د. مرشد اليوسف
كان صباحُ المدرسة في “سيف الدولة” بتل حجر يبدأ بطبشورٍ يتناثر على الأرض، وبأصوات الأطفال تتداخل قبل أن يعلو صوتُ الجرس. كنتُ في المرحلة الابتدائية، وكنتُ من الأوائل دائماً، لذلك اختاروني عريفاً للصف. كانت هذه الكلمة الصغيرة “عريف” تمنحني مكانةً أكبر من عمري: دفاتر مرتبة، ووقفة أمام السبورة، وصوتٌ يُطلب منه أن يقول “اسكتوا” فيسكت الجميع.
لكن الزمن لم يكن زمن طفولة عادية. كان الستينات، والثورة الكردية في كردستان العراق(باشور) في أوجها، والزعيم الملا مصطفى البرزاني يقود ثورةً منتصرة في جبال كردستان الشماء . وكانت أخبارها تصل إلينا مثل رعدٍ بعيد: همساً في البيوت، وتناهياً بين الكبار، وخوفاً يلبس وجوههم حين يُذكر اسم البرزاني. وفي سوريا، كانت الحكومة تخشى أن يصل مدّ الثورة إلى الكرد هنا، فاستخدمت كل الوسائل: القمع، والسجون، والمنع، والمدارس أيضاً.
وفي أحد الأيام، جاء التكليف من مدير المدرسة الأستاذ ياسين السيد ومساعده عبد طعيمة . لم يكن درساً، ولا واجباً، بل شيء أثقل من كل الدروس: قيل لنا نحن عرفاء الصفوف إن علينا تسجيل أسماء من يتكلمون الكردية في المدرسة. تصوّر طفلاً في العاشرة، يُوضع في يده دفتر وقلم، ويُطلب منه أن يراقب أقرانه من بني جلدته ، لا ليحفظ دروسهم، بل ليحفظ أسماءهم. كان الدفتر صغيراً، لكنه بدا لي كجدارٍ عالٍ بيني وبين زملائي.
كنتُ أعرف معنى الكردية. كانت لغة البيت، ولغة الجدات، ولغة الحكايات التي تُروى قبل النوم. لكنها في المدرسة صارت خطراً. صارت كلمةً إذا انفلتت من فم طفل، قد تجرّ عليه عقاباً لا يفهم سببه. وكان علينا نحن، أبناء جلدتهم، أن نكون عيون الإدارة عليهم. وإذا لم ننفّذ، كان يمكن أن نفصل من المدرسة. وهكذا وجدتُ نفسي بين خيارين لا طفولة فيهما: أن أخون زميلاً من جنسيتي، أو أخسر مدرستي ومستقبلي الصغير.
أستعيد تلك اللحظات فأرى الفصل الدراسي كما لو كان أمامي الآن: مقاعد خشبية، وأصوات تهمس، وضحكات مكتومة، وطفل يقول لصاحبه كلمة كردية قصيرة، ثم يلتفت خائفاً. وأنا أمسك القلم، وأتظاهر بأني أكتب شيئاً آخر. كان القلم يثقل في يدي. كنت أسمع الكلمة، وأعرفها، وأحبّها رغم كل شيء، ثم أُجبر على أن أتظاهر بأنها لم تكن. وأحياناً كنت أكتب اسمَ من لم يتكلم، أو أضيّع الاسم في الزحام، أو أنظر إلى المعلم بوجه طفل يحاول أن يفهم لماذا صارت اللغة جريمة.
كانت المعاناة مضاعفة: نحن نُبلّغ عن زميل، ونحن نعرف أننا نؤذي أنفسنا. كنّا صغاراً، لكن السياسة وجدت طريقها إلى دفاترنا. كانت المدرسة تعلّمنا الحساب والقراءة، وتعلّمنا في الوقت نفسه أن نخاف من لغتنا، وأن نراقب بعضنا، وأن نصمت. وهكذا كبر جيل كامل وهو يحمل في صدره سؤالاً لم يُجب عنه: كيف نكون أوفياء لهويتنا، ونحن مطالبون بأن نتبرأ منها كل صباح؟
لم تكن تلك المهمة مجرد إجراء إداري. كانت درساً في الخوف، لكنه درسٌ لم نطلبه. كان النظام يريد أن يوقف مدّ الثورة عند الحدود، فبدأ بوقف الكلمة قبل البندقية. أراد أن يجعل الطفل رقيباً على أخيه، والجار خائفاً من جاره، واللغة همساً في البيت لا صوتاً في المدرسة. وأنا، عريف الصف، كنتُ في قلب ذلك الامتحان: طفلٌ يُطلب منه أن يختار بين دفتره وضميره.
اليوم، بعد كل هذه السنوات، ما زال ذلك الدفتر حاضراً في ذاكرتي. لم أعد أتذكر كل الأسماء، لكني أتذكر ثقل القلم، وارتباك اليد، والخوف من أن أُفصل، والخوف الأكبر من أن أُطيع. وأعرف أن ما عشته أنا وزملائي لم يكن حالة فردية، بل جزءاً من سياسة أوسع لطمس الهوية الكردية ومحاربة لغتها. لكن الذاكرة، حين تُروى، تصبح شكلاً من أشكال المقاومة. فكلما حكينا ما جرى، أعادنا إلى تلك الطفولة لنقول لها: لم يكن ذنبكم أنهم وضعوا القلم في أيديكم، الذنب ذنب من حوّل المدرسة إلى مكان للرقابة، واللغةالكردية إلى تهمة.
إن استعادة هذه الحكايات ليست عودة إلى الماضي المجرد بل هي دفاع عن حق الأجيال القادمة في أن تدخل مدارسها مرفوعة الرأس وأن تتعلم لغتها الأم بحرية وكرامة .وأن ترى
المدرسة جسرا للمحبة بين أبناء الو طن الو احد لا أداة للتفريق بينهم.

التعليقات (0)