أعلنت منشورات رامينا في لندن، عن صدور الترجمة العربية لكتاب «عندما يصبح الحبّ سامّاً» للمؤلفتين روث ماركارت وساندرا غونتر، بترجمة الدكتور درغام السفّان، وهو عمل يجمع الخبرة النفسية والقانونية والشهادات الشخصية في مقاربة العلاقات العاطفية المؤذية، وتتبع علامات التحذير التي قد تختبئ خلف الاهتمام المكثّف والوعود الرومانسية، وصولاً إلى فهم آليات السيطرة والتلاعب، والتفكير في خيارات الخروج واستعادة الثقة بالنفس.
ويحمل الكتاب عنواناً فرعياً يوضح مساره: «كيف تتعرّفين على علامات التحذير وتتخلّصين من علاقة سامّة وتكتشفين نفسك من جديد»، ويخاطب النساء بصورة أساسية، مستنداً إلى تجارب المؤلفتين الشخصية والمهنية، وما عاينتاه من حالات تتداخل فيها التبعية العاطفية والخوف والعنف ومشكلات الانفصال. كما يفتح المجال أمام الرجال لفهم السلوكيات المؤذية ومسؤولية الشريك في بناء علاقة تقوم على الاحترام والأمان.
يتوزّع الكتاب على سبعة أبواب، تتدرّج من البدايات التي تبدو واعدة ومطمئنة إلى انكشاف أنماط الإيذاء، ثم مواجهة الأسئلة النفسية والقانونية والعملية التي يثيرها الانفصال، قبل الانتقال إلى التعافي وبناء حياة أكثر استقلالاً. ويرافق هذا المسار حضور متواصل للحكايات والأمثلة والأسئلة والتمارين التي تدعو القارئة إلى مراجعة تجربتها، وتدوين ملاحظاتها، والتعرّف على الحدود التي تحتاج إلى حمايتها.
وتنطلق المؤلفتان من ملاحظة أساسية تتعلّق بالطبيعة التدريجية للعلاقات المؤذية؛ فقد تبدأ العلاقة بإحساس استثنائي بالتفاهم والقبول، ثم تتسلّل إليها تعليقات تقلّل من قيمة الشريكة، أو مطالب تتدخّل في مظهرها وصداقاتها وقراراتها. ومع تكرار هذه المواقف، تتراجع الثقة بالنفس، وتصبح محاولة إرضاء الطرف الآخر وتجنّب غضبه شاغلاً يومياً يستنزف الوقت والطاقة ويضيّق مساحة الحياة الشخصية.
ويمنح الكتاب مساحة واسعة لما يسمّيه «قصف الحبّ»، أي الإغراق بالاهتمام والمديح والوعود في بدايات العلاقة، حين تتسارع الخطوات على نحو قد يربك القدرة على التقييم الهادئ. وتتابع المؤلفتان كيف يمكن أن يعقب هذا الاندفاع فتور أو انتقاص أو انسحاب، فتجد المرأة نفسها منشغلة باستعادة الصورة الأولى للشريك، ومتمسّكة بلحظات القرب التي تتخلّل فترات الأذى.
وفي باب مخصّص لدورة العلاقات السامّة، يرصد الكتاب أحد عشر مكوّناً تشمل الاندفاع العاطفي وتسارع العلاقة، ثم الإهانة وتدنّي معايير القبول والتلاعب النفسي والمعاملة الصامتة وإلقاء اللوم وتجاوز الحدود والسيطرة والعزلة، وصولاً إلى تعلّق يجعل العلاقة شبيهة بمصدر يصعب الاستغناء عنه رغم كلفته النفسية. وتُقرأ هذه المكوّنات عبر مواقف يومية تظهر فيها كيفية تبدّل موقع الشريكة، من إنسانة لها رغباتها واستقلالها إلى طرف يراقب ردود أفعاله باستمرار خشية العقاب أو الهجر.
ويتوقّف الكتاب عند التلاعب بإدراك الوقائع والذاكرة، حين ينكر أحد الطرفين كلاماً أو أحداثاً سابقة، ويعيد صياغتها بطريقة تدفع الآخر إلى الشكّ في فهمه وحكمه على الأمور. كما يناقش الغيرة حين تتحوّل إلى مراقبة وتقييد، والشعور بالخجل والذنب حين يصبح عائقاً أمام الإفصاح عن الأذى أو طلب المساندة.
وتطرح المؤلفتان، من خلال تجربتيهما، سؤالاً يتكرّر في التعامل مع النساء المتضرّرات: كيف تقع امرأة واعية أو متعلّمة أو ناجحة مهنياً في علاقة كهذه؟ وتقدّمان شهادات تبيّن أن المعرفة والمكانة الاجتماعية قد تتعايشان مع الارتباك العاطفي والخوف وصعوبة الاعتراف بما يجري، وأن فهم التجربة يحتاج إلى الإنصات إلى تفاصيلها والظروف المحيطة بها، بعيداً عن اختزالها في أحكام سريعة على صاحبتها.
وفي هذا السياق، تستعيد ساندرا غونتر جوانب من علاقات عاشتها، وتشرح كيف وجدت نفسها، رغم عملها في المحاماة، أمام تناوب مربك بين المودّة والرفض، وتدخّل في خياراتها، وتجارب إيذاء تركت آثارها عليها. ويمنح هذا الإفصاح الكتاب قرباً من القارئة، إذ تتقدّم المؤلفة بخبرتها وبما تعلّمته من تجربتها، وتربط المعرفة المهنية بالأسئلة التي واجهتها في حياتها.
وتضيف المقدّمة التي كتبتها سفينيا أندريا بيك شهادة عن علاقة اتّسمت بالعنف النفسي والجسدي، وعن الصعوبات التي رافقت الخروج منها، ثم الطريق الطويل لاستعادة التوازن بمساعدة العلاج والدعم. وتحضر تجربة الأمومة في هذه الشهادة، وفي فصول لاحقة، من خلال التفكير في أثر العنف على الأطفال، وما يحتاجونه من حماية واستقرار.
وينتقل الكتاب في أبوابه الأخرى إلى استراتيجيات الخروج، فيناقش الخوف من الوحدة، والتعاطف مع الذات، واتخاذ القرار، واستعادة القدرة على التعبير عن الاحتياجات. ويولي اهتماماً بالأدوار المتكرّرة داخل العلاقة، وبالطريقة التي قد تدفع الشخص إلى تحمّل مسؤولية إصلاح الآخر أو إنقاذه، فيما تتراجع العناية بحياته وصحته وحدوده.
ويخصّص باباً للعلاقات العنيفة، يتناول فيه الانتقال من التلاعب بالعواطف إلى الاعتداء الجسدي، والوعود التي تعقب الاعتداء، ثم عودة الأذى ضمن دوّامة تتكرّر فيها المصالحة والتصعيد. وتستند هذه الفصول إلى تجارب وحالات من واقع المحاماة، بما يتيح رؤية الصلة بين المعاناة داخل المنزل وما قد ينشأ عنها من إجراءات ونزاعات ومسؤوليات.
وتشغل قضايا الانفصال والحضانة والمال ورعاية الأطفال حيّزاً أساسياً في القسم القانوني، حيث تعرض ساندرا غونتر أسئلة تواجه النساء عند إنهاء العلاقة، وما يتّصل بها من ترتيبات ومخاوف وعوائق عملية. وتأتي هذه المناقشات ضمن السياق القانوني والمؤسسي الذي تنطلق منه المؤلفتان في ألمانيا، وتكشف حجم التشابك بين القرار العاطفي وشروط تنفيذه في الحياة اليومية.
أما الباب الأخير، فيتابع مرحلة التعافي، من معالجة آثار الصدمة وتعزيز القيمة الذاتية إلى استعادة العلاقات الداعمة وإعادة توجيه الاهتمام نحو حياة تختار المرأة ملامحها. وتندرج ضمن هذا المسار تمارين «مذكّرات الحبّ السامّ»، التي تشجّع على الكتابة والتأمّل ورصد الأنماط المتكرّرة وصياغة الاحتياجات والتطلّعات، مع منح التغيير الوقت الذي يتطلّبه.
تعريف بالمؤلفتين والمترجم
روث ماركارت: خبيرة في الصحة النفسية والعلاقات، ومستشارة أسرية ذات تأهيل في المقاربة النسقية، ومعالجة بالتنويم الإيحائي. تشارك في برامج تلفزيونية ألمانية في مجال الاستشارات النفسية والأسرية، وتتصل اهتماماتها بالعلاقات المؤذية في الحياة الخاصة والعمل، وإدارة الأزمات والتعامل مع الصدمات ومشكلات الشراكة. وتجمع مساهمتها في الكتاب بين خبرتها الاستشارية وتجربتها الشخصية، مع اهتمام بفهم أنماط التعلّق واستعادة الثقة بالنفس.
ساندرا غونتر: محامية ألمانية تعمل في قضايا الأسرة والطّلاق والقانون الجنائي، وتدير مكتب محاماة في دورتموند. تتناول في عملها قضايا الانفصال وما يرتبط بها من حقوق وترتيبات أسرية، كما عملت في الدفاع الجنائي وتمثيل ضحايا الجرائم، وتظهر في برامج تلفزيونية قانونية. وتقدّم في الكتاب خبرتها المهنية إلى جانب شهادتها الشخصية، مع تركيز على الجوانب العملية والقانونية للعلاقات المؤذية وإنهائها.
الدكتور درغام السفّان: طبيب وكاتب ومترجم، واستشاري في الطب النفسي مقيم في ألمانيا، يجمع بين العمل الطبي والاهتمام بالكتابة والتوعية النفسية.

التعليقات (0)