مهرجان القدر.. إلى جمال جمعة المسرحي الراحل إلى المسرح

  صالح برو – القامشلي

على هامش الوقت المتبخر من قارورة العمر لصباح مدينتنا يكون مناخ الخوف معتدلاً ورصيف المعاني متسخاً بالبرد كعادته مما يجعل أحلامنا التي ابتلت بنا أن توقظنا عند سماع الطرقة الأولى لباب غرفتنا لتعلمنا أن النهار قد جاء مطالباً بما تراكم علينا من ضرائب السماء.

هكذا يأتينا النهار خفية مثل جابي المدينة حين يطمئن على صحة وسلامة عداد الكهرباء. وهذا ما تعودنا عليه أيضاً أن نستلم بريد المجهول العصي على الفهم من خلال تلك المآذن التي أصبحت وسيطة بين الأحياء والأموات كالرصاصة العمياء العاجزة عن التمييز بينهما إلا بالأسماء
نعم يا جمال…
حين هبطت فزاعة الموت في بستان مسرحك الآدمي حلق اسمك عالياً وهو يحوم حول مئذنة جامع (قاسمو) ليعلن الرحيل بعدما خانته الحياة.
وكأني سمعتك حينها تقول للملائكة التي بانتظارك مستأذناً : لو تبقى لي من الوقت ثمة زمن إضافي لودعت من خلالها مسرحي مدينة الشباب والمركز الثقافي بما فيهما من ديكورات وأزياء وإكسسوارات وبقايا الأصوات المغبرة خلف الكواليس وفاءً لحلمي الذي لم يكتمل بعد.
نعم  يا صديقي الأليف….هكذا جاء ك الموت مصادفة فأصبح اسمك جمال جهة للمسرح وصار الدمع في عينينا كشظايا جمر مكسور في أوج زينتها لحظة توقيت الفراق تحدد النزف الأخير من المشهد الأخير لمسيرة دربنا تجاه مقبرة صارت من مقتنيات المسرح.
مقبرة من رماد الكلمات مخصصة لأن تخبز الذكريات على سترة ليلها المشتعل رست على رابية تطل على مدينتين نائمتين هما قامشلي ونصيبين.
هكذا تكفلت بك الشمس أن تكتبك نصاً مسرحياً لم يخطر في بالك من قبل وشاءت السماء بأن يكون العبث مخرجاً مبدعاً لعرض يليق بك وشاءت المصادفات أن تكون الجهات جمهوراً جديداً لحكاية لم يفهما بعد سوى أنه جاء مشاركاً في مهرجان القدر الذي نسقته الأيام بالتعاون مع حي الهلالية في القامشلي ترعاه وزارة الحزن الأبدية ليقدموا لك مقبرة وكأنها منصة لا تطل إلا على نفسها وشئت أن تكون خجولاً كعادتك فاستغلك الموت ضحية صمت الصباح .
فها أنا ذا أقول لك  يا جمال : هل كان من حقك أن تهجر المسرح أم أنها مشيئة السماء .
وهل ينبغي للرحيل أن تفوته ثقافة كهذه حتى أخذك منا بشكل هندسي حيث وقعت فيه كنيتك الجمعوية  تحت فخ حسابي لثلاثية الموت، ثلاثية الموت التي جعلت من يوم الجمعة نسبة لك في الهوية وفي دفتر العائلة مصادفة، ثم فصلوك عنها لتسقط مريضاً كآلة معطلة، فأعلن يوم الجمعة أنه بريء الذمة تجاه دمك لتصبح من شهداء صباح  يوم الأحد .
هكذا هي لعبة الآلهة يا جمال، فدعني أنادي باسمك الذي علمنا كيف نجسد أسطورة الحب وكيف نرمم الذكريات إذا انكسرت علمنا اسمك كيف نرتل الحضارات حين نصعد على سفوح أجسادنا ونؤذن على ما تبقى من عمر الهواء .
دعني  أقول ربما لأن الأوبرا الإلهية كانت بحاجتك فرشحتك مخرجاً لتشرف على مسارح السماء، ولا تنسانا إن تبقى في مسرح الله ثمة شواغر مسرحية  ليست إلا أيام معدودات ونحن على هذا الدرب سائرون .
صديقي ……..
سلم على جميع الكتاب الذين أخرجت لهم وقبل ونوس و ماغوط وعدوان
سلم على كل من يعرفنا ومن و من لا يعرفنا ومن سمع بنا ومن لم يسمع
سلم على كل من تراه مناسباً وغني للأبجدية في البلاد التي تقع مابين المسرحين
سلم على حورياتنا الأربعين اللواتي سيشهدن عرسك في اللازمان
سلم على جميع الشهداء والرسل والأنبياء إن رأوك على مفترق الحلمين
في جنة مسرحية تجري من تحتها الذكريات
سلم على كل المصادفات وعلى ما تراه مفترضاً في عزلة الموسيقى
سلم على السلام وعلى الظلام سلم وقل لهما:
لقد انتقل العالم من عصر الخطيئة إلى عصر الكارثة، وفي عصر الكارثة لا يمكن للإنسان أبداً أن يكون خاطئاً .
وقل لهما من الجريمة أن يكون الإنسان مبدعاً على كوكب الأرض، فحاكمته الحياة أن يكون غريباً عن هذا العالم، ربما لأنه غير مألوف بالنسبة للناس…
وأخيراً باسم جميع مسرحيو القامشلي سلام عليك وسلام علينا يوم يجمعنا المسرح في اللازمان .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صدرت حديثاً عن منشورات رامينا في لندن رواية الكاتب والفنان السوري إسماعيل الرفاعي بعنوان “نقوش على خشب الصليب” وهي عمل يضع القارئ منذ العتبة الأولى أمام مجاز كثيف ومركَّب، حيث يتحوّل الخشب إلى حامل للصلب، والنقش إلى كتابة فوق الألم، واللوحة إلى مرآة للروح.

الرواية تقدَّم على هيئة “فهرس نقوش”، في إشارات تشي بأن الفصول التي…

غريب ملا زلال

منذ أكثر من خمسين عاماً و الفنان التشكيلي محمد أمين عبدو يتنفس اللون، فمنذ عام 1975 و هو يعارك اللوحة بفاعلية مؤكدة يبقيه على الجذر الإنساني، و هذا ما يجعله يؤكد و بثقة العارف بعمران المكان بأن عمليات الإزاحة التي يقوم بها للوصول إلى نتيجة لماحة تحدد له وجهته…

ا. د. قاسم المندلاوي

في هذه الحلقة نقدم للقارئ الكريم نبذة مختصرة عن فنانين من تركيا مدينتهم الجميلة (قامشلو) بسبب الاوضاع العنصرية والشوفينية في سوريا ابان نظام البعث الفاشي والجماعات الارهابية التكفيرية الظالمة. وعلى الرغم من الظروف القاسية استمرا في العطاء الفني خارج البلاد وتحديدا في المانيا واسبانيا واستطاعا المزج بين (الموسيقى…

في مثل هذا اليوم، 31 آب، تمر الذكرى السنوية لرحيل الفنانة التشكيلية الكوردية المبدعة سمر عبد الرحمن دريعي، التي رحلت عن عالمنا في ألمانيا عام 2023، لكنها بقيت حاضرة في وجداننا وذاكرتنا كإحدى أبرز الأصوات الفنية النسوية في تاريخ شعبنا.

لقد كانت الراحلة أيقونة فنية وإنسانية، حملت بألوانها وقوة ريشـتها قضايا المرأة الكوردية وآمالها، وجعلت من…