لقمان ديركي في ( لا غبار عليك ):سرد الأحاسيس الشخصية

  إبراهيم حسو

يواصل لقمان ديركي سيرته الشعرية مع الأنثى في كتابه الجديد (لا غبار عليك)عن« دار ممدوح عدوان» في رحلة هي أشبه بمغامرات شاعر عاشق أدمن قصص الحب و الفراق و الكره و ما شابه.

سيرة شعرية ذات خصوصية شديدة، تبدأ بالتوصيفات الجسمية للأنثى و تنتهي بمناجاة و مناداة العالم ليكون شاهدا على الحب و مشاركا في تنقيح مساره و قد تتخلله نرجسية الشاعر العارمة، أنثى الشاعر هي تلك التي تشاطره نجاحه و فشله، نزقه و عنفوانه، بساطته و نرجسيته، شاعريته و حنقه، خلاصة حياة مقسمة بين مناداة الأنثى و التقرب منها و بين رفضه لها و الابتعاد عنها، يحبها و يكرهها بنفس ذلك القلب الذي لا يأنس أبدا من الإلحاح و الاستفهام إذا برحت أو حضرت، إذا انتظرته على الباب أو انتظرها على النافذة كي تمر و تلقي بظلالها على زهرية موضوعة على الشرفة:
كل يوم

 

‏
و أنا اصعد الدرج ‏
أجدك لاهثة تنتظرينني أمام الباب ‏
بعينيك السوداوين حينا و الزرقاوين حينا آخر ‏
نحضر الطعام معا ‏
و تنهرينني كي آكل أكثر ‏
و في المساء أجدك بجانبي على السرير ‏
ألاعب شعرك الأسود حينا و الأشقر بعد حين ‏
و أنام مطمئنا على صدرك صباحا ‏
أجدك ما زلت بجانبي بيضاء حينا و سمراء حينا آخر ‏
‏
(لا غبار عليك ) للقمان ديركي تجاوز النص الشرعي لقصيدة النثر ، وذلك للسردية الفاضحة التي سيّرت النص من أول مقطع في الكتاب إلى آخر الصفحات« 145 صفحة»، تجاوز يتخلله برنامج منظم و مرسوم له ان يكون لقصيدة النثر التي يكتبها لقمان أكثر من منحى و مسار و تكون لها القدرة في قيادة نص يتحكم فيه الانسلال( الصوري ) الذي في الأخير يجرف كل التعاريف و التصانيف لهذه القصيدة : ‏
‏
«هو يشتاق إليك ‏
يترك الدنيا من اجل أن يراك ‏
يقطع إجازاته ‏
أما أنا… ‏
فلا أشتاق إليك ‏
لأنك في كل اللحظات ‏
حتى لو كنت معه.. معي ». ‏
يأتي اغلب نصوص لقمان الصغيرة جدا ( جملة أو أقل من جملة) على شكل مواضيع شخصية مؤرشفة على شكل مذكرات أو تدوين تجربة ذات حساسية مركبة تبدأ بالحب و الكره و الحضور و الغياب، الألم و السعادة، البعد و اللقاء، الدوام و التهلكة .. وهي مواضيع تتكاتف على شكل رسائل قصيرة جدا تتوجه إلى الأنثى تعاتبها حينا و تقاضيها حينا آخر: ‏
(لم اقصد النظر إليك ‏
كنت ارفع رأسي فقط. ) ‏
( تمرين أمامنا فنبتسم) ‏
( دونك لا استطيع أن أبقى) ‏
( أنت تنسين دائما، لذلك ارتكب بحقك كل الأخطاء) ‏
( لاغبار عليك) ‏
‏
لغة لقمان في ( لا غبار عليك) بسيطة جدا هادئة و مسترخية تصل إلى حد الكسل و التململ، و أحيانا تصل اللغة بمفرداتها إلى العادي جدا و المرتجل الذي لا تجد فيه حتى ( جملة مفيدة ) و أحيانا ترتفع اللغة في مكان ما إلى العمق عبر توغلاته بسرد الأحاسيس الشخصية و بكائيات قد تصل إلى حد الانتحار والزوال: ‏
«قبل أن امضي واتتني فكرة ‏
خفت أن أنساها ‏
و كنت بلا أوراق ‏
فكتبتها ‏
على كفي اليسرى ‏
احبك». ‏
و المعروف عن لقمان انه يسّمي الأشياء بأسمائها مستفيدا من ملفات تعبيرية حسية أخرى كالسينما في تتالي صورها و المسرح في تعاقب شخصياته و التشكيل في تضارب ألوانه ، مستفيدا من سيرته الذاتية و اختزال هذه التجربة باليوميات و التفاصيل المهملة لحياته المكركبة . ‏
فهو لا يأبه بالترف البلاغي و الرؤيوية الحالمة ، يحتج على الإيماءات المغموزة التي تثقل المغزى و تسطحه أو توهمه في ظاهره و ماورائيته، كتابة لقمان مفتوحة على كل المعاني، حتى تلك التي يقصدها أو يتقصدها، المعمولة من هذر الكلام و شوائبه ، كتابة لقمان تكشف المعنى لحظة قراءته و تعريه من هيبته و هيلمانه ، لتصير شعرية الكلام هي التي تعطي المعنى فضاءه و خيلاءه أرحب، صوته و صورته و تصير اللغة هي التي تعدد المعاني، ترفعها و تخفضها ، تولدها و تنسل منها الكلام الشعري ، بنفس ذلك العمق و ذلك الخفاء ، كتابة لا تبتكر إلا ما هو منبلج على سطحها ، على هامشها (الغامض)، مفتوحة على آخرها كوجه البحر ، تنتظر الضوء من كل ما تراها تحت الشمس ، تسرد لحظيتها و آنيتها دون ان تمرّغ لغتها بأسئلة أو محاكمة أو عقل يسأل و لا يكف عن السؤال ، فهي بقدر ما هي بسيطة و متوترة ، فهي متحركة في كل الاتجاهات بسهولة( الواقعي المحكي) المحيط بها ، بيقظة العناصر و الأشياء و الأشخاص التي تكون كيانها و أسئلتها الأبدية.
——-

صحيفة تشرين-    ملف الاسبوع الثقافي   -السبت 20 ايلول 2008
‏

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليست المشكلة في الأعمال الكبيرة أنها كبيرة، ولا في المشاريع الطويلة أنها استغرقتْ سنوات من صاحبها، وإنما المشكلة تبدأ حين تتحول ضخامة العمل إلى حُجَّة ضمنية على صحته، ويصبح اتساع المادة بديلًا عن صرامة السؤال، وتصير كثرة الصفحات بديلًا عن قوة البرهنة.

من هذه الزاوية تحديدًا ينبغي أن…

عامر عثمان ” إيفان “

لَنْ تَكُونَ المَدِينَةُ فَاضِلَة

وَلَنْ يُرَتَّبَ الزَّمَنُ حَيْثُ نَكُون

أَضْحَتْ كُلُّ الوجُوهِ رسُومَاً دُونَ تَفَاصِيل

أَمَا آنَ للموَازين أَنْ تَرَتِّبَ العَدَالَة العَاقِر ؟

فَلا كِيميَاء كَمَا نَقَاء إِيمَان السَّمَاء

العِلْويّ الرَّزين

أَبَدَاً . . .

لا كِيميَاء . . .

 

عبد الستار نورعلي
في الليلِ
ناداني الكتابُ
وفتَّحَ الأبواب، قالَ:
“هيتَ لكْ”!
أسرعْتُ..
ملهوفاً إليهِ،
دخلْتُ فصلاً….
بعدَ فصلٍ….
بعدَ فصلٍ….
بعد…..
لم أجدْ..
،”فصلَ الخطابِ”؛
حتى أضعْتُ
وفي غيابي
بينَ طيَّاتِ الحسابِ
رقمَ السُّؤالِ،
رقم الجوابِ،
لكنَّ “مصباحَ ديوجينوسَ”
أهداني القرارَ،
وسلَّمَ
عنْ طيبِ خاطرِهِ
مفاتيحَ الجوابِ،
فنمْتُ….
والأبوابُ مُشرعَةٌ،
وفي أيدي الليالي..
كانَ رأسي (جَرَّةً)،
تسكبُ ماءَ العينِ
في كؤوسِ جُلَّاسي:
منَ الأقلامِ
والأوراقِ
والكلماتِ
عشّاقِ الشَّرابِ….

(الخميس 30 نيسان 2026)

صدر للروائي والناقد هيثم حسين كتاب جديد بعنوان «أثر الرواية»، عن منشورات رامينا في لندن، وهو كتاب نقدي وتأملي يتناول فن الرواية من داخل تجربة الكتابة نفسها، ويتتبع مجموعة من الأسئلة المتصلة بالسرد والخيال والذاكرة والشخصيات والحبكة والعنوان والغلاف، وصولاً إلى علاقة الرواية بالفلسفة والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.

يتحرّك الكتاب في منطقة التماس بين السرد…