صبحي دقوري
هذا الكتاب لا يقدّم فلسفةً بالمعنى الأكاديمي الدقيق، ولا نظريةً علمية قابلة للقياس والاختبار، بقدر ما يقدّم مشروعاً تربوياً ــ أخلاقياً يريد إنقاذ الفرد من التشتّت، وردّ الفكر إلى مركزه الفاعل. وهو نصّ مشحون برغبة أصيلة في مقاومة التبعية الذهنية، والتفكير المستعار، و«ردّ الفعل» الذي يبتلع الإنسان في واقعٍ لا يصنعه. قوّته في هذه الرغبة، وضعفه في أنه يحوّلها أحياناً إلى يقينٍ سابق على البرهنة.
العقدة الأساسية في الكتاب هي أن «الموقع» لا يستقرّ على معنى واحد. فهو تارةً مكانة الفكر داخل المحتوى الذهني، وتارةً نقطة ارتكاز، وتارةً حاضنة فكرية، وتارةً موقفٌ من العالم، وتارةً مدرسةٌ فكرية، وتارةً حصنٌ يحتمي به الإنسان من الأفكار الوافدة. هذه السيولة تمنح المفهوم ثراءً شعرياً، لكنها تسلبه حدوده النظرية. فالموقع، بدلاً من أن يكون سؤالاً: «من أين أفكّر؟»، يتحوّل تدريجياً إلى جواب جاهز: «أفكّر من داخل المدرسة الفكرية الصحيحة».
هنا يقع النص في مفارقته الكبرى. فهو يريد تحرير الإنسان من القوالب والأفكار المبرمجة، لكنه ينتهي إلى اقتراح قالب أعلى هو «المدرسة الفكرية». وهو يحذّر من هيمنة المصطلحات، ثم يصوغ شبكة كثيفة من المصطلحات الخاصة به: المحتوى الفكري، الفكر الأصل، الفكر الموازي، عين الكمال، الصفر الموجب، الصفر السالب، الأناقة العاطفية، نقطة الارتكاز. أي إنّه لا يلغي سلطة المصطلح، بل يستبدل مصطلحات الفلسفة والعلوم بمصطلحات جديدة تحتاج هي نفسها إلى تعريف واختبار.
الكتاب يقيم بنيته على ثنائيات حادّة:
| الثنائيّة | ما يمنحه النص قيمة إيجابية | ما يدفعه إلى الهامش |
| العقل / الفكر | العقل: مركز التوجيه والسيادة | الفكر: التموج والاضطراب |
| الفعل / ردّ الفعل | الفعل: القوة والإبداع | ردّ الفعل: التبعية والضعف |
| الواقع / الخيال | الواقع الفعّال | الخيال بوصفه خطراً أو وهماً |
| الداخل / الخارج | الإنسان الحقيقي الباطني | الظاهر الاجتماعي المتزيّن |
| المدرسة / المؤثرات | المدرسة: حماية وبوصلة | البيئة والإعلام والعلوم: تهديد محتمل |
لكن التفكيك يكشف أن كلَّ طرفٍ إيجابي في هذه الثنائيات لا يستطيع العيش من دون الطرف الذي يحتقره. فالعقل الذي يضعه الكتاب فوق الفكر لا يمكن أن يظهر أو يُعرَف أو يُعبَّر عنه إلا بالفكر. و«الفعل» الذي يرفعه فوق ردّ الفعل ليس فعلاً نقياً؛ لأن الإنسان يتحرك دائماً استجابةً لآخر، لحدث، لألم، لشرط اجتماعي أو تاريخي. حتى الفلسفة نفسها كانت، في أحد وجوهها، استجابةً لاضطراب العالم.
أما الخيال، الذي يربطه الكتاب بالصفر السالب والخمول والغرور، فهو في الحقيقة الأداة التي يستعملها النص نفسه كي يشرح أفكاره: السمكة، البحر، النوافذ، البيت، الطائر، كرة القدم، الأوكسجين، الفيروس. هذه الصور ليست زينةً لغوية، بل هي التي تمنح المفاهيم حياتها وقابليتها للفهم. ولذلك لا يستطيع النص أن يدين الخيال بوصفه عدواً للعقل، من دون أن ينكر الطاقة التي بها يكتب ويفكّر.
أخطر مفهوم في الكتاب هو «الإنسان الحقيقي» الكامن في الداخل، في مقابل الإنسان الظاهر أو الصوري. تبدو الفكرة جذابة أخلاقياً، لأنها تدعو إلى الصدق مع الذات وعدم الارتهان للقناعات الجاهزة. غير أنها تفترض وجود ذات نقية، أصيلة، مكتملة، تسبق اللغة والمجتمع والتاريخ. والحال أن الذات لا تتكوّن في عزلة؛ إنها تتشكل بالأسرة واللغة والذاكرة والجرح والتربية والآخرين. ما يسميه الكتاب «الداخل الحقيقي» ليس جوهراً محفوظاً في أعماق الإنسان، بل أثرٌ متحرك لكل هذه العلاقات.
من هنا يبدو «الرفض الباطني» أكثر خصوبة من تعريفه في الكتاب. فهو ليس بالضرورة صوت جوهر ثابت في الداخل، بل قد يكون موضع التوتر بين ما نرغبه وما تعلمناه، بين ما نقوله وما نخاف قوله، بين صورتنا الاجتماعية وحاجتنا إلى تغييرها. لو عولج بهذه الروح، لصار هذا المفهوم مدخلاً ممتازاً إلى التحليل النفسي والاجتماعي، لا مجرد سلطة خفية تحاكم الفكر الظاهر.
أما المعادلات التسع، فهي ليست معادلات بالمعنى الرياضي؛ إنها استعارات تنظيمية. لا يمكن مثلاً قياس «الأناقة العاطفية»، ولا طرح «الفائض الفكري» من «المحتوى الفكري»، ولا قسمة الجودة على الفرق بين الكم والنوع. وحين يقول النص إن تساوي الكم والنوع يعطي صفراً في المنطق التجاري، ثم لا يعطي صفراً في المحتوى الفكري، فإنه يعلن عملياً أن العملية ليست حساباً، بل مجازاً. وهذا ليس عيباً في ذاته، بشرط أن تسمّى الأشياء بأسمائها: خرائط مفهومية أو صيغ تأملية، لا قوانين ثبتت صحتها علمياً.
فالمعادلات تؤدي وظيفة بلاغية واضحة: إنها تمنح المشروع هيئة النظام والدقة والسيطرة. لكنها لا تبرهن على العلاقة بين عناصرها، ولا تقدّم حالات واقعية تُختبر فيها، ولا تحدد ما الذي يمكن أن يفشلها. لذلك تظل أقرب إلى «أخلاق لتنظيم الذات» منها إلى علمٍ للفكر.
ومع ذلك، في الكتاب نواة يمكن تطويرها بجدية، ولا سيما في الأفكار الآتية: ضرورة التمييز بين كثرة المعلومات والقدرة على تحويلها إلى معرفة؛ نقد الاستهلاك الفكري؛ مقاومة الانبهار الإعلامي؛ أهمية التمهّل قبل تبني الأفكار؛ وصل الفكر بالفعل والإنجاز؛ والسؤال الحقيقي عن الموقع الذي ننتج منه أحكامنا.
لكن هذه النواة تحتاج إلى تحريرها من اللغة الوعظية واليقين المسبق. فحين يكثر النص من «احذر»، و«لا تستقبل»، و«لا تتخيل»، و«كن حذراً»، يتحول القارئ من شريك في التفكير إلى متلقٍّ يحتاج إلى وصاية. وحين تصبح «المدرسة الفكرية» مانحة الشرعية للمعلومات، يغدو الفكر محروساً من الاختلاف بدلاً من أن يكون مفتوحاً له.
أشدّ ما يلفت في الكتاب أنه يريد بناء إنسان حر، لكنه يخاف الحرية حين تأتي من الخارج؛ ويريد فكراً مبتكراً، لكنه يخشى الخيال؛ ويريد تجاوز المدارس، لكنه ينتهي إلى مدرسة؛ ويريد مقاومة القوالب، لكنه يصنع قالباً جديداً للإنسان الفاعل. وهذه ليست مجرد تناقضات تُسقط الكتاب، بل هي مادته الحيّة. فمن داخلها يمكن أن يولد كتاب أقوى بكثير.
الخلاصة: «فلسفة الموقع» مشروعٌ فكري ذو طاقة لغوية وتربوية ملحوظة، لكنه ما يزال في طور البيان لا البرهان، وفي طور الدعوة لا النظرية. قيمته ليست في معادلاته بوصفها قوانين، بل في قلقه المركزي: كيف يستعيد الإنسان حقه في أن يفكر من موقعه، لا أن يُفكَّر فيه ومن أجله؟.
[1] الكتاب من اصدارات دار نينوى لعام 2025م /سورية-دمشق، الطبعة الأولى، عدد الصفحات : 112

التعليقات (0)