مأثورات مركَّبة من عالم الحيوان

إبراهيم محمود
الظربان حيوان كريه الرائحة. لكنها لا تقارن البتة بالرائحة التي مبعثها سلوكيات نوعية معينة من البشر، تكون خانقة وقاتلة أحياناً.
***
لا ينبغي على أي كان، أن يتفاجأ إذا عزمُه كلب، وقدَّم له عظْمة، إنه يقدّم ما يملك. المفاجأة الصادمة، حين يُعزَم أحدهم في بيت شحيم ودسيم، ويقدّم له منسفٌ من العظام الناشفة .
***
إذا قال الوشق عن أنه حيوان ووشق، فهو يقول صدقاً، أما حين يسمّي أحدهم من بني البشر عن أنه إنسان، ويرددها حيثما حل، فالحذر ثم الحذر مما يستبطنه مهما كان موقعه ووظيفته .
***
النمل حيوان متناهي الصغر، سوى أن أكثر الناس طموحاً ووقاراً، يتمثلونه في سلوكهم اليومي، وفي تحقيق ما هو مشروع ومثمر في حياتهم . 
***
العقرب يُسمّى بالغدار. تلك تهمة من بني البشر، للتعتيم على سلوكه، فالعقرب يدافع عن حدوده التي يقيم فيها حرصاً على حياته. بينما تجد أحدهم، يغدر بأقرب المقربين منه، تعبيراً عن حقد دفين، ويحسب بينه وبين نفسه، أن غدره هذا هو ما يحقق له ما يريد.
***
أحياناً تجد من يلتقط صورة مع أسد، بطريقة ما، لكنها صورة فقط، فالأسد أسد، وربما ملتقط الصورة  أبعد المخلوقات عن أي سلوك يعرَف به الأسد.
***
لا يتردد الثعلب أن يُسمّي حيلَه وجحوره العديدة، وكونه صريحاً. بيننا الإنسان من لا يدخر جهداً في التغطية على حيله وألوانه مكره، وجحوره لا تحصى، وإذا وصفته بالثعلب يستفز!
***
إياك ومصافحة الدب، إن ضربة منه كافية لأن تخلع ذراعك من كتفها .
***
النظر إلى النمر من بعيد” من مسافة كافية ” ممتعة، ثمة من يقترب أكثر، ظناً منه أنه في مأمن. سوى أن خفة النمر هذه تطوي المسافة سريعاً .
***
حتى سلوك خنفساء البراز في بعض الأحيان أكثر قيمة وتقديراً، من سلوك أصناف من البشر، مثلاً حين يرمون ” زبالتهم ” على المحيطين بهم، ويتهمونهم بحب القذارة .
***
يخدع السباح نفسه كثيراً، حين يتفاخر أنه يستطيع السباحة في نهر تكثر فيه التماسيح .
***
ما أعظم وأنبل سلوك طائر الباتروس، حين يطعِم فراخه من دمه، وهو يجرح نفسه، إذا فشل في العثور على طريدة لإطعامها، مقارنة بمن يهمل صغاره وهم يتضورون جوعاً.
***
الذئب حيوان لا يُروَّض، وبالكاد يعادي أفراد نوعه، خلاف بني البشر، فما أكثرهم عدوانية فيما بينهم، كما تقول الوقائع، وفي الوقت نفسه يرددون: الإنسان ذئب لأخيه الإنسان !
***
أفراس النهر، في بعض الحالات تنقذ طريدة تمساح حين تدخل وسطها، بينما في حال الإنسان، فما أكثر الحالات التي لا يردّ البشر عدو من يستنجد بهم، أو يسلمونه لألد أعدائه وأعدائهم.
***
مقر البوم الخرابة، هكذا يكتَب عنوانه. ولا يخطىء في بلوغه أحد. بالنسبة للإنسان، ما أكثر الحالات التي يفتخر بما يعمّره ويجمّله ظاهراً، وداخله أكثر  خراباً من الخرابة نفسها .
***
إذا شبع الأسد، كثيراً ما يُرى في هدوئه وملازماً مكانه، ولايعبأ بغزال، مثلاً على بعد أمتار منه. بينما في حال الإنسان، فبالعكس، إذ كثيراً ما يكون شبعه مناسبة لارتكاب مجازر وفظائع في حق بني جلدته والكائنات الحية الأخرى والطبيعة نفسها من حوله .
***
إذا خالط أحدهم قروداً، عليه أن يجسّد سلوك القرد ، وإلا فإنه يرى ما لا يشتهي. تلك هي المسألة .
***
أخلاق الطيور الجوارح تكمن في نهش الجثث، وتصفيتها. بينما أخلاق بني البشر، فكثيراً ما تمكن في نهش الأحياء.
***
حذار من مصاحبة حمار، خشبة ركلة أو رفسة مفاجئة منه .
***
لا يُلام الكديش ” من أنثى الحمار ” الأتان “، وذكر الفرس” الحصان “، في نوعه، فهو هجين، والذي يلام هو الذي ينسّبه إلى الحصان دون الأتان، لعله هو نفسه يخفي ” عيباً سلالياً ” في دمه.
***
يستحيل المزاح مع وحيد القرن، لأن الذي يتقدمه هو قرنه الرمحي الحاد.
***
الدبابير تخرج جماعياً عند الخطر، رداً لخطر العدو المتربص بها، بينما نجد من الناس من يتركون بيوتهم وراءهم، بكل ما فيها، عند وقوع الخطر، ويتجنبون مجابهة العدو .
***
الحيَّة تدافع عن نفسها بإبراز رأسها، رغم أن في الرأس مقتلها. بين البشر، ثمة من يخفون رؤوسهم، ويظهرون مؤخراتهم لطعن المهاجمين .
***
يشبّه أحدهم نفسه بالنمر، ويربض داخله ثعلب، وفي الواقع يسلك مسلك دجاجة في قوقأتها.
***
يدافع الجمل عن نوقه حتى الموت، لأنه المعني بها، وهناك من يتوارى عن الأنظار لحظة الشعور بخطر معاد ٍ، تاركاً بيته وأهله ومدينته تحت رحمة الأعداء .
***
ما نفع الكتابة لمن يقتدي بالفأر خوفاً على نفسه ، وهو يلوذ بجحره، ويصخب بصوته متفاخراً بنفسه، حيث ينعدم الخطر ؟ 
***
رائعٌ أن يظهَرأحدُهم أسداً، وهو يسمّي نفسه ضبعاً، أما أن يظهر ضبعاً، وهو يسمّي نفسه أسداً، فهنا تكون المصيبة الكبرى …

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني

كان الصباح ثقيلاً، والحافلة تمضي ببطء كأنها تجرّ نفسها فوق الطريق.
جلسنا متلاصقين، غرباء تجمعنا رائحة الغبار والتعب.
بدأ الحديث عادياً… عن الطريق، عن العمل، عن الغلاء. لكن سرعان ما انزلق إلى مكان آخر.
قال أحدهم بنبرة حادة: “هؤلاء لا يستحقون العيش هنا.”
ساد صمت ثقيل.
شعرت أن الهواء أصبح أضيق.
نظرت إليه، لم يكن غاضباً… بل مقتنعاً.
وهنا كانت المشكلة.
تدخلت…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

حِرْصُ الغرب على ترجمة أعمال الروائية اللبنانية حنان الشيخ ( وُلدت 1945 ) قد يبدو للبعض مؤشِّرًا على الاعتراف بالقيمة الأدبية،أو الثقل الثقافي للرواية العربية المعاصرة.لكنَّ الوقوف عند هذا الحِرص يكشف طبقات أعمق من الدوافع ، تتراوح بين الفضول الغربي نحو ” المرأة العربية المقموعة المُضْطَهَدَة ” ،…

أ. د. قاسم المندلاوي

اهتمّ الكورد منذ قديم الزمان بتربية الخيول وإتقان مهارات ركوبها وألعاب الفروسية، ويُعدّون من أوائل الأقوام الذين استخدموا الخيل في الأنشطة القتالية والرياضية. وقد ساعدتهم طبيعة كوردستان المتنوعة — من جبال شاهقة وسهول ووديان وغابات وأراضٍ زراعية خصبة — إضافة إلى مناخها المتقلب بين البرد القارس والحر المعتدل، على بناء…

صدرت حديثا عن دار الزمان للطباعة والنشر المجموعة المسرحية الجديدة للكاتب المسرحي الكردي أحمد إسماعيل إسماعيل، والتي تحمل عنوان “صرخة الطاووس”، في 139 صفحة، وتضم خمسة نصوص مونودرامية تعكس تجارب إنسانية وفكرية عميقة.

وتتضمن المجموعة النصوص التالية:

“الكابوس”: يتناول حلم كاتب متمرد يتحول إلى كابوس، تختلط فيه الحدود بين الواقع والخيال.
“خَجي”: نص مستوحى…