أيُّ كُردي كان جكرخوين ؟

ابراهيم محمود
ما أكثر ما يتردد ويُقرَأ عن أن جكرخوين “1903-1984 “، كان شاعر القومية الكردية. لكن تصفُّح الكثير من قصائده، وحتى عناوين فرعية في مذكراته ” المختزلة “، يظهِر أنه لم يكن كذلك، حيث ينبري أقرب إلى الطبقية بمفهومها الشيوعي، وليس الكردية بمفهومها القومي، فهو الناقم على الآغوية ومرادفاتها، والتابع لها حزبياً، ولم يستطع رأب هذا الصدع حتى آخر نفَس في حياته، فأدناه بؤس تدبير، وأعلاه بؤس تفكير.
وما أكثر ما يتردد ويقرَأ عن أن جكرخوين هذا، كان شاعراً شعبياً، لكن تصفحاً لشعره، يعلِمنا أنه في الكثير من قصائده كان يائساً ممن يحيطون به، على طريقة ” وأسمِعتْ كلماتي من به صمم “، وليس لغزاً، إذا أكدنا على أن ” صمم ” الواقع ومن يسوس الواقع ممن يحتك بهم، يفسّر ذلك، فكان يزاوج بين التوجه القومي ليثبت كرديته بالجملة، والطبقية، ليثبت جهة في كرديته لعجزه الزائد عن قواه الحيَّة عن التواصل في الحالة هذه، وهو صدع آخر لم يفلح في ” معالجته ” حتى آخر نفس في حياته.
وما أكثر ما يتردد ويقرَأ عن أن جكرخوين كان صراطياً: مقداماً، لا يعرف التراجع، لكن تصفحاً في قصائده ومقارنتها بعضهاً بالبعض الآخر، وفي بنية مذكراته ” المختزلة “، يظهر، أن أولي الحزبية ممّن ضيّقوا عليه الخناق حياتياً، صرَّفوا ” صراطه ” العقائدي مع المختلفين عنهم، وأبقوه في وضعية المحروم من الكثير مما كان يمتلكه ” رفاقه الكبار “، وراكموا كبتاً من نوع خاص في دخيلته لم يبرأ منه أبداً.
شاعرنا الكردي الكبير: لو أردنا التوقف عنده من منظور نقدي، ولغوي، وتاريخي، لا نجد فيه ما يعتَد به بالمفهوم العلمي. إن خرّيج الكتاتيب، والألفباء الشيوعية وتأطيراتها، ما كان له أن يكون إلا ما كانه، وما يعتبَر من قبيل النقد والتاريخ، له طابع تأريخي، وليس أن يشكل مرجعاً يعوَّل عليه، وقول كهذا ليس انتقاصاً من قامة جكرخوين، أو مآثر ذاتية تشير إليه، إنما هو الاحتكام إلى منطق التاريخ والمعرفة وما هو متحول، على العكس تماماً، مما يشدّد عليه ” عتاقجية ” التنظيرات الحزبية ومقوّمي العولمة بمبدأ ” الحجرات “.
ما أكثر ما يتردد ويقرَأ عن أن جكرخوين كان منسجماً مع نفسه ومع العالم من حوله، وواقع الحال، أنه في مسيرته الحياتية عانى الأمرّين: الحرمان الذي أسهم فيه من أرادوه شاعرهم وليس شاعر الكرد، وهم يعيشون ” خصاء نفسياً” والتمزّق بين أن ينطلق بلسان شعب كامل ” ولدينا كم وافر من قصائده في ذلك “، وأن يجد آذاناً صاغية فعلية تتجاوب معه، وهو ما لم يتم.
لقد كان في الكثير من الحالات، حالَ تمزقات شعبه، والذين تقاسموه ممن اختلفوا فيما بينهم، وآذوه، ولولا بضع سنوات عاشها في المتبقي المضعضع من عمر نفد جلُّه، في عالم ” العيون الزرق”: السويد تحديداً، حيث اكتشف الكثير مما كان يفتقده في مذاقات كثيرة، وقد ذاق طعم التحرر من وصايات كردية، زمناً محدوداً، لم يسعفه لأن ينقلب على ما كان يعرَف به، أو حتى الانتصار على خوفه ذاك الذي يشده إلى الذين أحالوا دون خروجه، ليبقى ناطقاً بآلام شعبه، كي يحتفوا به لا به، في ظل انتهازية هذا التصرف، ولقد مات منتصراً ” هناك ” لكن سعادته لم تدم في موته، إذ جيء به إلى  الأرض التي عانى عليها المر، حيث ما كان الأمس يستبد باليوم، ليموت الموتَ، ويكابد الموت/ نظير فاقة عمر مديد، الموت الذي يريده من تابعوه وقد أبصر عالماً ما كانوا يريدون له ذلك، وليستمر في الموت الذي يعزّز موقع ” رفاقه ” النشامى، والكرد البسطاء في الثقافة، إذ يحاولون إثباته فيه، ليكون شاعراً على مقاسهم ومداسهم و..كاسهم.
فأي كردي كان جكرخوين ؟ سؤال  مفتوح، موجَّه لمن لا ينغلقون على أنفسهم، حتى لو كانوا أقرب أقرب المقربين إليه !
دهوك، 17- 2 – 2017
 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

الشَّاعِرُ عِصْمَتُ شَاهِينِ الدُّوسَكِي

أَحْبَتُكَ كَأَنِّي مُرَاهِقٌ
أَبْحَثُ فِي كُلِّ الْمَنَاطِقِ
فِي كُلِّ مُنْعَطَفٍ أَتَأَمَّلُ
لَعَلِّي أَجِدُ طَيْفَكَ الْعَاشِقَ
****
صَمْتُكَ يُلْهِبُ الْجِرَاحَ
تَنْثُرُ كَأْسَ الْأَفْرَاحِ
اللَّيْلُ غَدَا بِلَا قَمَرٍ
شهْدُ الشَّوْقِ فَوَاحٌ
***
مِنْكَ يَعُودُ اتِّزَانِي
أَنْثُرُ حُرُوفَ أَحْزَاني
نَعَمْ أُحِبُّكَ وَلَا عَجَبَ
الْقَلْبُ مَكَانُكَ لَا مَكَانِي
***
أَنَا رَشَفْتُ مِنْ الْهَوَى
كَأْسَ شَفَتَيْكَ أَحْلَى
أحْيَا فِيهِمَا أَتَجَلَّى
أَنَا السَّماءُ وَأَنْتَ السَّرى
***
أَهْرُبُ مِنْكَ دُونَ تَلَاقٍ
أَحْفَظُ قَلْبِي بَيْنَ الْعُشَّاقِ
كَأَنَّكَ مَيْسُورٌ بَيْنَ النَّاسِ
تَرْمِي الْقُلُوبَ بِنَارِ…

ماهين شيخاني

كان الصباح ثقيلاً، والحافلة تمضي ببطء كأنها تجرّ نفسها فوق الطريق.
جلسنا متلاصقين، غرباء تجمعنا رائحة الغبار والتعب.
بدأ الحديث عادياً… عن الطريق، عن العمل، عن الغلاء. لكن سرعان ما انزلق إلى مكان آخر.
قال أحدهم بنبرة حادة: “هؤلاء لا يستحقون العيش هنا.”
ساد صمت ثقيل.
شعرت أن الهواء أصبح أضيق.
نظرت إليه، لم يكن غاضباً… بل مقتنعاً.
وهنا كانت المشكلة.
تدخلت…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

حِرْصُ الغرب على ترجمة أعمال الروائية اللبنانية حنان الشيخ ( وُلدت 1945 ) قد يبدو للبعض مؤشِّرًا على الاعتراف بالقيمة الأدبية،أو الثقل الثقافي للرواية العربية المعاصرة.لكنَّ الوقوف عند هذا الحِرص يكشف طبقات أعمق من الدوافع ، تتراوح بين الفضول الغربي نحو ” المرأة العربية المقموعة المُضْطَهَدَة ” ،…

أ. د. قاسم المندلاوي

اهتمّ الكورد منذ قديم الزمان بتربية الخيول وإتقان مهارات ركوبها وألعاب الفروسية، ويُعدّون من أوائل الأقوام الذين استخدموا الخيل في الأنشطة القتالية والرياضية. وقد ساعدتهم طبيعة كوردستان المتنوعة — من جبال شاهقة وسهول ووديان وغابات وأراضٍ زراعية خصبة — إضافة إلى مناخها المتقلب بين البرد القارس والحر المعتدل، على بناء…