولا ما يكفي لأنساكَ.

فقط…

أريدُ أن يعبرَ الليلُ
دونَ أن أشعرَ
أنني ما زلتُ حيَّةً
بما يكفي
لأفتقدكَ.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى

النَّفَسُ الأخيرُ لإنانا

تنكزار ماريني في تلك الليلة كنتِ ضوء القمر مستلقيةً على صدري. نهضت إنانا من رحم الأرض، وفي شعرها سبعة أبواب، ووضعت أنفاس…

شذراتٌ في متاخمة الشّعر

خالد حسين I إنَّها كثافةُ الحبِّ، الانجْذَابِ، احِتْشَادُ الغُيوم، الكثّافةُ البَاهِظَةُ التي لا تتحمَّلها اللّغةُ. تُكثّفُ عَاشقةٌ صباحَهَا المندّى: ["أحبُّكَ": لا يَفِيهَا…

ثمن الرصاصة

جليل إبراهيم المندلاوي "حين يصبح الجنون هو الاسم الذي يطلقه العالم على من رأى الحقيقة، فلا يعود السؤال: من المجنون؟ بل: من…