(سلالة العجاج) سردية الجزيرة بلسانِ البدوي

* عمران علي
أقرأ (سلالة العجاج) حسبما يحلو لي كقارئ، وسأصفها بسردية البدو أو الجزيرة عموما، لأني أحدٌ يقتربُ من سارد الحكاية كثيراً نديماً وصديقاً قديماً، بعيداً عن التحليل والنقد-كوني لست أهلاً لهما- بل مأخوذاً بالدهشة حيناً وبالوجع آحايين أخرى سيما وأن المطرود يحاول جاهداً طردنا من هالة النعيم الذي نتوهم بأنّا أهلوها، يهدرنا مثلما هدار وسم البدو وترف الراسية بخاصرتها على وسائد الخشية محاولاً أن يوطّدَ فينا شغب دمهما المراق على حواف أفواهنا، وبثّ القلق في شعاب أجسادنا، لنكون جزءاً من حكايتهما وحكايته .
هاهو ذا مرة أخرى يمر بنا بعربة مجازه، ليحمل عنا تبعات الغبار وقيظ الانتظارات على مفارق الحنين، مستهلاً الشتاتَ بنداءات الأمكنة والتي تأبى إلا أن تنذر وتصيحَ في اغتراباتنا: أن لاتغيبوا ياغيّاب، مرة أخرى يعيدنا هذا الذي يأبى إلا أن يوسم ملامحنا ببدواته ليبتّزَ الشغف الذي نسعى إلى أوردة نسغه بكلّ طاقتهِ، فيحجب عنا خصوبة الاعتلاء.
قد أدري أو لا أدري ولربما أجزمُ بمايجوب في نفس هذا البدوي حين تتفتح قريحته، و يطيب له أن يسلك وشم الأنين حين يرتسم على حنك الحكايا مثل عقدٍ، ليحيك لها بنوله ساتان الفجيعة، متبرأ من أسماله الضيقة، وبذا ينفتح الشمال بكليته على مواطئ روحه، يرمم جرحاً فاتته مشارط النبش حينها، يرفع عن كاهله سحنة التهادي كعابر على دروب التيه والسراب الذي يشغله بين قريته وجبل شنكال/ سنجار، يشير على المارين بأن لايكفوا عن الإدلاء بمجاريفهم في حرث الحكاية وتطعيم التراب ببذور الوجع، يالهُ من منتمٍ إلى شجيراته القصيرة والعطشى!
أعرفه بكثافة الضوء في عتمةٍ شديدةٍ ، مبتلاً من أخمصه حتى الخاصرة بالعدوِ صوب النهايات ممسكاً بياقة البداية، يرجّ مخيلته ليُسقط عنها(عنوة ) الصور بالتتابع ويرصفها في كفّيه، كأن بها رزنامة يوشم بها المكان ويحيلها إلى هدير الانتماء مرةً، ومرة بالمجازفة به، حيث انتماؤه المحفوف بالغبار والشعائر، تتسلق كتفه حقيبة منفاه والمحشوة بسطوة البداوة / صبايا يسبغن على أحجار النبع خشية الكحل، ويفضين إلى صوانه وجوه عشاقهن / العواء المترامي على منحدرات الجبال، لذئاب باتت أليفة لثغاء الضحية / سرد الحرمل على صفائح النار لدرء الجسد عن أسرجة البلاء، يمشي وينزّ التراب من حقيبته، لاشوارع تكفي للململة ذرات حنينه، ولا النهر الجاف المنجز الذي يذكره في خطوه، يفي بحق الظمأ الذي يسكنه.
“ماراح ترجع ياوليدي، شوقك راح يندفن معك” هذا ماأسرت به عجوزٌ في السردية حين تناهز إلى حدسها عتمة الوجهة ودون أن ترفع عينيها عن خرقة المندل ولأكيد حدسها، فقد ضاعَ سارد حكاية هدار وحكايته في المنافي، حتى صار وطنهُ بعيداً، وبعيداً جداً.
هدار وسم البدو وترف ظلّان ناتئان في عميق الجنوب، يحذوان بحدبتيهما كل المراثي التي ثكلت بنا نحن الابناء البررة للعجز، لعجيزة الشمال المكلوم بالوفرة المنهوبة والمحالين إلى أقبية التلاشي، جنوب في شمال الشرق، لكنه جنوب موجود في كل جهاتِ الأنفسِ الحزينة والمهزومة بانتظار مايأتي، وطال انتظارهُ.
هدار وسم البدو وترف البطلان في الرواية السيرة، والبطلان في حياتنا، يادمنا المسفوك على منحدرات سنجار نحن خطايا التصويب في زناد الخرافة، عبثاً نحاول أن ننتهج وتراً لنآزر الربابة في تحييد الفكرة، الفكرة التي جاد بها في سلالة العجاجِ.
محمد المطرود في سيرته الجديدة، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، يفتحُ فوّهة الذاكرة واللغة على المكان والأشخاص الذين مكثوا طويلاً دون أن يقلقَ سكينتهم أحد بهذه الطريقة الأنيقة والموجعة في نفس الوقت، وهو كما يصرّح في حوار معهُ بأنّهُ لايقدم نفسه ناطقاً باسم البدو، بل يرتكبُ الخطأ الذي يجب، ليقول عنهم ولو القليل!
* شاعر سوري مقيم في ألمانيا

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

حيدر عمر

أغلب الحكايات الشعبية، في الآداب الشعبية للأمم والشعوب نجدها مصاغة على ألسنة الحيوان، ولها غايات تربوية توجيهية، ولعل حكايات “كليلة ودمنة” تشكِّل مثالاً بارزاَ لها، فنحن نجد فيها أسداً هو رمز أو صورة للسلطان الجائر، وثعلباً هو رمز للبطانة الفاسدة المحيطة بالسلطان الجائر، يدله على طريق السوء. ثم نجد أن كل حكاية في…

عِصْمَتْ شَاهِين الدُّوسكي

مَاذَا أَقُولُ

وَالصَّمْتُ قَوْلِيْ

لَسْتُ مِمَّنْ يُثَّرْثِرُ عَلَى الْمَنَبِرِ

أَنَا اَلَّذِي صَاغَ الْقَوْلُ لَهُ

وَتَرَاكَمَتِ الْكَلِمَاتُ فِي ثَغْرٍي

كُلُّ الْحُرُوفِ تُسَابِقُ بَعْضَهَا

لِتَخْرُجَ وَتُعْلِنَ عَنْ تَبْري

<p dir="RTL"...

صدرت حديثاً عن منشورات رامينا في لندن رواية الكاتب والفنان السوري إسماعيل الرفاعي بعنوان “نقوش على خشب الصليب” وهي عمل يضع القارئ منذ العتبة الأولى أمام مجاز كثيف ومركَّب، حيث يتحوّل الخشب إلى حامل للصلب، والنقش إلى كتابة فوق الألم، واللوحة إلى مرآة للروح.

الرواية تقدَّم على هيئة “فهرس نقوش”، في إشارات تشي بأن الفصول التي…

غريب ملا زلال

منذ أكثر من خمسين عاماً و الفنان التشكيلي محمد أمين عبدو يتنفس اللون، فمنذ عام 1975 و هو يعارك اللوحة بفاعلية مؤكدة يبقيه على الجذر الإنساني، و هذا ما يجعله يؤكد و بثقة العارف بعمران المكان بأن عمليات الإزاحة التي يقوم بها للوصول إلى نتيجة لماحة تحدد له وجهته…