بالطلاق …. إنها نعجة رخيصة !! حديث الجمعة (6)

د. علاء الدين جنكو

التقيت في سوق الغنم بالقامشلي في صيف 2008 م بصديق لي بعد خمس وعشرين عاماً من الفراق كنا نجلس على طاولة واحدة في مدرسة جرنك ( حسين محمد حاجي حالياً ).

قال لي بعد أن تبادلنا الأخبار في أسرع شريط للذكريات في العالم ، علمت خلالها أنه على علم جزئي بأخباري : عندي سؤال شرعي خطير !!
في الحقيقة حالته جذبتني إليه كلياً بسبب ما رأيت عليه من اندفاع أثناء رغبته في طرح السؤال:
–         علاء هل صحيح أن أغلب الذين يعملون في هذا السوق نساؤهم لسن بزوجات شرعيِّات لهم ؟!!!
ابتسمت لسؤاله ظناً أنه يمزح معي، لكن صديقي لم يتأثر بابتسامتي وبقي متماسكاً وكأني أمام صخرة شامخة.
أمسك بيدي وقالها ثانية : الأمر في غاية الخطورة يا علاء، في كل يوم يقسم الرجال هنا بالطلاق على أمور أعلم يقيناً أنهم يكذبون ،  وقد سمعت أن من يحلف بالطلاق كذباً ثلاث مرات طلقت منه زوجته ، فماذا تقول ؟
ذكرني سؤال الأخ بمقالات للكاتبة الفلسطينية حنان اخميس تناولت فيها دراسة عن أصل الأكراد ذكرت فيها العديد من الحقائق التي يجهلها شقيقه العربي لكنها لم تسلم من الوقوع في العديد من المغالطات لسردها بعض المعلومات الخطأ ، وربما يكون السبب في ذلك اعتمادها على مصادر ومراجع غير دقيقة دون الخوض في دراسة عملية ميدانية حول الشخصية الكردية وأهم خصائصها.
ومن تلك المغالطات ما ذكرته بأن الطلاق سهل بين الأكراد ودللت على ذلك بالانتشار الواسع والظاهر لمسألة الحلف والقسم بالطلاق .
لن أدخل في تفاصيل القسم بالطلاق من حيث الدراسة الشرعية ، وسأكتفي بذكر الحكم إجمالاً دون الخوض في الجدل الفقهي حول هذه المسألة بعد أن أتحدث عن أسباب اللجوء إلى الحلف بالطلاق وآثاره الاجتماعية على الناس عموماً والنساء خصوصاً .
اقترنت مسألة الحلف والقسم بالمراحل الأولى لخلق الإنسان حينما أقسم إبليس في أول قسم في تاريخ البشرية كذباً عندما أراد أن يقنع كلاً من آدم وحواء ليأكلا من شجرة الخلد التي حذرهم الله من أكلها في الجنة !!
حيث ورد في القرآن الكريم ( وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) الأعراف/ 21 ، قال قتادة ‏:‏ حلف لهما بالله حتى خدعهما .
ثم أصبح القسم من ضرورات الحياة البشرية ، وأخذت أعلى مراحل الاحترام والتقديس بغض النظر عن مقدس الإنسان الذي يحلف ويقسم به ..
فالمقسوم عليه مقدس عند البشر، ومن استخدمه كذباً يكون منبوذاً من عوام الناس ومعرضاً للملاحقة القانونية إذا كانت المسألة مرتبطة بتجاوز الحدود أو فيه اعتداء على حق الغير .
ومن هذا المنطلق حرم الإسلام الحلف بغير الله تعالى وجعله نوعاً من أنواع الشرك ، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( من حلف بغير الله فقد أشرك )
فالحلف بغير الله تعالى إنما هو تعظيم لغيره وهو ما لا يجوز في بديهيات العقيدة الإسلامية ، ولخطورة مسألة الحلف بغيره تعالى وصل الحد ببعض أهل العلم أن قالوا : ( لو تحلف بالله كاذباً خير من أن تحلف بغيره صادقاً ) .
تتعدد أساليب القسم والحلف في مجتمعاتنا فمنها ما تكون شرعيةً وهي الصيغ المرتبطة بالله تعالى وذاته العليَّة وصفاته الجليَّة مثل : والله ، تالله ، بالكعبة ، بالقرآن ، بالدين ، بالإيمان … إلخ .
ومنها ما تكون مرتبط بالمخلوقات مثل : بالرسول ، بالنبي ، بقبر أبي أو أمي ، بشرفي ، بعرضي ، بدم الشهيد ، بأرض وطني ، برأسي ، برأسك …. إلخ .
الذي يؤمن بالقسم يفترض عليه أن يكون مؤمناً بقدسية المقسوم به ورفعه إلى درجات التقديس وأعتقد أن من كان مقدسه مخلوقاً يكون قسمه موضع شك أكثر ما لو كان القسم بالله تعالى .
وباعتقادي لا يلجأ إلى الحلف بغير الله تعالى من المخلوقات إلا في إحدى الحالات التالية :
–         كذب الشخص وعدم اعتباره لمسألة القسم أصلاً .
–         الاستهانة والاستهتار بالمحلوف به .
–         خبث الذي يقسم واستغلاله جوانب العاطفة عند الناس .
والحالة الأخيرة هذه هي الأكثر انتشاراً إذ أن المنافق يعرف من أين يؤكل الكتف فتراه يحلف بالله عند المتدينين ، ويحلف بالبقرة بين من يعبدها ، وبين الملاحدة يقسم بالشرف والعرض ، وعند من لا شرف له بحبه له …….. وهكذا دواليك ..
أعود لمن يحلف بالطلاق وأضعهم في الميزان السابق وأقول :
1 – تنزيل الطلاق إلى مستوى الحلف دليل على مكانة وعظمة الرابطة الزوجية بين أفراد المجتمع ، إذ لو لم يكن كذلك لما لجأ إليه من أراد الحلف ليقنع غيره .
2 – وقوع هذا القسم من إنسان مرة واحدة في عمره ، ليس حالته هي المقصودة في مقالتي هذه لأن حالته هذه ستكون لها حكم شرعي خاص غير حكم الذي تعود عليه !!
3 – الذي يقسم بالطلاق لأتفه الأسباب ، كما في حالة تاجر يبيع نعجة من أجل أن يوهم غيره بسعره المغري فيقسم بالطلاق أنه اشتراه بكذا وسيبيعه له بكذا !!
إن الذي وصل الحال به إلى هذه الدرجة من الاستهتار بالنطق بالطلاق لا تتعدى قيمة الرابطة الزوجية عنده الزيادة في ثمن نعجة مقدارها دراهم معدودة .
ومما أعتقده أيضا أن من يكثر الحلف بالطلاق يكون كذاباً في أغلب المجتمعات الإسلامية ، والمصيبة الكبرى إذا كان الحالف كاذباً في قسمه بالطلاق وعالماً بالحكم، كيف له أن يتجرأ على تحمل النتائج ؟!
إن من تعوَّد على الحلف بالطلاق كذباً إنما يريد أن يتحول المجتمع الإنساني إلى مجتمع بهيمي غير منضبط بأية علاقات منتظمة .
ومن ناحية أخرى يعتبر من يلجأ إلى هذا القسم كذباً إنما يستصغر المرأة التي حملته وولدته وأرضعته وسوته رجلاً من خلال الاستهتار بأقدس علاقة تربطه بهذه المخلوقة التي أحلت له بكلمة من الله تعالى وأصبحت قرينته ما دام حياً يرزق .، فكيف يطيب له الحلف كذباً على حل هذه العلاقة المقدسة ؟!!
كما أنه استهتار بالحياة الاجتماعية ودعوة إلى فقدان الثقة بين الناس من خلال القضاء على كل الخطوط الحمراء والتي تعتبر سياجاً لحماية المجتمع وخاصة بين المقدسات .
بشرى خير :
من وجهة نظري المتواضعة أن ظاهرة الحلف بالطلاق في طريقها للزوال – بإذن الله تعالى – وخاصة بين المتدينين الأكثر حرصاً على عدم الحلف بالله كذباً والأكثر احتراماً للعلاقة الزوجية وتقديسا لها ، فالجيل الجديد أكثر وعياً من سابقه ، كما زالت الكثير من المظاهر السلبية كالنطق بكلمة الكفر أو شتم الدين والرسول صلى الله عليه وسلم  وغير ذلك .
فكل ذلك من بوادر الخير ولعلها تكون البشرى لانطلاقة النفوس للعودة إلى المنظومة الأخلاقية المهددة بالانقراض في مجتمعاتنا .
وتبقى النقطة الأخيرة :
وحتى لا أترك القارئ في حيرة من أمره وخاصة بما يتعلق بفتوى الحلف بالطلاق من غير قصد الطلاق، سأذكر هنا الحكم بنوع من الاختصار فأقول وبالله التوفيق :
إذا كان قصد الحالف بطلاق زوجته ، الحلف على إثبات شيء أو نفيه دون أن يكون قاصداً للطلاق فهذا يمين ، يكفر عنه كفارة يمين ، وهي إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة .لكن إن كانت يميناً غموساً يقتطع بها مال امرئ مسلم، أو يحرم محقاً من حقه فهذه فجور ولا كفارة فيها ، لكن فيها الوعيد الشديد ، وليس له في هذه الحالة إلا ان يعيد الحقوق لأصحابها ويتوب إلى الله تعالى
والدليل :

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من حلف على يمين صبرا ليقتطع بها مال امرئ مسلم وهو فيها فاجر ، لقي الله وهو عليه غضبان ) .أخرجه البخاري (2356)، ومسلم (138).

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…

ماهين شيخاني

ماذا أفعلُ بالحياة
إذا لم تكوني موجودةً معي؟
أيُّ معنىً
يبقى للأيام
إن غابَ وجهُكِ عنها؟
بماذا أملأُ الصباح
إذا لم ينهض صوتُكِ
في نافذتي؟
وكيف أقنعُ الشمس
أن تشرق
وأنتِ لستِ هنا؟
ما جدوى الطرقات
إن لم تؤدِّ إليكِ؟
وما فائدة الوقت
إن كان لا يحملُ اسمكِ
بين دقائقه؟
أأعيشُ لأعدَّ
ساعاتٍ باردة؟
أأمشي
وفي القلبِ مقعدٌ
فارغٌ بحجمكِ؟
الحياةُ من دونكِ
ليست موتًا…
بل شيءٌ أكثرُ قسوة:
أن أتنفّس
ولا أتنفّسُكِ.
فإن لم تكوني معي،
فكلُّ هذا العالم
مجردُ غرفةٍ…