أرشيف مزارع … المستحقات رغيف خبز

  إبراهيم بهلوي

لعل ما نراه اليوم اقرب إلى المستحيل ! كيف تتحول نبض الحياة في سوريا إلى منطقة مروعة للاجتياح الجوعي الساري المفعول في هذه الأيام,في أكثر الإخبار المتناقلة على طيات المواقع الالكترونية المهتمة تتأرجح عداد القارئين لموضوع الغلاء وارتفاع الأسعار للمواد الأساسية في سوريا أوجه, ويتجه المنحى الأخر إلى الاستغراب , من حيث المقارنة الفعلية بين ما يتقاضاه المواطن من مرتب , وبين ما يحتاجه لاستمرار حياته اليومية.
ربما القدر منعت هذه السنة أيضا الجزيرة من الإمطار, كغيرها من السنوات التي مرت , ولكن ليست لها أية علاقة بارتفاع الهائل للمواد الأساسية , فهي ترتبط بخطط ما تتبناه الدولة من اجل القضاء على –الجوع – هنا أصبحت الدالة معكوسة , حيث دالتها العظمى تتجه إلى التجويع , وتتعاظم الربحية في نهاية كارثية, دون رادع لذلك , الخوف يزداد كل يوم , وله أثره المثل الشعبي ( الجوع كافر ), إذا انقطعت من الطعام لا شيء يمنعني من القتل والسلب , هذا إن لم تحدث بعد , والقرارات تصدر بشكل استثنائي من اجل تفعيل هذه الأزمة , مناطق الجزيرة ( قامشلي , رأس العين , عامودا , المالكية , وغيرها …) لها حصة الأسد , القرار الأخير والتي أصدرته وزارة التموين من اجل تقليل حصة مالكي الأفران من  دقيق القمح , الذي أدى بدوره إلى ارتفاع سعر ربطة الخبز للدبل وأكثر , والى حدوث مشاكل أخرى له علاقة عميقة بارتفاع سعر رغيف الخبز, فالحالة ستزداد سوءا وسوف يتجه الخط البياني إلى أعلى ذروة له مسجلاً وضع جنوب السودان ليس الآن وإنما قبل عشرات السنين, حين كان التبرع لصالح الأطفال في السودان الشقيق بـ (1) ل س ليرة سورية واحدة فقط لا غير, والوضع اللبناني أبان الأحداث ومسيرة الجوع التي اجتاحتها , وغيرها الكثير من الدول التي تلقت المساعدة من الوطن السوري,- لا نعلم إن وصلت تلك المساعدات أم لا, فهي ترتبط بالحالة الإنسانية في أفئدة من قاموا بلملمة الخيرات من الشعب السوري, والموقف لا يحتاج إلى خدش الالتماس الإنساني من قبل الفرد المتبرع طبعاً من ذات نفسه أو _مجبراً_, واغلب هذه التبرعات كانت من الفئة القمحية المزودة بها الجزيرة السورية حيث كانت تتحول (كيس القمح) إلى نقدية صرفة بحجة الدعم لكارثة إنسانية لمنطقة أو بلد معين (1), إذا وسيلة الدفع كانت لدى المزارع هي القمح أو نوعا آخر من الحبوب التي تمتاز بها محافظة الجزيرة السورية , أما الآن فنرى أبنائها ومزارعيها , قد قلت حصتهم من ما زرعتها أيديهم , ليتبادلوا أحاديثهم اليومية أمام المخابز والأفران الأهلية متقاسمين هم الحصول على رغيف الخبز ووسيلة الحصول عليه قبل نفاذها من المخابز, أما كيفية العودة إلى البيت دون الغذاء اليومي فلنتركها للفئة التي حرمت منها ولو لساعات, علهم يتركون أثرًا أكثر من كتاباتنا هذه.
نعود ونستذكر بان استمرارية حالة النقص من دقيق القمح والصالح لرغيف الخبز من المخابز في محافظة الجزيرة ستقود المنطقة إلى حالة اشد فتكا من الجوع نفسه إن لم تكن هناك أهداف قصيرة الأجل لحلها من قبل السلطات المعنية في منطقة الجزيرة , أو يتحول معظم كتابنا إلى شعراء يقلدون السياب في قصيدته (مطر وفي العراق جوع مطر…) وتكون القصيدة على معناها فقط بمبادلة العراق بالجزيرة ليتم المعنى ويدل على سوء و ازدراء الوضع وتفاقمه,أو ننتظر الأخوة والأشقاء الذين تلقوا المساعدة من إخوانهم في سوريا , هذا أن وصلتهم المساعدات في تلك الأيام ,لننتظر مستحقات الفول إذا كانت أمورهم ميسرة ليتحول أمام أعين الأطفال في الجزيرة السورية إلى رغيف خبز تشتهيه نفوسهم البريئة.
—–
(1).من مذكرات مزارع في محافظة الجزيرة السورية

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…