عن الإنسان الذي كبَّل نفسه

د آلان كيكاني

كيكان قريةٌ صغيرة.
إذا هبت الريح من جهة الغرب تمكن ساكنوها من شمّ رائحة الكباب المنبعثة من مطاعم كوباني. وإذا هبت من جهة الشمال تمكنوا من سماع ثغاء الخراف من شطرها التركي… فالقرية رغم صغر حجمها لها شطر تركي!
يفصلها عن كوباني ثلاثة كيلو مترات لا أكثر. وعن الحدود الفاصلة بين سوريا وتركيا صفر من الكيلو مترات.
ومن صغرها تكاد لا تُرى إلا عند الدخول بين بيوتاتها القليلة.
فيها وُلِد أبي، وجدي، وأبو جدي، وجد جدي، وربما أسلافي الذين سبقوهم.
ووُلدت فيها أمي، وأبوها، وجدها، وأبو جدها، وجد جدها الذي تشاركه مع أبي.
لعنة التقسيم طالت هذه القرية.
فقد استفاق قاطنوها ذات صباح قبل قرن تقريباً ليجدوا أنفسهم مقسمين بين دولتين، وأن الخط الحديدي الذي يمر منها بات حداً سياسياً يفصل دولة في الجنوب اسمها سوريا وأخرى في الشمال اسمها تركيا. قبلها لم يسمع هؤلاء المساكين بهذين الاسمين.
وهكذا، وعلى غفلة منهم، وجد من كان بيته في الشمال نفسه تركياً. ومن كان بيته في الجنوب بات عربياً سورياً. بيد أن لا مَن في الشمال ينطق التركية. وليس من في الجنوب يتحدث العربية…
وهكذا انقسمت كيكان الصغيرة إلى شطرين.
في البدء بالسكة الحديدية.
ثم بالأسلاك الشائكة والألغام الأرضية.
ثم بكتائب من جنود مدججين بالمصفحات.
وأخيرا بجدران اسمنتية عازلة وكاميرات مراقبة.
وربما بأقمار صناعية لا تخطئ في تصوير حتى نملة تمر من هذا الجانب إلى ذاك.
وطوال القرن الفائت
إذا صعد كيكانيٌّ إلى سطح داره وغنى موالاً، أطرب به أبناء عمومته في الطرف المقابل من الحدود.
وإذا تعطر شاب في هذا الجانب خفقت قلوب الصبايا في الجانب الآخر.
وإذا شخر شاخر في هذه الجهة أصاب الأرق أهل الجهة الثانية.
لكن ماذا إذا أراد أحدهم الالتقاء بأبناء عمومته؟
ماذا إذا أراد الكيكاني السوري، مثلاً، زيارة أخيه وجاره الكيكاني التركي ليواسيه في ميتٍ أو يبارك له في زواج؟
بتعبير آخر.
ماذا إذا أراد اجتياز تلك السكة الحديدية التي تبلغ مسافتها مائة وثلاث وأربعين سنتمتراً؟ نعم مائة وثلاثة وأربعين سنتمتراً لا غير!
هنا تكمن المشكلة.
كان عليه أن يقصد عاصمة دولته محملاً بكومة من الوثائق والمستندات، ويزور سفارة الدولة الأخرى، ويقف في طوابير، ويدفع الآلاف، وربما يخضع لاستجوابات مذلة، وفي النهاية إما أن يحصل على تأشيرة دخول أو لا.
كيكان هذه خزعة من الجسد الكردي المصاب بآفة التقسيم، ومثالٌ حيّ لما يحصل لخمسين مليون كردي.
كثيراً ما ترى نفسك مكبلاً بالقيود، وحولك الآلاف من الخطوط الحمر التي لا تستطيع تجاوزها.
تسير قليلاُ وتصطدم بحدود مزعومة وعليك أن تكون قد نلت الأذن مسبقاً باجتيازها وإلا عليك العودة.
تمضي يميناً وإذ برأسك يطرق بحائط فتستدير باتجاه اليسار لتنطح صخرة. وحتى طريق عودتك تراه مفروشاً بالأشواك.
هل هذه هي الصورة التي خلقنا الله عليها وأرادها لنا، أم أننا نحن من صنعناها لأنفسنا؟
يلوح لي أن الإنسان البدائي كان أسعد من وجد على سطح الأرض. لم يكن يعرف الحدود ولا الألغام ولا الأسلام الشائكة، كان يسافر بأدواته البسيطة إلى الجهة التي يريد دون أن يمنعه أحد.
بالله عليكم ألم يكن هذا الإنسان أكثر حظاً منا؟
ليتنا كنّاه! 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فواز عبدي

في شقة صغيرة في مدينة دورتموند، جلس دارا أمام شاشة الكومبيوتر يتصفح أرشيفاً رقمياً عن معرض دمشق الدولي. لم يكن يبحث عن شيء محدد. فقط كانت لديه رغبة عارمة في أن يربط بين ذاكرته الممزقة وبلدٍ لم يعد يعرفه إلا من صور باهتة وأخبار تأتي من بعيد محمّلة دائماً برائحة من آثار الحروب، وأحاديث…

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…

بهمن قوبادي يرصع قمة جبال هوليود بفيلمه الجديد الاشجار تنظر
بعد سلسلة أفلامه التي حازت على عدة جوائز ضمن مهرجانات السينما العالميه ،
مهرجان سيباستيان – اسبانيا
مهرجان روتردام – هولندا
مهرجان فلورنسه – ايطاليا
مهرجان كان السينمائي – فرنسا
مهرجان تورنتو – كندا
حيث شارك في تلك المهرجانات بأفلام تركت بصمة في عالم السينما ، كفيلم:
وقت الجياد المخموره و قد ترجم…