من أوراق «العصفور الدوري»، قصص قصيرة جداً

إبراهيم محمود

تحذير
حذّرت العصفورة الأم فراخها، قبل خروجها النهائي من عشها قائلة:
– هل تعرفين من هو العدو الأكبر لك؟
تمسحت فراخها بها، وهي بمناقيرها الطريَّة، تردُّ عليها:
– وكيف لنا أن نعرف، ولم نر العالم بعد ؟
ضمتها إلى صدرها الدافىء، وقالت:
أمثال هذا الذي بنينا عشاً في سقف بيته، ربما في أي لحظة يتلف العش، ويقضي علينا.
إنه لا يكتفي بقتل أبناء جنسه، إنما الكائنات الأخرى. ولهذا ينجب الكثير ليدفع بهم إلى الموت.
وهو الفرق بيننا. ما ننجبه للحياة، وما ينجبه غالباً: ليموتوا أو ليقضي عليهم هو نفسه .
***
فزع
في طيرانه التجريبي الأول، أخبر العصفور الصغير عما رآه وهو فزِع:
لقد رأيت جسماً، لا أعرف ما، لكن رأسه أكبر مني. هل سنكبر لنصبح مثله ؟
ردت العصفورة الأم:
هو هكذا، طائر كبير في خلقته، ونحن طيور بأجسام صغيرة، وسنظل هكذا. احذر أن تنظر إلى أي طائر كان، وتتحسر لأنك لست مثله. تصرف بحجمك، ستعيش سعيداً .
***
التحليق إلى أعلى
رأى  العصفور طائراً يشبهه وهو أكبر منه قليلاً.
حلَّق ذلك الطائر عالياً.
أحب العصفور أن يحلّق عالياً مثله.
عالياً عالياً حلَّق الطائر.
اندفع العصفور نحو الأعلى بدوره.
نسي أنه عصفور، وأن جناحيه لا يقويان على التحليق عالياً شأنه شأنه الآخر.
انطبق جناحاه على جسمه الصغير وهوى إلى الأسفل، ورغم ذلك كان يفكّر في التحليق عالياً.
***
دودة
جلب العصفور الذكر دودة صغيرة وشهية لأنثاه العصفورة .
أدخل منقاره في ثنية منقارها معرباً عن حبه لها.
بشغف شديد تناولت أنثاه الدودة من ثنية منقاره. ومالت إليه .
دودة صغيرة كانت فاتحة علاقة حب تخللتها زقزقات نبّهت أهل المكان إليهما، وهم يتابعون بفضول شديد ورغبة لا تُخفى، تلك العلاقة بكل تفاصيلها.
***
رأي
أعلَم العصفورُ الصغير أمه، بتلك المضايقات التي يلاقيها من هؤلاء الدابين على اثنتين.
انزعجت الأم وقالت له:
ألم أخبركم بوجوب الابتعاد عنهم، خاصة حين ينحنون ليلتقطوا حجرة ليرموكم بها.
اندفع الصعقور الصغير الآخر، وهو يقول بحماس:
هكذا تعلمتُ. أن أتجنبهم حتى قبل أن ينحنوا. مخافة أن تكون حجرة ملءَ قبضة أحدهم .
***
نتف الريش وأبعَد
قال العصفور للعصفورة:
أرأيت ماذا يفعل هؤلاء الدابين على اثنتين، وهم ينتفون ريشنا أحياء ؟
ويقولون عن أنهم رحماء ؟
ضربت العصفورة منقارها بمنقاره تودداً:
وماذا تقول عنهم، وهم يحرقون بعضهم بعضاً أحياء، ويقطّعونهم أشلاء وبتلذذ ؟
تملّك رعبٌ شديد العصفور، وأنزل منقاره بين رجليه الرفيعتين .
***
ذهول
ذهلت العصفورة الأم لمرأى صغيرها الذي لم يمض على خروجه من العش الكثيرَ، وهو يقلّد صوت الحمام تارة، وصورة الدجاج تارة أخرى، وبشكل مزعج، وبالكاد يزقزق.
نبّهته بطرف جناحها، وضغطت عليه بانزعاج: 
ستدخل البلبلةَ في كل شيء. اكتف بالزقزقة طريقة للتعارف، أما إذا تصرفت هكذا، فلن تجد أحداً يقبل بك قريباً منه، ومعترفاً بك، حتى جماعتنا من عصافير الدوري .
***
تغيير المكان
عمل كل من العصفورين: الذكر والأنثى على بناء عش لهما، في أعلى شجرة بعيدة عن البيوت الآهلة بالناس.
كانا قلقين من تغيير المكان.
قال العصفور لعصفورته:
لقد بدَّل هؤلاء البيوت الطينية بالحجرية والاسمنتية. وحُرّمنا من عش آمن بعد الآن .
ردت العصفورة عليه محركة رأسه علامة الموافقة:
وأنا مثلك في خوف مما نحن فيه. ونحن مكشوفان هنا. تُرى هل نستطيع وضع بيضنا والتفقيس ورؤية فراخنا وهي تكبر وتطير بسلامة ، كما كنا هنا، ونحن شبه محميين ؟
***
العصفورية
سألت العصفورة شقيقها:
نحن الآن في محيط شجري يُسمى ” العصفورية ” ما علاقتنا بها، ومن يقيمون فيها يُعتبَرون مجانين ؟
رد شقيقها: لا بد من وجود سر. لعل الذي يأتون به إلى العصفورية، يصبح وزنه من وزن العصفور، وفي حجمه .
ردة العصفورة:
هذه عنصرية ؟
وعنصرية مقيتة، وهم دائماً يتصرفون هكذا.
***
وردة
عصفور وعصفورة رأيا اثنين متقابلين جالسين في مقعد خشبي، في العصفورية.
كلٌّ منهما يحمل وردة .شاب وشابة في مقتبل العمر، ودون حراك.
كلٌّ منهما ينظر إلى الآخر، وهو يحمل وردته .
سأل العصفور العصفورة: ماذا يفعلان ؟
ردت العصفورة: لا بد أنهما عاشقان عن بعد.  الوردة علامة. يبدأ الحب، عندما يتقدم أحدهما من الآخر، ويسهّل قلباهما ما تبقّى.
***
مأساة
سقط فرخ عصفور من عشه على الأرض.
حزن الوالدان عليه وهو يصطدم بالأرض، وينقض عليه قط ، ويمضي به .
سقطت دمعتان من عيني الأم.
احتضنها الأب بكلا جناحيه :
هكذا هي الحياة. كان علينا أن نكون أكثر يقظة. علينا أن نكون أكثر يقظة لئلا نخسر البقية .
***
تنظيم عصافيريّ
حطّت مجموعة كبيرة من العصافير على شجرة، وأثقلت على أغصابها .
أعجب المنظر أحدها. فقال:
إن عددنا كبير. لماذا لا نكوّن تنظيماً، ونتقدم لكبير الغابة بمنحنا حقوقنا، كأن تكون لنا شجرة خاصة بنا؟
سخرت منه مجموعة عصافير:
أتريد أن نكون مثل هؤلاء الذين يتقاتلون على الأرض، ويعكّرون صفونا؟ ونحن نتصرف على سجيّتنا.
قالها أحدها.
عصافير أخرى راقت لها الفكرة.
تم انتخاب أحد العصافير مسئول تنظيم لها.
سأتولى أمر التنظيم، في تسجيل الأسماء. واجتماعنا سيكون مثل اليوم والساعة بعد أسبوع .
في اليوم الموعود. تأخرت عصافير عن المجيء. سواها تأخرت أكثر، وقدَّمت حججاً. وأخرى لم تأت .
صار جدل كبير بين العصافير.
-يجب أن نوقف هذه المهزلة، ومازلنا في البداية، قبل أن نندم على مثل هذه اللحظة، ويكون الخصام قد نال منا جميعاً، كما هم هؤلاء الذين يتعقبوننا في كل مكان .
قالها أحدها.
-لنعش طبيعتنا، كما قال كبير الغابة لنا، وإلا سنحوّل كل من في الغابة إلى عدو لنا .
ردد آخر.
وعلى هذه اتفقت العصافير وهي تتفرق وتطير كعصافير من قبل.
***
فنان
عصفوران متقدمان في العمر، أبصرا شاباً وهو أسفل الشجرة، ويحمل شيئاً في يده ، ويناوب بين النظر إليهما والنظر في الذي في يده .
نبّه أحدهما الآخر إلى ما يجري .
دقق الآخر في الجاري:
-إنه رسام. وأرى صورتينا في صفحته .
رد نظيره: 
وهل يكفي رسمه لنا؟ 
أجاب الآخر:
إذا أراد أن يعطينا قيمة عصفورية كما نحن. عليه أن يرسمنا كعصافير، ويبث فينا روحاً كما نحن، وليس كما يريد .
علّق الآخر:
سيكون ذلك صعباً جداً. إلا إذا كان يملك بين جنبيه روح فنان، دونها سيكون مجرد رسام !

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…