اليوم العالمي للمرأة, ماذا منحَ لها؟!

نارين عمر

يُقالُ عن المرأة الكثير, يُقالُ عنها أنّها وإثرَ نضالٍ طويلٍ ومرير في خدمةِ ذاتها وخدمةِ مجتمعها استطاعتْ أن تنتزعَ بعضاً من حقوقها الطّبيعية التي منحتها إيّاها شرائعُ الطّبيعة والقانون,واستطاعتْ أن تثبتَ ذاتها في الكثير من مجالاتِ الحياةِ ككائنٍ فاعل وفعّال, بل إنّها استطاعت أن تنتزعَ الاعترافَ بها في مجالاتٍ كان محرّماً عليها دخولها أو حتى التّفكيرَ بالتّقرّبِ إليها, ويُقالُ إنّها تمكّنت من تحقيقِ العديدِ من الطّموحاتِ والآمال التي لم تكن تتخيّلُ أو تتصوّرُ أن تحقّقها في أحلامها, ولكن ألا يحقّ لنا أن نتساءلَ:
هل يُطبّقُ إنجازُ كلّ هذه الأماني والطّموحاتِ على عمومِ نساءِ الكون؟!هل استطاعت عمومُ نساءِ الأرض تحرير نفسها من أسرِ المفاهيم والتّقاليد التي أبدعتها المجتمعات بامتياز وما تزال الأجيالُ تتناقلها فيما بينها على اعتبارها كتاباً سماويّاً مقدّساً لايجوزُ المساس به أو تصحيحُ بعض غموضه؟!وإذا حاولنا أن نجري إحصائية,فما هي النّسبة المئوية التي شملتها هذه الحرّية والدّيمقراطية التي حصلت عليها؟؟ لأنّ بعض الفئات يجاهرونَ بأعلى أصواتهم أنّهم الشّعلة التي أضاءت سبيل المرأة لتساوي الرّجل في كلّ الحقوق بل ولتسابقه أحياناً.
عندما يكتبُ أحدهم عن المرأة (معاناتها, العنف الممارس ضدّها) قد يشكّكُ البعضُ فيما يقول ويؤكّدُ على أنّ ما تحقق للمرأة منذ عصر النّهضة وحتى اليوم لم يتحقق لها في أيّ عصر آخر,ولكنّهم يجهلون وربّما يتجاهلونَ أنّ هذه المنجزات لا تتمتّعُ بها إلا نِسَبٌ معيّنة من نساءِ الأرض,وتقابلها نسبٌ كبيرة من النّسوة الّلواتي يعشن عصراً أشبه بعصر المشاعةِ والبدائيةِ الأولى وما زلن يفتقدنَ إلى أبسطِ الحقوق التي يجب أن يتمتّع بها كلّ كائن حيّ بغض النّظر إلى جنسه أو مذهبه أو نوعه.
لننظر إلى نساءِ بعض بلدان العالم الثّالث وإلى نساءِ منطقة الشّرق الأوسط ,ولتكن نظرتنا شاملة وموسّعة,فلا ننظر إلى نساءِ بعض الأماكن والمناطق المتقدّمة والواعية منها بل لننظر إليها في كلّ بقعةٍ مظلمة من هاتين المنطقتين اللتين ذكرناهما ولنمنح لفكرنا وشعورنا الحرّية الكافية لالتقاطِ صورٍ حقيقيةٍ وواضحةٍ عن أوضاع المرأة وأحوالها!! لاشكّ أنّنا سنرى ونلاحظُ أموراً ومشاهداتٍ عدّةٍ ما زالت تحطّ من قيمتها وتجعلها أسيرة الإهانةِ والذلّ والحرمان, وهي مشاهداتٌ واضحة لجميع البشر ومن أهمها:
العنف الظالم الذي يُمارسُ ضدّها بكلّ فنونه وأنواعه ومسميّاته,العنف الذي تعترفُ بوجوده كلّ المنظّمات والهيئات الدّولية والمدنية والذي لا تستطيعُ أيّة دولةٍ إنكاره أو التّستّر عليه. هذا العنفُ الذي بلغ في بعض الأعوام وبحسبِ ما أوردته الهيئة العامّة للأمم المتحدة المناهضة للعنف ضدّ الإنسان والمرأة مائة في المائة100% وهذا العنف لا يتجلّى في ضربِ المرأة جسدياً بل ويطال لشمل إهانتها نفسيّاً ومعنويّاً من خلال أسرتها ومحيطها ومجال عملها ونظرةِ المجتمع إليها.
الشّكل الآخر من أشكال العنف هو الطّلاق الذي ما يزالُ السّيفَ القاطع الذي يهدّدُ عواطفها وأحاسيسها دون رحمةٍ أو رأفة,هذا الطّلاق الذي من المفترض به أن يكونَ ملاذاً آمناً لها, وخلاصاً لها من الظّروف التّعيسة التي كانت تعيشها لتفاجأ فيما بعد أنّ تلك الحياة التي كانت تعيشها كانت أفضل بكثير من الحياة التي تعيشها الآن بدءاً من أسرتها ومروراً بمحيطها ومجتمعها والمعاناة التي تحاصرها إن كانت أمّاً محرومة من تربيةِ أولادها أو حتى من رؤيتهم. تعدّد الزّوجات بدوره يلعبُ دوره السّلبيّ جدّاً بل والمدمّر كذلك في حياةِ المرأة وفي استقرارها الشّخصيّ والاجتماعي والأسري,وبعض عاداتِ الزّواج السّيئة التي تتبعها بعض المجتمعات بحقّ الفتاة كأن يزوّجوها وهي طفلة لم تبلغ الثانية أو الثالثة عشرة من العمر فتصبح أمّاً ومسؤولة عن أطفال وهي طفلة بحاجة إلى رعايةٍ وعناية, وإجبارها على إنجابِ عددٍ كبير من الأولاد لايهمّهم إن كان هؤلاء الأولاد سينالون الرّعاية المادية والمعنويّة الكافية أم لا ويحدثُ هذا في الأسر الفقيرة والمعدومة ماديّاً ومعيشياً لقلّة الوعي لديهم النّاتج عن انعدام الاهتمام بهم وبأحوالهم, والأسوأ في هذا الأمر هو تزويج الطّفلة بشابٍ يكبرها بسنواتٍ طويلةٍ أو برجل متزوّجٍ ومزواج بحجةِ تخفيف عبء العائلة المادي والمعيشيّ فتعيشَ هذه الفتاة في ظروفٍ تعيسةٍ بعيدةٍ كلّ البعدِ عن الشّروط الإنسانية الواجب توافرها لكلّ كائنٍ حيّ ينبضُ بالحياةِ والحركة.
نعترفُ أنّنا نعيشُ في عصرٍ ذكوريّ بامتياز ولكنّنا لا نعترفُ بالتّغيّرات التي تطرأ على دوران الحياةِ والأرض, والتطوّرات التي تنشأ عن امتزاج البشر وتواصلهم الفكريّ والحضاريّ والرّوحي وعن تحقيقهم لإبداعاتٍ أشبه بالمعجزات,ولا نعترفُ بكلّ البراهين والأدلة العلميةِ والنّفسيّةِ والفيزيولوجية التي تبرهنُ على تساوي الحياة بين الذكر والأنثى من حيثُ العقل والوعي والإدراكِ والمشاعر, وأنّ المرأة إذا أتيحت لها الفرص الملائمة والموائمة قادرة على صنع ما يصنعه الرّجل وربّما تفوقه في الكثير من المجالاتِ والمواقف, أَوَلا يكفيها صنعاً وإبداعاً أنّ الإنسان الذي يشكّلُ الخليّة الأولى في منظومةِ البشريةِ يتشكّلُ في رحمها الذي يعدّ الجزء الهامّ في جسدها, ويتغذى بحنان روحها وودادِ قلبها؟! ألا يكفيها فخراً أنّها ترضعه مع حليبها حبّ الحياة والأمل وعشق الآخر واحترامه وحفظِ كرامته وصون سرّه؟! ألا يكفيها قدْراً وصيانة أنّها تشكّلُ نصف المجتمع الذي لا يمكنُ بأيّ حال الاستغناءَ عنه؟!
نتمنّى ألا يتحوّل الاحتفال بالمرأة في هذا اليوم أو غيره إلى مجرّد روتين مفروض على المجتمع أو شكلاً من أشكال النّفاق والتّظاهر بالتطوّر والتقدّم.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا

” يسعدني ان اهدي كتابي لمن يقرأ أعماق الكلمات ومابين السطور كما احسه في قلبي ، إلى الصديق الغالي الأستاذ نصر محمد مع المحبة ”

بهذه الكلمات أهدتني الصديقة الشاعرة ريما فاضل محفوض ابنة السلمية هذا الديوان عندما التقيت بها وزوجها الدكتور عبدالعزيز غيبور وابنتهم ريتا في مدينة فانا آيكل الألمانية ، وكان…

فواز عبدي

انتهيت قبل عدة أيام من ترجمة مونودراما “خجي” إلى الكردية؛ اللغة التي نطق بها سيامند وخجي، ولأن المونودراما قدمت رؤية جديدة للملحمة الشعبية، ولأن الكاتب نظر إلى الحكاية من زاوية مختلفة، أحببت أن أقدم هذه القراءة محاولاً الوقوف على بعض الدلالات التي يفتحها النص.

تدخل مونودراما “خجي” (وهي نص من خمسة نصوص مونودرامية في كتاب…

المختار علم الدين بن رزوقة

يتنازع النقد الأدبي المعاصر طموحُ التحرر من التبعية للمفاهيم الغربية ورغبةُ التأصيل لخصوصية التراث العربي والإسلامي؛ وفي هذا الفضاء السجالي، يبرز مصطلح “الفنتازيا الإسلامية” الذي طرحه الكاتب والناقد الفلسطيني فراس حج محمد بوصفه محاولة شجاعة لتحقيق “السيادة السردية” واستثمار الميتافيزيقيا الغيبية في البناء التخييلي، إلا أن هذا الجمع بين مرجعيتين تتجاذبان…

أفين بوزان

يؤرّقني الشتاءُ .. لأنني
كلما فتحتُ نافذةَ المساءِ
رأيتُ غيابكَ عارياً تحت المطر
وكان قلبي معطفاً مثقوباً
لا يردُّ عن جسدي بردَ الذكرى
ولا يخبّئ ارتجافَ العمر.

أمرُّ على الزجاج
فيلحقني ضبابُكَ ..
كأن يدكَ القديمةَ ما تزالُ
تفتّشُ عن اسمي
في الجهاتِ المبللة
وأكادُ أكتبُكَ…
لكنني أخشى
أن يعودَ الحبرُ إليَّ
على هيئةِ امرأةٍ قاتلة.

يا غائباً تركَ المعاطفَ للريح
والشوارعَ لخطانا
والليلَ لي وحدي
ماذا أفعلُ بالطرقاتِ
التي حفظتْ خطاكَ
ولم تحفظْ…