حوار: فخرية أدساي
الترجمة عن الكردية: إبراهيم محمود
“تقديم المترجم: ثمة أكثر من عقد زمني، يفصلنا عن تاريخ هذه المقابلة بالكردية. إنما ثمة الكثير الكثير الذي يثبت حيويته، أهليته في الاستمرار، بحمولته الفكرية والشعرية، في مجمل المقابلة، ومن شاعر له تجربته الحياتية، وهي الجامعة بين السهليّ والجبلي، وفي هذا ما يعزز حضوره الجمالي . لهذا كانت الترجمة هذه”
في هذا العدد، سعينا لإلقاء نظرة فاحصة على الشاعر مؤيد طيب، القادم من كردستان الجنوبية، والمعروف في كردستان الشمالية بديوانه «لا الريح تصعد بي، ولا الأرض تهبط بي ، » (*Ne Ba Min Siwar Dike Ne Ax Min Peya Dike*).
وُلد الشاعر مؤيد طيب عام 1957 في دهوك، وقد أتمّ دراسته الابتدائية والثانوية. وفي عام 1978، بدأ دراسته في كلية القانون بجامعة بغداد. عمل في الإذاعة الناطقة بالكردية وفي صحيفة: التعاون (Hawkarî) الأسبوعية، وخلال تلك السنوات اكتسب شهرته كشاعر. وفي عام 1982، ونظراً للتهديدات التي تلقاها من النظام، ترك دراسته وانضم إلى الثورة، ليصبح من قوات «البيشمركة».
واستقر في السويد عام 1983، حيث عمل في مجلة «إربناغي» (Erbenaggê) وتولى لاحقاً منصب رئيس تحريرها. عاد إلى كردستان عام 1996، وأسس دار “سبيريز” (Spîrêz) للنشر عام 2002. وفي عام 2011، تعرض لإصابة بالغة جراء هجوم إرهابي.
مؤيد طيب، يُعد أحد رواد الشعر الكردي (باللهجة الكرمانجية) في كردستان الجنوبية. حيث تُرجمت قصائده إلى لغات عدة، منها العربية والفارسية والإنجليزية والسويدية والتركية، كما أُجريت حول شعره دراسات أكاديمية عديدة.
من أعماله: «أغانٍ، وثلج، ونار” (*Stran û berf û agir*) – شعر، 1992؛ “النمورحين تجوع…البشر حين يشبعون ” (*Piling dema birsî bibin… mirov dema têr dibin*) – شعر، 2012 ” وقوس قزح» (*Keskusor*) – ترجمة، 2012. *Aştî û Viyan* (السلام والهيام)، شعر للأطفال، 2009؛ *Me Navêt Tundûtûjî* (العنف لا نريده)، شعر، 2009؛ و*Parzînke Şîr û Çîrokan* (مختارات من القصائد والقصص)، مجموعة للأطفال، 2010.
-في ربيع عام 2014، صدرت مجموعتك الشعرية عن دار “أفيستا” (Avesta). إذا لم أكن مخطئاً، فقد نُشرت إحدى قصائدك (أو ربما أكثر؟) في وقت مبكر يعود إلى عام 1979 في مجلة: شمس الإعلام: *Medya Güneşi* .هل هذا صحيح؟ هل يمكنك إخبارنا عن تجربتك في تلك الفترة وعن مجلة *Medya Güneşi*؟
نُشرت قصيدتي الأولى عام 1978 في صحيفة *Hawkari* الأسبوعية، وهي صحيفة كردية كانت تصدر في بغداد. أما قصيدتي الثانية، التي حملت عنوان: أيتها الحلّابة “Ho Bêriyê”، فقد حوّلها الفنان القدير تحسين طه إلى أغنية، وحظيت حينها بانتشار واسع. وفي عام 1987 -وهي فترة كنت أعيش فيها كلاجئ- طلب مني صديقي الكاتب القدير محمود لوندى (Mahmud Lewendi) إحدى قصائدي ليترجمها إلى التركية؛ لكن مجلة *Medya Güneşi* نشرت القصيدة باللغة الكردية بدلاً من التركية. كانت قصيدتي هي المادة الوحيدة باللغة الكردية في ذلك العدد، بينما جاءت بقية المحتويات باللغة التركية. وعلمت لاحقاً أن المدعي العام رفع دعوى قضائية ضد المجلة بسبب قصيدتي. كما احتوى العدد نفسُه قصيدة أخرى حول حلبجة.
باختصار، كانت *Medya Güneşi* أول مجلة تنشر قصائدي في كردستان الشمالية. وفي السنوات الأخيرة، زرت “الشمال” (كردستان الشمالية) عدة مرات، حيث قدمت ندوات وألقيت قصائد في مدن مثل جزيرة عمر (Cizre)، وآمد (Amed)، وماردين. علاوة على ذلك، شاركت في عام 2009 في مهرجان ستانبول الدولي للشعر. في عام 2014، نشرت دار “أفيستا” (Avesta) ديواني الشعري، وأنا سعيد للغاية لأن قصائدي تُقرأ في الشمال.
-لقد كنتَ أنت نفسك من قوات “البيشمركة”، كما شغلتَ عضوية البرلمان في بغداد؛ بعبارة أخرى، لطالما لعبت السياسة دوراً محورياً في حياتك. فهل كان لهذا الثقل السياسي تأثير إيجابي أم سلبي على شعرك؟
أنتمي إلى عائلة كردية وطنية مناضلة. فمنذ بدايات الثورة التي قادها الزعيم الخالد بارزاني عام 1961، اعتُقل والدي واثنان من إخوتي، وقضوا سنوات في السجون العراقية. ومن بيننا نحن الإخوة السبعة —وأنا أصغرهم— لم ينجُ أحدٌ منا من تجربة السجن أو الانخراط في صفوف “البيشمركة”. وفي ظل نشأتي في عائلة كهذه، كان من الطبيعي أن أسلك طريقهم، وأكرّس نفسي لقضية شعبي، وأواصل نضالهم. ولا شك أن هذا النضال ينعكس في قصائدي؛ ومع ذلك، لم أسمح يوماً لشعري بأن ينحدر إلى مجرد خطاب سياسي أو شعارات مباشرة. لقد أوليتُ دائماً اهتماماً بالغاً للجانب الفني؛ فبالنسبة لي، لا يقلّ شكل القصيدة أهميةً عن مضمونها. وأؤمن بأن المضمون وحده لا يكفي لخلق قصيدة جميلة، بل يحتاج إلى قالب فني بديع. وإلا، فإن الشعر يغدو مجرد شعارات أو خطاب سياسي —وهي آفةٌ يعاني منها الشعر الكردي للأسف. فمنذ عصر “أحمد خاني” (Ehmedê Xanî) —رائد شعر المقاومة— وحتى يومنا هذا، ورغم استمرارنا في كتابة شعر المقاومة، تظل النماذج المتميزة حقاً —من الناحية الجمالية— نادرة للغاية في الأدب الكردي.
-كيف تقيّم العلاقة بين الشعراء والكتّاب والمثقفين من جهة، وبين السياسيين وأصحاب السلطة من جهة أخرى؟
لقد قيل وكُتب الكثير حول العلاقة بين السياسيين والفنانين. وإذا ما قمنا بتصنيف السياسيين إلى فئتين:
1- السياسيون الذين يمارسون السلطة بأسلوب قمعي: في هذه الحالة، ينبغي على الفنانين بلا شك الوقوف إلى جانب الشعب ومعارضة أمثال هؤلاء. فبما أن الفن يمثل الجمال والخير، فهو بطبيعته نزّاع نحو التقدم؛ لذا يجب أن يظل دائماً في صف الناس، وأن يكون صوتهم، بدلاً من أن يتحول إلى بوقٍ للسلطة.
2- السياسيون الثوريون الذين يقودون الشعب في نضاله من أجل التحرر: ورغم أن العلاقة مع هؤلاء ينبغي أن تتسم بالود، إلا أنه حتى في هذه الحالة، يتوجب على الفنانين الحفاظ على استقلاليتهم، وألا يتحولوا إلى مجرد أدوات في أيدي هؤلاء القادة. فلكل من السياسيين والفنانين رؤىً مختلفة للحياة؛ لذا ينبغي على الفنانين التمسك بآرائهم ووجهات نظرهم الخاصة، وألا يعتبروا كل ما يقوله السياسيون أو يفعلونه صواباً بشكل تلقائي.
باختصار، ما أود قوله هو أن على السياسيين الاستماع إلى الفنانين، وليس العكس. ففي تاريخ الأمم الحيوية والثورات العظيمة، كان السياسيون يبدون احتراماً للفنانين ويستلهمون من أعمالهم الإبداعية. أما إذا كان فنانو أمةٍ ما مجرد تابعين للسياسيين، فتلك أمةٌ متخلفة، وأولئك فنانون فاقدو البصيرة وخانعون.
-متى يكون إلهامك أو دافعك للكتابة في أقوى حالاته؟
ليس من وقت محدداً للإلهام؛ فقد يكون مصدره مشهداً، أو عبارة، أو حزناً، أو ألماً. كما أن الإلهام ليس على وتيرة واحدة؛ فحيناً تتبدى لي نهاية القصيدة قبل بدايتها، وحيناً آخر تظهر البداية أولاً. لقد نجحت أحياناً في تحويل ذلك الإلهام إلى قصيدة، لكنه في كثير من الأحيان كان يتلاشى بين يدي. إن الإلهام عملية بالغة التعقيد؛ فثمة قصائد ظلت عالقة في ذهني لسنوات، بينما كتبت أخرى في غضون أيام قليلة، أو حتى في دقائق معدودة. وفي هذا الصدد، أعتزم العمل على مشروع كتاب يتناول تجربتي الشخصية مع الشعر، وحين أشرع في ذلك، سأغوص في تفاصيل ظاهرة الإلهام وأستكشفها بعمق.
-من وجهة نظرك، هل يؤدي الشعر دوراً في التغيير الاجتماعي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما طبيعة هذا الدور؟
مما لا شك فيه أن للشعر دوراً مهماً -ولا يزال- في حياة الأفراد والمجتمعات؛ فقد تكفي قصيدة واحدة أحياناً لتنهض بحركةٍ بأكملها. وأعتقد أن جميع الثورات والانتفاضات الكردية قد استلهمت روحها من مقدمة ملحمة «مَم وزين» (Mem û Zîn) للشاعر أحمد خاني. ولطالما كان دور الشعر والفن في حياة الأفراد والمجتمعات دوراً إيجابياً؛ فالفن -كما ذكرتُ سابقاً- يحمل في جوهره نزعةً تقدمية، وينطوي على رسالةٍ تدعو إلى الجمال والحق والعدالة.
-” لا الريح تصعد بي ، ولا الأرضُ تهبط بي…”
بحلول عام 1988، كانت قد مرّت ست سنوات على مغادرتي وطني. طوال تلك السنوات الست، لم يصلني أي خبر عن عائلتي. أخبرني صديقٌ، كان قد وصل حديثاً إلى السويد قادماً من ديارنا، بأن والدي واثنين من إخوتي قد فارقوا الحياة. أخواي كانا من مقاتلي “البيشمركة”، وقد وقعت حملة “الأنفال” على كردستان. أما في السويد، ففصول الخريف قاسية للغاية؛ إذ تمتد الليالي لعشرين ساعة، بينما تكون الأيام قصيرة جداً وباردة. في ظل ظروف كهذه، أيُّ نكهة يمكن أن تحملها الحياة؟ وكيف يا تُرى تكون القصيدة التي تُكتب في مثل هذه الظروف؟
… مائة من أشباه ” بكو ”
لتتدفق مائة شخصية من «مم وزين» في دمائه الداكنة،
ولتتراقص فوق جثته
… (ص. 56)
هنا، وفي قصائد أخرى عديدة، تورد إشارات متكررة إلى الشعر الكلاسيكي – وتحديداً إلى ملحمة «مم وزين». وبشكل عام، إلى أي مدى تستلهم أعمالك من الشعر الكلاسيكي؟ وكيف تقيّم العلاقة بين الشعر الكلاسيكي والشعر الحديث؟
يُشكّل التراث الشعبي والأدب الكلاسيكي والأساطير لدى أي أمةٍ جوهرَ روحها؛ فهي بمثابة مصدر إلهامٍ لكُتّاب تلك الأمة وفنانيها. حيث استلهم “أحمد خاني” عمله “مَم وزين” من الحكاية الشعبية التي تحمل الاسم ذاته. ومما لا شك فيه أن أدبنا وأساطيرنا وتاريخنا تُمثّل بالنسبة لي مصدراً للإلهام، وتتحول إلى عناصرَ وموضوعاتٍ تتخلل قصائدي. فهي بالنسبة لي تجسيدٌ للهوية والمعنى والوجود.
-في إحدى قصائدك، تقول: «…حذائي أعلى من تاج أمير…». أتساءل كيف تفسّر هذا البيت. في سياق السياسة الكردية، لست مقتنعاً بأن للفنان تأثيراً حقيقياً أو دوراً محدداً. هذا هو الحال في الشمال؛ فكيف هو الوضع في الجنوب؟
تتناول هذه القصيدة شاباً كردياً سيُعدم في اليوم التالي؛ فهو ينادي أمه ويخبرها بأن الغد هو يوم احتفاله. إنه يشعر بفخرٍ عظيم باستشهاده، ويتمنى أن تشاركه أمه هذا الفخر. ويضيف قائلاً إن حذاءه أسمى وأرفع من تاج السلطان.
أعتقد أنك تشير إلى مسألة أخرى، وهي العلاقة بين السياسيين والفنانين. لقد أوضحت هذه النقطة في معرض إجابتي على سؤالٍ آخر؛ إذ لا ينبغي للفنان أن يتحول إلى مجرد تابعٍ للسياسيين. فإذا كان الوضع في الشمال على هذا النحو، فهو بلا شك أمرٌ سلبي. أما في الجنوب، فالأمر مختلف؛ حيث يحتفظ الفنانون والمثقفون بآرائهم ومواقفهم الخاصة، وغالباً ما يوجهون الانتقادات للسياسيين. وفي ديواني الشعري، ثمة قصائد عدة توجه نقداً لاذعاً للوضع السياسي وللسياسيين أنفسهم. باختصار، أرى أن أي فنانٍ يرى كل ما يفعله السياسيون صواباً وحقاً، هو في الواقع فنانٌ أعمى وتابعٌ ذليل.
-في جزء كبير من الفن الكردي، نادراً ما نجد موضوعاتٍ تتمحور حول الفرد؛ إذ لا يبرز الخطاب الفني ككيانٍ مستقل، إنما يعمل كجزءٍ من المجتمع أو كأداةٍ في خدمته. فالفن هنا لا ينظر إلى موضوعاته من خلال رؤيته الخاصة، بل عبر منظور الأحداث الجسيمة أو التاريخ؛ وهكذا يقارب الأفراد والشخصيات. ألا ترى أن هذا يجعل الفن الكردي ضعيفاً نوعاً ما، أو ربما يدفعه نحو النزعة التعليمية (التوجيهية)، مما يؤثر سلباً على قيمته الجمالية؟
الشاعر هو نتاج المجتمع والزمان والمكان الذي ينتمي إليه؛ فهو يعاني من آلام مجتمعه ويجد الفرح في أحلامه واحتفالاته. ومن الطبيعي جداً أن تنعكس أحوال المجتمع في أعمال الشاعر، كما أنه من المشروع تماماً أن يحمل فنه رسالةً ما. لكن الأهم حقاً هو *كيفية* التعبير عن هذه المعاناة. فكل الروائع العظيمة في الأدب العالمي تحمل -أو كانت تحمل- رسالةً معينة، غير أن ما يمنح العمل الأدبي خلوده هو أسلوب صياغته والتعبير عنه، أي بُعده الجمالي.
أتفق معك في هذا؛ فقد كان أدبنا الشفهي أقرب إلى النفس الفردية، ونجح في التعبير عن معاناة الفرد وأحلامه بشكلٍ أفضل. أما في أدبنا المكتوب، فقد هيمن خطابَان منذ الماضي وحتى يومنا هذا: الخطاب الديني والخطاب السياسي. ومع ذلك، يزخر هذا الأدب أيضاً بروائع عظيمة؛ فقد قدّم “ملا جزيري” خطابه الديني بأسلوبٍ سامٍ، بينما صاغ “أحمد خاني” خطابه السياسي بجماليةٍ فائقة. لكن معظم الشعراء الذين جاؤوا بعدهما تناولوا هذين الموضوعين بطريقةٍ تبسيطيةٍ للغاية. ففي كثيرٍ من قصائده، يروّج “سيدا جكرخوين” للفكر الماركسي-اللينيني، ومما لا شك فيه أن هذا النهج يضعف العمل الأدبي، رغم وجود قصائد جميلةٍ أخرى ضمن نتاجه.
باختصار، أود القول إن الموضوع بحد ذاته لا يؤدي بالضرورة إلى ضعفٍ فني؛ بل إن طريقة التعبير -لا سيما عندما يُتناول الموضوع بأسلوبٍ تبسيطيٍ مفرط- هي التي تلحق الضرر بالعمل. ينبغي للفنان ألا ينصّب نفسه واعظاً، وألا يلقي الدروس والمواعظ على الناس.
-ومن تتابع من كردستان الشمالية؟ في رأيك، إلى أي مدى يدرك الفنانون الكرد وجود بعضهم بعضاً ويطلعون على أعمال بعضهم؟ وكيف تنظر إلى التبادل الأدبي بين الشمال والجنوب؟ لقد تُرجمت أعمال مكتوبة باللهجة السورانية إلى اللهجة الكرمانجية في الشمال، لكن الأعمال القادمة من الشمال -أو المكتوبة بالكرمانجية- نادراً ما تُرجمت إلى السورانية؛ مما أدى إلى غياب المعرفة المتبادلة. وبصفتك ناشراً، هل تبذل أي جهود في هذا الصدد؟ ولماذا لا تحرز هذه العملية تقدماً جيداً؟
يُعدّ تفتت كردستان، وغياب أبجدية موحدة، وانعدام لغة معيارية مشتركة، عقبات تحول دون تعرّف كتّابنا وقرّائنا على بعضهم البعض. ففي بعض الأحيان، قد تجد كاتباً يحظى بشهرة واسعة ويُقرأ على نطاقٍ واسع في جزءٍ من كردستان، بينما يظلّ مجهولاً تماماً في جزءٍ آخر. وفي هذا السياق، يبدو كردستان الشمالي أكثر نشاطاً؛ إذ إن أكراد الشمال أكثر درايةً بما يجري في الأجزاء الأخرى مقارنةً بالعكس. كما تبدي دور النشر في الشمال اهتماماً أكبر بدعم وترويج أعمال الكتّاب القادمين من أجزاء أخرى من كردستان. أما أنا شخصياً، فأحرص على متابعة الأدب الكردي بمجمله؛ فأنا أتقن لهجتي الكرمانجية والسورانية، وأتابع النتاج الأدبي المكتوب بكلتيهما. لكنني، وللأسف، لا أجيد اللغة الزازاكية، وهو قصورٌ أشعر تجاهه بأسفٍ حقيقي. ومن بين شعراء الشمال، أتابع أعمال كلّ من روجين بارناس، وبركن بره، وأرجين آري، ويلديز جاكار، وغيرهم الكثير.
وبالنسبة لأكراد منطقة بادينان، فإن غالبيتهم على دراية بالأبجدية اللاتينية، مما يتيح لهم قراءة الأعمال الصادرة في الشمال. ونتيجةً لذلك، لم نبذل -نحن في دار “سبيريز” للنشر- جهداً كبيراً في نقل الأعمال القادمة من الشمال إلى الأبجدية العربية، رغم أننا قمنا بالفعل بنقل بعض الأعمال.
-هل يمكنك تقديم لمحة عامة عن العمل الجاري في كردستان الجنوبية؟ يثير اهتمامي بشكل خاص السؤال التالي: هل تُبذل أي جهود لترسيخ ثقافة أو رؤية مشتركة — من شأنها توحيد جميع الكرد كأمة واحدة ضمن إطار ديمقراطي؟ وهل ثمة هدف محدد وراء هذا المسعى؟ وهل تُعد الجهود الحالية كافية؟ وما مقترحاتك للسياسيين والمثقفين من أجزاء كردستان الأربعة؟
توجد اليوم في عموم كردستان رؤيتان أساسيتان: رؤية وطنية كردية شاملة تنظر إلى الكرد كأمة واحدة وتسعى نحو تأسيس دولة مستقلة، ورؤية محلية ضيقة لا تكتفي بعدم السعي لتوحيد كردستان، بل تعمل فعلياً على زيادة تفتيت أجزائها القائمة حالياً. وتتوزع القوى السياسية المؤثرة على الأرض وفقاً لهذين التوجهين. ومما يبعث على الأسف أن الرؤية المحلية الضيقة تبدو أقوى من الرؤية الوطنية الشاملة. علاوة على ذلك، فإن السلطة اليوم تتركز في أيدي السياسيين لا الفنانين. وأرى أن أي كردي يرفض فكرة الدولة الكردية واصفاً إياها بأنها مجرد وهم أو هراء، هو شخص بائس؛ والأكثر بؤساً منه هو ذلك الكردي الذي يعتقد أن الشعب الكردي يمكنه نيل حقوقه فعلياً في ظل أنظمة دول مثل تركيا أو إيران أو العراق أو سوريا. من وجهة نظري، ينبغي توعية الأكراد بضرورة تأسيس دولتهم المستقلة؛ فما عدا ذلك ليس سوى هراء.
-كيف يبدو يومك المعتاد؟ هل يمكنك إطلاعنا على شيء من روتين عملك وحياتك؟
في الحقيقة، لا يتشابه يومان من أيامي؛ ولهذا السبب، لا يمكنني وصف روتين ثابت لحياتي. ما يمكنني قوله هو أنني أذهب إلى الفراش في وقت متأخر جداً كل ليلة، وغالباً ما أستيقظ في وقت متأخر أيضاً. أحياناً، قد أقضي شهراً أو شهرين في القراءة لمدة تتراوح بين ست إلى سبع ساعات يومياً، بينما قد تمر أشهر كاملة لا أقرأ فيها شيئاً على الإطلاق. هناك أسابيع أكتب فيها قصيدتين، وأوقات أخرى تمضي أشهر دون أن أكتب فيها شيئاً. ومع ذلك، فأنا حالياً أدير دار “سبيريز” للنشر، وأعمل فيها لبضع ساعات كل يوم.
ختاماً، أود أن أعرب عن خالص شكري لمجلة “زاريما” (Zarema) على هذا اللقاء.
كما أشكر الفنان القدير سرحد بابير، وأتمنى له دوام التوفيق والنجاح.
18 تشرين الثاني 2015 – دهوك
“…pêlava min ji taca mîrî bilindtir e…” Hevpeyvîn Ligel Mueyed Teyib
Fexriya Adsay

التعليقات (0)