ليلتي الأخيرة … قبل الوداع والرحيل

د. علاء الدين جنكو

بأصابع تنتابها أحاسيس الارتعاش وحنين الماضي وألم الفراق، أحمل القلم في لحظاتي المتبقية من ليلتي الأخيرة على أرض عشت فيه أكثر من نصف ما مضى من عمري … قرابة تسعة عشر عاماً
لحظات تختلط فيها دموع الوداع والرحيل بابتسامات الذكريات الجميلة، لحظات يمر فيها أمام ناظري شريط الأحداث منذ أن وطأت قدماي مطار الشارقة الدولي في يوم كانت نسبة الرطوبة فيه عالية جداً بتاريخ 11 / 11 / 1992 م

إنها الليلة الأخيرة في بلد عشقته وأهله، تطور خلال فترة بقائي فيها بشكل أذهل العالم .
فيها بدأت دراستي الجامعية بعد أن أتممت نصف عالم في الثانوية العامة في إحدى مدارسها، قضيت فيه أربع سنوات جميلة في ربوع رأس الخيمة بين مزارع الدقداقة والنخيل وكلية الشريعة المطلة على سواحل الخليج .
وعرفاناً بالجميل أتذكر هنا ما قدمته لنا إدارة المنطقة التعليمية من سكن جامعي شمل كل ما يحلم به الطالب في دراسته، نعم أتذكر يوم أن صافحت الشيخ صقر بن محمد القاسمي رحمه الله حاكم رأس الخيمة في حفلة التخرج وهو يبارك لنا التخرج في مشهد أبوي رائع .
وفي إماراة الشارقة حيث كانت أولى مراحل ومحطات التدريس في المدرسة الأهلية الخاصة ثم في إمارة دبي حيث محطتي الثانية في مدرسة دبي الوطنية، قبل أن ينتهي بي المطاف في إمارة أم القيوين بعد تعييني مدرساً في مدرسة الضياء ، عشت فيها أجمل ما لقيت من أيام؛ لذا أتقدم بالشكر والتقدير لمدرسة الضياء بهيئتيها الإدارة والتدريسية، القديمة والجديدة .
في هذا البلد رزقني الله فيه أربعة أطفال ثم أخذ الله مني أحدهم ليبقى قطعة من جسدي تحت ترابه ذكرى لا أنساها مدى عمري، هناك في مقبرة الشارقة حيث يرقد ولدي عبد الله الذي سأودعه غداً إلى أرض أخرى ، نعم سأودعه وقلبي  يعتصر حزناً وألماً على ذكرى وفاته، وأنا أتذكر حركاته وقفزاته من حولي وهو ينشد  أي رقيب … وتعيش بلادي … وحماة الديار، اللهم ألهمني صبراً كإيماني بقضائك وقدرك …
وفيه أتممت دراساتي العليا بمرحلتيها الماجستير والدكتوراة متزامناً مع عملي في التدريس ..
وإلى إخوتي وأحبابي أبناء الجالية الكردية أتوجه بالشكر والتقدير، أولئك الذين قضيت معهم أفراحي وأتراحي ، ومعهم كانت المشادَّات والحوارات واللقاءات الودية التي ما كانت تزيدني إلا حباً وأحتراماً لهم ، وخير شاهد على ذلك ما ينتابني من شعور الحزن على فراقهم …
وإني لأشهد بأنهم جميييييييعاً أفضل مني، وكانوا وما زالوا خير قدوة لغيرهم من أبناء الجاليات الكردية المنتشرة شرقاً وغرباً، وقد كنت في إحدى السنوات عضواً في إدارة الجالية بناء على ثقة أبنائها بإختياري مع مجموعة خيرة، إليهم أرفع أسمى معاني الشكر والتقدير والعرفان بالجميل لحظة وقوفهم معي في مصابي بفقدان ولدي فكانوا خير أهل وأصدقاء واحبة. وأتمنى لهم دوام التوفيق والنجاح والإلتحام والمحبة كما عهدتهم ، وأذكر الجميع  بأن الذئب يأكل من الغنم القاصية .
وفيه أسست مع إخوتي الحاج عارف والدكتور فريد سعدون مؤسسة سما للثقافة والفنون التي قدمت الكثير من الخدمات الثقافية والفلوكلوية وخاصة لمَّا آلت إدارتها للحاج عارف رمضان بعد عودة د. فريد لسوريا وتركي لها بسبب ظروفي الخاصة.
محطات متتالية مليئة بالأحداث والذكريات، وكان للجميع فيها فضل علي بعد فضل الله تعالى . فبين أحضان أخلاقهم تربيت ومن معين نبلهم استسقيت همتي وطموحي.
نعم وأنا في لحظاتي الأخيرة في هذا البلد العزيز على قلبي، أترحم على المغفر له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله تعالى وإخوانه حكام الإمارات متمنياً لهذا البلد الاستقرار والأمن ومزيداً من التقدم والنجاح .
وفي لحظاتي الأخيرة هذه أرفع يدي إلى الله تعالى مناجياً أن يوفقك كل من عرفته وتعرفت عليه وإلتقيت به في هذا البلد، وأن يهدي الجميع طريق العز والكرامة والفلاح في الدارين الدينا ويوم القيامة .
وعزائي في الابتعاد عنه بكل ما فيه من الذكريات أن وجهتي هي أرض طالما حلمت أن أعيش عليها

إنها أرض آبائي واجدادي … الأرض المباركة … كردستان … نعم كردستان العراق ..

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

بنية جكرخوين

أنا لست أنا
أنا لست كما عرفتني
فمذ انفصلت عني
ياتوأم الروح
انشلت حواسي
وإلتوت مفاصلي
وانطفأ النور في عيوني
وداهمتني الوحدة
حينها أدركت بأنك
كنت محقاً عندما
كنت تسألني دوماً
كيف ستكونين من بعدي!
كيف ستعيشين بدوني!
ارفع رأسك وانظر إلي
أنا لست أنا
لست كما عرفتني
فالأبيض تغير لسواد قاتم
والأحمر أصبح ممزوجاً بالأصفر
ربما أصبت بعمى الألوان
أو اختلفت الأمور علي
فانا لست انا
لست كما عرفتني
كل شيء تغير
إلا حبي لك
مازال يسمو…

ا. د. قاسم المندلاوي

انتهى الصراع الكروي الكبير بين المنتخبات العالمية على لقب كأس العالم 2026 ، التي استضافتها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، وسط منافسة قوية بين المدارس التدريبية الأوروبية وأمريكا الجنوبية. ويعكس تتويج إسبانيا باللقب للمرة الثانية في تاريخها حجم التطور الكبير الذي شهدته كرة القدم الإسبانية خلال السنوات الأخيرة على مستوى التخطيط…

فراس حج محمد| فلسطين

في السياق الفلسطيني الراهن الذي يواجه فيه الشعب محاولات مستمرة للمحو الوجودي والثقافي، يبرز فعل التذكر أداة استراتيجية تتجاوز حدود الرثاء الشخصي لتصبح فعلاً نضالياً بامتياز، ويأتي كتاب “أسماء في الذاكرة: من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة والسلام” للأديب محمود شقير الصادر مؤخرا عن دار التنوير في رام الله ليجسد هذه الفلسفة؛ حيث…

نصر محمد / المانيا

هذه هي المرة الأولى التي أتصفح فيها ديوان الصديق الشاعر حفيظ عبد الرحمن، ومن سوء حظي أن الصدف لم تسعفني للحصول عليه من قبل. وقد أهداني هذه الفرصة الصديق الشاعر والروائي إبراهيم يوسف في آخر زيارة لي له للاطمئنان على صحته في منزله بمدينة إيسن الألمانية.

ديوان “خلاخيل الكلام”…