حوار «غير منشور» مع الفنان الراحل سعيد يوسف 1/2

د. ولات محمد

(المقدمة)
في وقت ما من عام 2003 نشرت صحيفة كويتية حواراً مع عازف بزق سوري قدم نفسه فيه بصورة بدا وكأنه عازف البزق الوحيد في المنطقة، إذ سرد فيه معلومات غير معقولة عن معرفته الأولى بالآلة، ولم يأتِ على ذكر أي عازف قبله أو بعده. أثارني هذا الأمر فعزمت على إجراء حوار مع الفنان وعازف البزق الكوردي الشهير سعيد يوسف ليكون رداً غير مباشر على ما جاء في ذلك الحوار. وفي صيف العام ذاته قمت بزيارة مسائية للفنان في بيته (ولم أكن قد التقيته قبل ذلك) فاستقبلني في باحة (حوش) منزله الكائن في الحي الغربي في قامشلي.
كان المكان على صغره مزيناً بالأشجار وأحواض الزهور. أجلسنا الفنان في ذلك المكان الجميل، تخفف فيه من سخونة ليلة الصيف نسمات من الهواء تلفحنا بين فينة وأخرى. كان لديه ضيف آخر (أو ربما اثنان)، وبعد أن قدمت له نفسي بينت له أن سبب زيارتي هو رغبتي في إجراء حوار معه، وأخبرته بما جاء في حوار عازف البزق ذاك. لم يتردد في الموافقة على إجراء حوار، واتفقنا على اليوم والساعة.
يوم الحوار أخذت معي عدتي المتكونة من كاميرا تصوير فوتوغرافية وآلة تسجيل صوتي صغيرة (صحافية) مع شريط كاسيت وبضع ورقات بيضاء وقلم. أجلسنا المضيف في غرفة صغيرة كان على أحد جدرانها لوحة مرسوم (أو محفور) عليها صورة آلة البزق بطريقة جميلة قال أبو زورو آنذاك إنها من عمل وإهداء فنان صديق (ذكر لي اسمه لكنني لا أتذكره الآن). 
كان الحوار شاملاً وممتعاً لدرجة أننا لم نشعر بأننا سجلنا حوالي 90 دقيقة. انقسم الحوار دون تخطيط مني إلى قسمين: تمحور الأول حول آلة البزق وما يميزها عن غيرها من الآلات الوترية وبدايات سعيد يوسف الشخصية معها وعلاقته بها وانتشارها في المنطقة وغير ذلك، وتمحور الثاني حول الأغنية الكوردية بشكل خاص وتطورها وكلماتها وفنانيها … إلخ. ومما قاله آنذاك في هذا القسم غير المنشور إن كل ما لحنه وغناه كان من كلماته ماعدا أغنية واحدة من شعر جكرخوين (كافا سحر رابه جي خَوْ)، وإن كلمات الأغنية الكوردية بسيطة ومكررة، وإن لديه عدداً من الدواوين الشعرية وكتاباً عن آلة البزق مازالت كلها مخطوطة ويود نشرها عندما تتاح الفرصة. 
بعد عام من إجراء الحوار، أي في صيف 2004 قامت صحيفة “الناس” الكويتية (وهي صحيفة منوعات) بنشر جزء من القسم الأول من الحوار مرفقاً بصورتين شخصيتين بكاميرتي، واحدة للفنان سعيد يوسف وبيده آلة البزق وأخرى يظهر فيها كلانا معاً التقطتها لنا إحدى كريماته كما أذكر. أما القسم الثاني الأكبر من الحوار فقد بقي على شريط الكاسيت ذاك الذي للأسف ضاع أو سُرق (مع أشياء ثمينة أخرى) في طوشة الهجرة. 
بعد ظهور الحوار منشوراً في ذلك الصيف اتصلت بأبي زورو وأخبرته بأن الحوار قد نشر وبأنني أود تسليمه نسخة من الجريدة، فاتفقنا على أن نلتقي عصراً في مكتبه الكائن في مركز المدينة. في المكتب (وكان لقائي الثالث معه بعد زيارتي الأولى ويوم الحوار) كان حوارنا استكمالاً للحوار السابق ولكن دون تسجيل أي شيء طبعاً. وقد لاحظت آنذاك أنه كان سعيداً بظهور الحوار بتلك الصورة الجميلة، كان راضياً تماماً. وقد تأكد لي ذلك عندما قامت قناة رووداو بعد ذلك بحوالي خمسة عشر عاماً (أي قبل رحيله بمدة قصيرة) بعمل ريبورتاج عن حياة الفنان، إذ يظهر سعيد يوسف في إحدى صور الفيديو وهو يحمل الجريدة في يده ويشير للصحافي الذي يعمل الريبورتاج إلى صفحة حوارنا ذاك. 
لاحقاً سألتقي بالفنان سعيد يوسف للمرة الرابعة في دمشق (ربما كان عام 2010) حينما قام بإحياء أمسية عزف منفرد على البزق مميزة في دار الأوبرا هناك. كنت حضرت مع العائلة تلك الأمسية، وبعد انتهائها ذهبنا إليه معاً وسلمنا عليه وقدمنا له التحية والتهنئة على عزفه المميز ونجاح الأمسية. لقائي الأخير كان مع الفنان المميز عام 2012 في قامشلي على هامش حضورنا لمحاضرة عن الأغنية الكوردية، إذ قمت بعد انتهاء المحاضرة بإلقاء التحية عليه والسؤال عن أحواله الصحية وآخر أخباره الفنية.
 قلت إنه حوار “غير منشور” لأن من اطلع على الحوار آنذاك هم فقط عدد من القراء في الكويت (مكان صدور الجريدة)، أما جمهور سعيد يوسف من أبناء المنطقة فلم يطلع أحد على هذا الحوار، بل لا يعلم به أحد إلا من قام الفنان الراحل نفسه بإطلاعه عليه من أصدقائه ومقربيه. 
اليوم في الذكرى الرابعة لرحيل الفنان سعيد يوسف وددت نشر هذا الحوار للمرة الأولى على جمهوره. وللتخفيف على الصديق القارئ فضلت نشر نص الحوار وحده منفصلاً عن هذه المقدمة التي كانت الغاية منها إلقاء الضوء على الأسباب والظروف التي أحاطت بإجراء هذا الحوار (قبلاً وبعداً) بغية وضعه في إطاره السببي والزماني والمكاني والاجتماعي. 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…