نهضة الثقافة في العراق تستلزم بنية تحتية عامرة

فوزي الأتروشي
وكيل وزارة الثقافة

    الشاعر والفنان الداينماركي (ساية اندرسن) بعث لنا اليوم رسالة رقيقة تكاد من رقتها تذوب عطرا على الورقة. لقد زارنا الشاعر مرتين فتعرف عن قرب على مايدور من حراك ثقافي، زار بغداد، وأربيل، ودهوك، والسليمانية ومتحف الذكرى في حلبجة وبكى طويلا هو وزملاؤه من الشعراء والمغنين على ضحايا هذه المدينة التي دخلت ذاكرة العالم كأبلغ دليل على قبح النظام السابق. وفي مهرجان المربد السابع كان هذا الشاعر الداينماركي معنا في البصرة وألقى أشعاره التي رافقته في إلقاء الترجمة على الجمهور بالعربية.
رسالته تقول (أحنّ إلى بغداد ومدن العراق الأخرى وأرغب أن اكرر الزيارة) وهذا يعني انه لايعاني الخوف رغم ان كل مصادر الخوف والتحفظ على الزيارة متوفرة في أجواء بغداد التي مازال الامن فيها قلقاً. ويعني من جانب آخر اننا استطعنا الحاق تغيير بالصورة النمطية للعراق في الخارج التي يريد الأرهاب تكريسها ووضع الآخرين في حالة نفسية تدفعهم للاحجام عن الزيارة وتقديم فعاليات ثقافية.
   الواقع ان الداينماركيون ليسوا وحدهم في التوصل إلى اكتشاف الوجه الآخر المضيء للثقافة في العراق، فقبل مدة كان لنا تواصل مع اليابانيين من خلال اسبوع الفلم الياباني في العراق، وبعد ذلك جرى تواصل من قبلنا مع المركز الثقافي الفرنسي الذي يتطلع ان يقدم الفنانون المسرحيون في فرنسا نتاجاتهم في بغداد وبالذات في المسرح الوطني. وقبل ايام اعلنت لجنة التضامن البلغارية مع الشعب العراقي والمركز التجاري البلغاري عن سرورها لاختيار كركوك عاصمة العراق الثقافية لهذا العام، وقرروا تقديم أمسية للصداقة العراقية البلغارية، ضمن الموسم الاول بغية المشاركة في مشهد التعايش الثقافي في هذه المدينة ومن جانب آخر فان التواصل مع الجانب الصيني مستمر وستكون هناك زيارات ثقافية وفنية أضافة إلى استعداد الجانب الصيني للتوقيع مذكرة التفاهم الثقافية بين البلدين. وفي سياق آخر فان مسلسل حصول الفنانين والادباء العراقيين على الجوائز العالمية مستمر، فقد حصد المسرحيون العراقيون نحو ست جوائز في مهرجان دبي مؤخرا، وهذا يدل بالتأكيد على طفرة كبيرة لمبدعينا في الداخل والخارج مثلما يشعل شمعة أمل جديدة في واقع الثقافة العراقية التي كانت ضحية قمع مبرمج ومنظم على مدى (35) عاما من النظام الدكتاتوري.
   وقد أعلنت الوزارة ان وفدا ثقافيا كبيرا سيشارك أيضا في فعاليات الدوحة عاصمة الثقافة العربية هذا العام.
   ان هذا الواقع الواعد بآمال كثيرة لابد ان يثير اهتماما اكبر من قبل الحكومة العراقية. وان تحقق كل وعودها للوزارة والمثقفين العراقيين والمبدعين الذين يحققون نتائج طيبة لإعلاء شأن العراق.
   ومانعنيه هنا هو التأكيد على ان النشاط الثقافي لايمارس في العراء وانما يحتاج إلى بنية عامرة وصحية ومتقدمة فيها كل مستلزمات العمل، كدور السينما والمسارح والمعارض والقاعات والمكتبات وقصور للثقافة والفنون في كل مدينة. وبهذه المناسبة نجد من الجدير القول ان كل مجالس المحافظات عليها ان تخصص في ميزانياتها مبالغ مناسبة كفيلة بإعادة الوجه الثقافي المشرق في المدن، مثلما الحكومة مطالبة بالخروج عن القوالب الكلاسيكية الروتينية في التعامل مع مهمة عاجلة وملحة لاتقبل التأجيل وهي اعمار وتنمية البنية التحتية الثقافية فنحن مقبلون على مشروعين طموحين وهما جعل النجف عاصمة للثقافة الاسلامية، وجعل بغداد عاصمة للثقافة العربية، مايعني حتما حرق الزمن وتوفير كل شروط انجاحهما والشرط الاساسي اضافة للأمن طبعا هو البنية التحتية الملائمة.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

(ناشرون فلسطينيون) يعد كتاب “بلاغة الصنعة الشعرية” للناقد والشاعر الفلسطيني فراس حج محمد، الصادر عن دار روافد للنشر والتوزيع بالقاهرة عام 2020، علامة فارقة في المكتبة النقدية العربية المعاصرة؛ إذ لا يكتفي بتقديم قراءات في نصوص مختارة، بل يغوص في فلسفة الفعل الشعري ذاته، محاولاً فك الاشتباك بين الموهبة الفطرية والجهد الواعي، وبين النص المقدس…

صبحي دقوري

هناك في الحياة ما يبدو ضروريًا إلى حدّ البداهة: الخبز، والماء، والسقف، وبعض الطمأنينة إن تيسّرت. غير أن في حياة الإنسان ضرورات أخرى، أقل صخبًا، وأبعد عن العيون، ولكنها لا تقل جوهرية عنها شأنًا، بل لعلها أعمق أثرًا في بقاء الإنسان إنسانًا. ومن هذه الضرورات الأدب والفن. فهما ليسا ترفًا تستدعيه وفرة العيش، ولا…

ديار ملا أحمد

الكُرد في سوريا: سيرةُ ظلٍّ طويلٍ يبحث عن شكله في الضوء ..

لا تبدأ الحكاية الكردية في سوريا من الجغرافيا، بل من فجوةٍ صغيرة بين الاسم وصاحبه.

من تلك اللحظة التي ينطق فيها الإنسان ذاته، فلا تُصدّقه الأوراق، ومن ذلك الصمت الذي يتكوّن حين تعرف الأرض خطواتك، لكن الدولة لا تعترف بآثارها .. هكذا لم…

عبدالجابر حبيب

 

في قريةٍ لا تحمل اسماً لافتاً، حيثُ تمضي الأيام على وتيرةٍ واحدة، عاش رجلٌ يملك قطعةَ أرضٍ صغيرةً.

زرعها قمحاً، وانتظر موسمه بعينٍ خبيرةٍ؛ يعرف أن الأرض تعطي بقدر ما تأخذ.

 

جاء أيّار، وارتفعت السنابل، وامتلأت رؤوسها، ومالت بخفّةٍ مع الريح.

مشهدٌ يسرّ صاحبه؛ لا مبالغة فيه، ولا مفاجأة.

زرعٌ نجح، هذا كلّ الأمر.

 

وفي طرف القرية، رجلٌ آخر…