في الطريق إلى هولير

إبراهيم محمود
في الطريق إلى هولير
كان الطريق يشد السيارة
كانت السيارة تشد الركاب
كان الركاب يشدون أنفسهم بالطريق
وكانت هولير تشد إليها الجميع
لكم بدا الطريق طروب الهيئة
حيث كنتُ أشد نفسي إلى ختام الطريق
***
الطريق منبسط أمام السيارة
لعله تناغمٌ مع هدير محركها
لعل الدواليب بصريرها  كانت تبثه شارة الاطمئنان
من بعيد كانت هولير بهيجة بما ترى
لا خوف من مطبات، طوارئ تقلق الحجر
كان ذلك صدى صوت هولير
وكنت أحتضن المسافات البعيدة
***
على جانبي الطريق إلى هولير
ضمن مسافات متباينة بميزة اتقان ما
جبال ترفع هاماتها خضرة وبياض سموّ
وهي تشد الطريق إليها صبابةً
الطريق يمتد محفّزاً الجبال لترسو أكثر
ثمة تقاطعات، منعطفات، تنبّه الطريق بعدم الانحراف
الطريق يحمل خبرة معتقة بالأشكال الهندسية المدرَّبة
***
دهوك ليست خلفي وهي تتقدمني بقرطيها الجبليين
يستند الطريق إلى أرض ناضجة في الصلابة
ثمة سماء مطعمة باللازورد المشبع الأوكسجين تمنحه توازناً مؤكداً
دهوك تصافح هولير بالطريق المأخوذ بحمْية توأمية قائمة
السيارة، أنظرُها، مطمئنة إلى دواليبها المختبَرة
ثمة سائق ينبض قلبه على هدير المحرك المنتظم
أسمعه يكلّم الطريق دون أن يخطئ في التهجئة
***
الطريق الذي يسلكه قلبي
الطريق الذي تلازمه ذاكرتي المعززة بعصور وامضة
الطريق الذي يترنم به لسان روحي الفينيكسي 
بأرشيفه الثري المقاوم للبلى هنا وهناك
محروسٌ بنجوم لا تغشاها ظلمة
هوذا جلوسي في المقعد الملازم للنور المرفق بالطريق
***
السليمانية تقول: أيهذا الطريق أنت موصول بي
لا تغفل عن جهتي حذار
يبتسم الطريق بقلب مشع
وهل توقفت دونك يا السليمانية
انظريني كيف أمسّد ذاكرتك بترياق مداي
هكذا يمكنني أعاين المكان بآتيه المرتقب
***
برباطة جأش يرفع قلبي صوته عالياً:
يا الطريق أنت أطول مما أنت فيه
خلف دهوكك مدادك الجغرافي العتيد
حيث تمضي قامشلو على متن الطريق المحلّى بالشمس
يكاد الطريق يقفز بكامل طوله فرحاً
لم تكوني خارج هندستي المكانية يا قامشلو
ترفع قامشلو كأساً من صباح لنهر الطريق المتدفق كردياً
***
في اللحظة ذاتها يتردد صوت مجاور:
ولا أنا يا الطريق الطريق العتيق
تقولها آمد عن بكرة أبيها
يكاد الطريق يتكلم بكامل مساحته انتشاء
كيف لي أن أغفل عنك وفيّ ما ينسّبني إليك؟
***
على مبعدة مجاورة نسْبياً
يتردد صوت جهوري من جهة مهاباد بوضوح تام
احرص على عدالة المسافة بين ذكرت وبيني يا طريق
أكثر من حالة سابقة يتهادى الطريق باسمه الفصيح
صداح خطاه الجغرافية:
لا أحد يستطيع محو ذاكرتي
على التاريخ أن يبصر طريقه
***
أستيقظ من غفوتي الاستثنائية
بجسم طليق الرؤية
لأجدني على بوابة هولير
كما لو أن الطريق يقول: وصولاً بالسلامة
أغتبط
أغبط السيارة على حكمة محركها
وأنزل بروح فلكية
لأصعد عالياً حيث تكون إقامتي المسجلة
” كتِب هذا النص بين دهوك- هولير ” مساء السبت 11-11/2023

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صبحي دقوري

أريد أن أتحدث عن كتاب لا يوفر قراءة سهلة للقارئ، ولا يطمئن أفكاره، بل يحركها من جذورها. بمجرد أن تفتح الكتاب، تشعر كأن شيئا قويا يجبرك على التفكير في أفكارك الأساسية، مثل المعرفة، واللغة، وطبيعة الإنسان.

هذا الكتاب هو “الكلمات والأشياء” لميشيل فوكو.

يجب علينا أولاً أن نتبين ما يقوم به فوكو في هذا الكتاب. فهو…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليست الإسكندرية مدينةً تُرى بالعَين وحدها، وإنما هي مدينة تُقْرَأ كما تُقْرَأ القصائد الكُبرى، وتُستعاد كما تُستعاد الذكريات العميقة، وتُعَاش كما يُعَاش الحُلْم الذي يرفض أن ينتهي. ومُنذ أن قامت على شاطئ البحر المتوسط، وهي تكتب تاريخَها بالحجارة والماء، وتغزل أسطورتها مِن ضوء البحر، ورائحة الملح، ونداء الموانئ،…

د. سرمد فوزي التايه (روائي وباحث فلسطيني)

عقب نشرنا للمقال الأول المُعنون بـ (اللسع الحامي للثرثرات المحببة لفراس حج محمد) بتاريخ 1/11/2025 والمتضمن ما تناوله الكاتب والشاعر والأديب فراس حج محمد في كتابه (الثرثرات المُحببة) والصادر عن دار الفاروق للثقافة والنشر في نابلس في العام 2024 بموضوعاته المتضاربة الاتجاهات، وثرثراته المُحببة وغير المُحببة، قلنا إنَّ كل…

عبدالجابر حبيب

“حين يكثر الأوصياء… يفقد المرج صوته.”

المؤلف

 

شخصيات المسرحية

الحمار: يبدو بسيطاً، لكنه أكثر الشخصيات صدقاً، يرى ما لا يراه الآخرون، ويقول الحقيقة من غير أن يدّعي امتلاكها.

الجمل: يتحدث دائماً بلهجة الوصي، ويؤمن أن المرج لا يعرف مصلحته إلا من ينظر إليه من علٍ.

الغراب: انتهازي بارع، يبدل مواقفه كما يبدل مكان وقوفه، ويقتات على الفوضى أكثر مما…