المثقف الكردي وإشكالية مناهله الثقافية (5)

 دلكش مرعي

   حسب الآيات في الجزء السابق فإن مصير الإنسان وكل ما يحصل له من خير أو شر في هذه الحياة هي مقدر له من السماء …. والسؤال المطروح هنا ألا يعتبر تشكيل أحزاب دينية وطائفية كالإخوان وغيرهم من الذين يعتبرون أنفسهم وكلاء لله على الأرض من دون صكاً مكتوب لهم من عند الله ألا يعتبر ذلك تدخلاً فيما قدر الله للبشر وأمر ؟ وهل الله العزيز الجبار ذو الانتقام الذي إذا أراد أن يقول لأي شيء كن فيكن هل يحتاج إلى حماية أرضية من قبل هؤلاء أو من يدافع عنه والتدخل باسمه في شؤون البلاد والعباد مثل أحمدي نجاد ومرشده الأعلى أو طيب أردوغان والعديد من فقهاء الطغاة والسلاطين كالبوطي ومفتي الجمهورية وغيرهم ؟ وما محل هؤلاء من الأعراب أصلاً بعد هذه الآيات ؟ ..
ولكن تظل النتيجة الأهم هنا والأخطر من كل ذلك هي التي تتمخض عن مضمون الآيات السابقة التي تأكد بأن كل ما يحصل للبشر في هذا الكون هو مقدر له من السماء لأن ذلك تؤدي إلى تعطيل وشل ملكات العقل وتخديره وجعله خامداً يكف في البحث عن ماهية الظواهر الاجتماعية والكونية  أو البحث عن أسباب تشكلها أو النتائج التي تتمخض عنها … من هنا يمكننا القول بأن هذه الظاهرة هي التي سيطرة على ملكات العقل وطاقاته لدى شعوب هذه المنطقة عبر خمسة آلف عام ولم يشذ عن تلك القاعدة إلا قلة قليلة من البشر 
ويمكن القول أيضاً بأن جذور المشكلات الثقافية التي يعاني منها الثقافة الكردية لا تكمن في المثقف ونتاجه في المعارف المختلفة  بل إن جذر المشكلة تكمن في البنية الثقافية للمثقف ذاته فهناك تشابك بين القديم والحديث  أي ما هو سائد في التراث من قناعات ومفاهيم وعادات وقيم وسلوكيات وما هو وافد من فكر حداثي تنويري …  
 فإنك تجد الحديث عن العلمانية والديمقراطية وحقوق المرأة وحقوق الإنسان وقبول الآخر وغير ذلك مما يطرح من قبل المثقف وتطرح هذه الأمور حتى في برامج الأحزاب ولكن من يلقي نظرة تحليلية سيلاحظ بأن الفكر الذي يحرك القوى الفاعلة داخل المجتمع وحتى المثقف هو الفكر السائد داخل التراث مع بعض الاستثناءات …. فالفكر الحداثي التنويري تركب تركيباً قصرياً على قيم المجتمع وما هو سائد في داخله أي أن القوة المهيمنة والمحركة للثقافة ولحركة المجتمع تستند وتنطلق بشكل عام من المنهل التراثي وهياكله التقليدية ..  
  وبصيغة أوضح فإن من يتابع الحركة الثقافية السائدة فأنه لن يشاهد سوى مظاهر شكلية وسطحية للحداثة والتنوير بينما القوى الفكرية الفعلية التي تحرك المجتمع ومؤسساته تنبع من فيروس ما هو غيبي وطائفي وأثني وقبلي وعشائري وعائلي وهذا الأمر ينسحب على معظم الحركات والأحزاب السياسية الكردية ومن يمثلها بالإضافة إلى معظم أحزاب هذه المنطقة … 

 أي أن مجموعة العناصر والمفاهيم والقيم الغيبية والطائفية والقبلية وعبر تاريخ شعوب هذه المنطقة هي التي كانت تنتج الشخصية العنفية المأزومة المتأله المتخلفة  ومازالت تنتجها بكثافة إلى يومنا هذا بالرغم من التطور الهائل على مختلف صعد المعرفة وأنساقها في العالم المعاصر … فما هو غيبي يعطل الوعي وينتج الأنا المـتألهة… وما هو طائفي وقبلي تكرس العنصرية وعدم قبول الآخر حتى ضمن القومية الواحدة … وما هو عائلي تكرس حالة الوراثة أي انتقال الزعامة من الأب إلى الابن …  فأن مجموعة هذه العناصر وتفرعاتها وتوابعها السائدة في قيم الشعوب تتجمع وتتحد في كيان معظم أفراد المجتمع من الذين ينهلون وينتمون إلى التراث ذاته هو الذي يدفع بالجميع بشكل عام ومن حيث الجوهر بأن ينهجوا في سلوكياتهم النهج ذاته  فيمكن القول بأن التراث هو الذي يرسم لهم خطهم البياني من بداية حياتهم وإلى نهايتها كالشريحة المبرمجة التي تظهر ما بداخلها على الدوام لمن يبحث في إظهار محتوياتها وإن أي خروج من الخط البياني المذكور تصطدم بالخطوط الحمراء والمحاذير المكرسة في القيم الاجتماعية وفي العادات والتقاليد والعقائد الدينية.. هذا مع بعض الاستثناءات لدى قلة من الأفراد الذين تؤدي بهم بعض الأحداث أو الصدمات في حياتهم إلى التفكير بما يجري من حولهم أو قلة من الذين ينهلون من ثقافات معاصرة أي أن عجلة التطور تسير ولكن بشكل بطيء وبطيء جداً  
….. يتبع

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

شهدت الأوساط الثقافية الكوردية والعربية في المهجر صدور كتاب فكري وحواري مميز يحمل عنوان «مطاردة المعنى.. من العود الأبدي إلى اللاوعي الجمعي»، للكاتب والشاعر الكوردي السوري إدريس سالم.

وصدر هذا العمل عن دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب في هولندا، ليكون رافداً جديداً للمكتبة الفلسفية والنقدية الكوردية والعربية، ومحاولة جادة لمقاربة الواقع الثقافي برؤى مغايرة وأدوات…

علي شمدين

مع صدور الترجمة العربية لكتاب «رحلات في كردستان» لمؤلفيه «السير هنري راولنسون وجون جورج تايلور»، والتي ترجمها الأستاذ «رضوان شيخو» مؤخراً من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية، ينتابنا شعور عميق بالفخر والاعتزاز مرتين، مرة لأننا نرى حزبنا الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا وهو يضم كل هذه الأقلام اللامعة التي تطوعت، رغم ظروف القهر والاستبداد،…

محمود أوسو

 
يا وطناً كانت خرائطه ألواناً
صارت دماً على أطراف القلم
يا شاماً كانت بيوتها مواويل
صارت صدىً لصرخةٍ لم تُفهم
 
من حلب إلى الحسكة،
من جبل العرب إلى القامشلو
الرصاص يلبس أسماء الله
والحقد يرتدي عباءةً ضيقة
ويقول: هذا ديني، وهذه سنتي
 
يقتلون المسيحي لأنه يحمل صليباً صغيراً
والعلوي لأن اسمه في سجلّ قديم
والدرزي لأن جبلَه لا ينحني
والكردي لأن لغته وجعٌ آخر
وفي دير الزور،…

محي الدين حاجي

ابني العزيز……..

أراقبك وأنت تتحدث لغتهم بطلاقة، فأشعر بالفخر والخوف معاً. فخرٌ لأنك ملكت سلاحاً لم أملكه، وخوفٌ من أن تبتلع هذه اللغة حروفي التي علمتك إياها وأنت صغير. أنا لا أريدك أن تعيش في الماضي كما أفعل، لكنني أخشى أن يأتي يومٌ تسألني فيه عن ‘الوطن’ فلا تجد في قلبك سوى صدىً باهت.

أبي……..

أنا…