إبراهيم محمود
كل جرح شاهد على علَة، وعلى وجع بالمقابل كذلك، قد يكون دفيناً، ولا يظهر إلا في حالات خاصة. ليس فينا من يخلو من مثل هذه الحالة. إنها ظاهرة، على تماس مباشر، بما نعيش، وبما نكون به وعليه. الجسد هو الذي يظهِر الجرح في نوعه، ومناسبته، في لونه، في شكله، في شدته، وفي مدته.
في وضع مثل وضعنا، وضع الكردي المهجَّر، المهاجر، المغترِب الاضطراري، والوظيفي ” وهذا أقله “، النازح، واللاجىء، تحت وطأة ظروف لا تقاوَم بسهولة، وهو وضع إنساني، وله درجاته.
ما أكثر حضور الكردي، كمثال حي في ذلك، في جراحاته المتنوعة والمستدامة.
يمكن الحديث هنا عن ” أطلس جراحاتنا المستدامة ” عن جسد كل منا وهو مثقَل بجراحات لا تحصى، وفي الراهن، الراهن الذي مضت عليه سنون طوال، والجراحات هذه تتنوع، تتعمق، تتسع، تتكاثر ظاهراً وباطناً ، على وقْع المستجدات والظروف القاهرة ” القهرية ” التي تتلبس الكردي في بيته ” اللابيت ” وخارجه.
في الجسد الكردي الذي يُعرَف بمثل هذا التكاثر في الجراحات، لكل جرح علامته الفارقة، ومعاناته داخلاً.
تبرز الغربة القسرية في الواجهة، شاهدة عيان على استمرارية مثل هذه الجراحات تنوعاً وتعميق أثر.
في كل، أو لدى كل عائلة كردية أطلس كامل من الجراحات التي تتقاسم جسد كل فرد فيها. وهناك من يحاولون تجاهلها، تكيفاً مع الظروف، ولكن البيئة المختلفة لا تخفي شيئاً في تسمية الجراحات هذه.
في حالات الفراق المختلفة، تكون الجراحات على أشدها: كل فراق يسمّي مخاوف شتى: هل من لقاء بعده؟ كل لقاء بعد غياب، يسمّي خوفاً، هو جرح نفسي عميق: هل من لقاء تال، حيث لا ضمان مؤكد على ذلك!
خلال العقد الزمني ونصفه، منذ آذار ” 2011 ” تشعبت جراحات الكرد” هنا في روجآفا كردستان”، كما هي التسمية المتداولة هنا وهناك بين الكرد وخارجهم، لا جهة كوكبية إلا وتشهد على مثل هذا الانفجار.
كم في مقدور الجسد الكردي تحمُّله من المعاناة، وإلى متى، ليكون هناك تعامل معين مع الجروح النابتة؟
في كل لقاء، وبعد غياب، تظهِر العين شهادتها على مثل هذه المعاناة، بدمعها المراق. بكاء صامت لكن الدمع يشخص نوعيته عميقاً، تعبيراً عن قهر كامن ، تاريخي، اجتماعي ونفسي، يستحيل طمسه، الدمع يترجم ظاهرة قائمة بين القادم من مكان بعيد، والمقيم في مكان لا يُطمأن إليه واقعاً.
حتى الحيوان، أحياناً يتملكه جنون مصحوب بذعر، وهو يفارق صغيره عنوة، أو يُفصَل بينهما، فكيف بالإنسان في الحالة التي يعيش حنيناً أكبر من مساحة كل الحدود المرسومة من حوله، لأنه يستغرق عمراً وأبعد؟
مع كل وداع، يستعيد الدمع في البكاء دورته المعتادة، تعبيراً، شاهداً على ديمومة القهر، قهر من لا حول له ولا قوة، إشعاراً أن هناك دائماً ما يُتخوَّف منه، ويبقي الجرح مشتعلاً بنار حزنه، شجنه، قلقه بين الأبوين وأفراد العائلة: الأم وابنتها، الأم وولدها، هكذا، ولو بصورة أخرى، بالنسبة للأب وابنته ، الأب وولده، حيث المعيش اليومي يعزز هذه العلاقة الفارقة بين الاثنين. الأخوة والأخوات.. أي مشهد يُرى من خلالهم هنا؟
أين يصبح الوطن، في مثل هذه الحالة الزلزالية للأرض وما فيها وعليها، لحدود ” وطن ” لم ير صورته في عيون المعتبرين أبناءه، أهليه الفعليين، أو مواطنيه، في الوضع الأصعب دلالةً؟
نعم، ثمة حبل مشيمي، لا أسمك، لا أعرض، لا أكثر تأثيراً منه، يشد كلاً منا إلى تُربة، مسماة باسم الوطن، وما أكثر تعرض هذا الحبل للشد والإيلام، انتظاراً مؤجلاً لوطن قيل فيه الكثير، ولم يُعش واقعاً أبداً.
أليس الوطن هو هذه العائلة المكوّنة من الوالدين مع أبنائهما وبناتهما؟ وها هما تناثروا وتباعدوا عن بعضهم بعضاً، فبأي مقياس، يمكن التعرف على أن الوطن موجود؟
أل ما أبلغ قولة الشاعر الفلسطيني محمود درويش:
آه ما أصغر الارض
ما اكبر الجرح
….
ما أكبرَ الأرضَ !
ما أصغَر الجرحَ
هوذا الوضع، حين ينعدم الأمان في مكان يُسمى وطناً، ويمارس القهر دوره التحريضي على التحرك، على البحث عن ملجأ، عن أمان، في زمن تصمت ساعته عما يكون عليه آتيه، لتحمل وطأة الجرح النازف بأكثر من معنى، ويتزلزل الوضع العائلي، يرتد الوطن كثيراً إلى الوراء.
وأنا كغيري من الألوف المؤلفة، أعيش مثل هذه الكارثة الأكبر مني. يا لفظاعة الوجع!
تأتيني ابنتي سولين الوحيدة، صحبة ابنها الوحيد ” مِيلان ” بعد غياب سنوات، هنا في دهوك، مثل المرة السابقة وغيرها، ومثل أخوتها وزوجاتهم، مثل أحفادي الآخرين، يمارس الدمع في حالتي أنا ورفيقة الدرب” وهي تعيش وهنها المتنامي”: اللقاء والفراق ثانية دوره البليغ ، الشاهد على أن الجسد المعروض لوطأة الظرف المستجد والقاهر، لا يزال عليه تحمّل المزيد.
تبكي أمها في الحالتين، تبكي هي في الحالتين، الحفيد ينظر بنوع من الدهشة، هو لم يبلغ العمر الذي يفهم أو يدرك فيه ماذا يعني أن يبكي الكبير، وملؤه شعور أن الصغير هو الذي يبكي.
جرح الأم ليس كجرح الأب النفسي والاجتماعي، إنه أكبر منه، أعمق منه، أوجع منه بجذوره، وما ينطوي عليه داخلاً من إشارات تخصها كامرأة ترى في أبنائها وبناتها حولها مواساة لها، بقدّر ما تستشعر أماناً عبرهم. لهذا يكون لدمعها مؤثرات لا يحاط بها بسهولة.
الدمع في البكاء قاسم مشترك، له جذوره المضروبة في أعماق تاريخنا، وحديثاً، بضراوة.
لغة الدمع التي لا تحتاج ترجماناً، تبز كل لغة أخرى، في التعبير عن أن مأساة لها خصوصيتها نعيشها ، لا حدود لها، كما لو أننا نعيش موتاً لا ينقطع داخلنا.
تاريخ محمول ومحموم موزع في كامل بنيتنا الجسدية، محسوس بأبعاده المختلفة، لا كتابة، البتة، قادرة على تمثيله، ومقارنة المسطور فيه، بالمعايش بالحواس وما خفي، وهو أألم!
حين يعجز الوطن، الوطن عن تأمين السقف، في حده الأدنى، والذي يحمي ” مواطنه ” ولو نسبياً من عواصف متغيرات الزمان والمكان، أن يضمن له أماناً وهو في بيته. أي رصيد قيمي يتبقى في الحالة هذه؟
لا أعني بذلك أن كل من خرج ناشداً استقراراً ما، قد ” رسي على بر “، ما أفظعها شهادات الجهات: براً، بحراً، معاً، حول المآسي التي سببتها الظاهرة هذه، فالغربة، غربة، في الأحوال كافة، وثمة كثيرون يشكون قسوتها، ورهبتها والمجهول المخيف فيها” قبل أيام أعلمتني إحدى طالباتي في ” المعهد ” في قامشلو، وهي في باريس، عن خوفها على وضع أسرتها، وعلى ولدها ووضعه في الجامعة، إثر انفجار الأحداث في فرنسا، وأعمال التخريب والسلب والنهب، ممن جرى إيواؤهم، سوى أن أيديهم كانت أكثر تمثيلاً لنخرهم الوجداني، وعنفهم المستبطن “.
ثمة كثيرون أعرفهم، هنا وهناك، وفي مستويات اجتماعية، سياسية، وثقافية ، وغيرها كثيرة، ويملكون عقارات، وبيوتاً، وثراء، دفعوا بأبناءهم، خاصة، خارجاً، واكتفوا بأنفسهم” الأب والأم ” ولا يكفّون عن رفع ما له طابع شعاري، أو هتافيّ: علينا أن نثبت هنا، ألا نترك وطننا، ألا ننسى أن لنا أرضاً، ندافع عنها. يا للمفارقة الصادمة!
يجلَّد المقهور الذي لا يملك أحياناً مساحة قبر لإيوائه ميتاً، بأريحية، في كونه المنتمي إلى لغة، لم تكف عن إرضاعه ما يبقيه دون بلوغ سن الفطام في التعبير عن كينونته، بمقاييس موجهة.
لا يُلام كثيراً ذلك الذي يفتقد الحد الأدنى من الرصيد المادي للبقاء، وهو يعيش قهراً حتى بين ظهرانيه ممن هم كرده، فيبحث عن وجهة عائلياً، أو من خلال أفراد عائلة، ليس كرهاً في المعتبَر وطناً، وإنما لاستحالة الاستمرار والحياة تضيق عليه من جهاته كافة.
هل أضع نقاط البؤس على حروفها: القهر المحلي، بوجهه الكردي، بلسانه الكردي، ونفوذه الكردي، وكيف يمكن لمن ينزف دمه كثيراً، ولا يُنظَر في أمره، بقدر ما يطالَب بالمزيد. وباسم من، وعن أي” فاتورة ” أخلاقية، يكون دوام عقد كهذا، يتجاهله في قيمته ومكانته؟
ولا ندري في الحالة هذه، ما إذا كنا، وبالطريقة هذه، منذورين لهذا الكم الهائل وبالغ التنوع، من الجراحات تاريخياً واجتماعياً، أم أن جراحات كهذه متوقفة علينا، وبها نعرَف كثيراً !
تُرى، أليس لهذه الجراحات من دلالات، قابلة لأن يُنظر فيها، لأن تجري تسميتها، وليوضع حد للنزف الذي يتهدد حياة حامليها، لئلا يسكَب دمعٌ تالياً، على وطن، وقد نفد كلياً من الداخل؟
لندع السؤال في صرخته المكتومة، ولنعش المتبقي من حياتنا، آملين لأبنائنا وبناتنا، أن يعيشوا حياتهم هناك، حيث يكونون، على الأقل، لأن ثمة ما يشدهم إلى مكان، بمثابة وطن لهم، يمنحهم اللجوء سريعاً، والجنسية في زمنها المعلوم، أفضل بكثير من مكان، شهد ولادة جدود لنا، وآباء لنا، وها نحنذا أصبحنا في مقام الاثنين، ولم ننل سوى صفة المنبوذية ممن يحتكرون كل شيء فينا، أو في محيطنا، أو باسمنا، وباسم وطن، لا أثر فعلياً له، بأكثر من معنى طبعاً طبعاً .
دهوك- ظهر جمعتها، في 23 تشرينها الأول، وسنتها 2026 .

التعليقات (0)