صبري رسـولكثيراً ما نسمع بوجود أو ظهور (كروب) ثقافي في مدينة معينة ، لكن دون أن نرى بأنَّ هذا الكروب قد رسم لنفسه برنامجاً ثقافياً معيناً ، يسعى إلى تحقيقه ولو بخطوات متواضعة ؛ أستثني من هذه الأسماء بعضاً منها ، تلك التي تعمل بهدوء ودون أنْ تثير حولها زوبعة كلامية (كمكتبة جارجرا ، وكوميتا نوبهار ، وجلادت بدرخان ،….إلخ) وسأقف عند واحدٍ من هذه الأسماء في سياق هذا الحديث. وهذا لا يعني بأنّ هذه الأسماء المستثنية ، لها نضوجٌ ووضوحٌ في الأهداف والوسائل ، بل هي الأخرى تحتاج إلى كثيرٍ من العمل ، وإلى كثيرٍ من العزم والإرادة ، وإلى كثيرٍ من الوقت ، وإلى كثيرٍ من الكوادر والأقلام التي لها شخصيتها المختلفة والمتميّزة.
نعرفُ أنَّ كلّ الأعمال العظيمة التي نعيشها في عالمنا التقني المتطور كانت أفكاراً بسيطة وخجولة في وقتٍ ما ، بل يمكن القول أنها كانت عبارة عن هواجس طوباوية ، وأفكاراً خيالية ، قد يكون تطبيقها ضرباً من الوهم في نظر أصحابها أنفسهم ، وهكذا كلّ النظريات التي أسهمِتْ في تطور العلوم والحياة كانت كذلك ، لكنها تحولت إلى واقع ملموس نتيجة إيمان أصحابها بها ، و توفر الإرادة القوية لديهم ، ليترجموها إلى واقعٍ ماديٍّ ملموس. فليس عيباً وفق هذا المقياس أنْ يبدأ المرء بخطوة شبيهة بهذه الكروبات ، فخطوة صغيرة واحدة خيرٌ من اللعنة على الجمود ، وعلى الوقوف في المكان جامداً حائراً ؛ لكن السؤال الذي يطرح نفسه : يا ترى هل أصحاب هذه الكروبات لديهم برامج ثقافية ، وإرادة تمكّنهم من القيام بتلك الخطوة الكسيحة ؟ أمّ أنَّ الأمر يندرج في إطار ما يشبه (موضة) ثقافية ؟ فإذا كان الغاية التي أُنشِئَتْ من أجلها الكروبات الثقافية هي الاشتغال بالشأن الثقافي ، وتحريك الحالة الثقافية الراكدة للتفاعل مع الحياة ، فلِمَ نسمع (الجعجعة) ولا نرى الطحين ؟ هل تمتلك هذه الكروبات برامج – ولو بسيطة ومتواضعة – كتابية تهتدي بها في نشاطاتها ؟ ثمَّ وضعت نصب أعينها لتحقيق شيءٍ منها خلال زمنٍ محدّدٍ ؟؟
أعتقد أنَّ التناسل غير الصّحي لهذه الكروبات سينتج أسماء وجماعات ثقافية دون إنتاج ثقافي أو معرفي ، للأسباب التالية :
1 – أنَّ هذه الكروبات ليس لديها برامج ثقافية واضحة ومحدّدة ، أصرُّ على كلمة (محدّدة) ، فلو تخصّص كروبٌ ما بجمع الفلوكلور الشفاهي على سبيل المثال ، كالأغاني والحكايات وغير ذلك بما يدخل في إطار فلوكلوري ، لكان قد أنتج شيئاً ما.
أو أعلنَ كروبٌ ما بأنه سيصدر مجلة خاصة بأمر معين ، وغير ذلك من البرامج والأهداف ، لأنّ نجاح أيّ مشروع في الحياة هو تحديد البرنامج ، ثمّ وضع الخطة التي ستحقّق ذلك الهدف ، ثم الإصرار والسير في الطريق حتى النهاية .
2 – إنَّ هذه الكروبات الثقافية تفتقر إلى الأقلام الجادة التي لها حضورها على الساحة الثقافية ، وما تنتجه بعض الأقلام المنتمية إليها من مواد ثقافية ، عبارة عن أفكار مكررة ، واجترار ثقافي بائس ، لا يرتقي إنتاجها إلى المستوى الإبداعي ؛ يعني هذا أنَّ الكروب الثقافي لا ينتج ثقافة بدون مثقّفٍ يكونُ مصدرَ إبداعها.
3 – يبدو أنَّ مرض الأحزاب السياسية قد انتقل عدواه إلى تلك الكروبات ، حيث بدأ عليها اللون الشللي ، وبات الانقسام فيها سيّداً لا يمكن مقاومته ، وكلُّ خوفي أن تتحول الكروبات الثقافية إلى كروبات عائلية في يومٍ من الأيام . هذا الأمر يثير القلق ، فما المبرر من التقسيم الكروبي ؟ وما مستوى المثقف (الفطحل) الذي يعلن كروبه من اللاشيء ؟







التعليقات (0)