ما أشبه تلك المجتمعات التي تسودها ثقافة الأنا بالغابة بكل ما فيها من عشوائية وفرض الأنا والذات المستبدة , فالحوار كان ولازال الوسيلة الأولى والأنجع لتفاهم الإنسان مع أخيه الإنسان وعندما تغيب هذه الوسيلة تنتهي الإنسانية بمعناها الروحي لتبدأ الحروب والإقصاء ونفي الأخر . وعندما نورد مصطلح ثقافة الأنا لابد وان نذكر مصطلح فلسفي أخر وهو ثقافة الأخر , وهذان المصطلحان متناقضان وليسا متتامان , ويمكن تبيان ذلك من خلال المتطابقات التالية :
ثقافة الأنا = ثقافة رفض الأخر
ثقافة الأخر = ثقافة رفض الأنا
1- ثقافة الأنا هي ثقافة كراهية , تهتم بتحطيم الأخر بالإضلال و الإبادة المعرفية والقتل الثقافي أكثر مما تهتم بتطور الذات وتثقيفها وتهذيبها .
2- ثقافة تكبر واستكبار , وهذه آفة ما بعدها آفة .
3- ثقافة الأنا اخطر ما فيها هي انتهاك الأخر ومحرماته الفكرية والروحية وصولا لتشهيره أحيانا لمجرد انه الأخر .
4- ثقافة حسد تتمنى زوال ما عند الأخر من إمكانيات وأفكار ومبادئ .
5- ترتبط ثقافة الأنا بإنكار أحقية الأخر في التميز والبروز وفي أن يكون أفضل مما هو عليه .
6- موقف الأنا من الأخر لا يكون عقلانيا بل عاطفيا تحكميا .
ولطالما نرى فئات كثيرة من مجتمعنا يرفع شعارات براقة مثل التحرر والوحدة والتحضر والتمدن , ولكن لا تكون تلك الشعارات سوى جمل منمقة ومانشيتات عريضة جوفاء , وذلك لأنهم ليسوا مؤهلين بعد لرفع هذه الشعارات وحمل مصير مجتمعهم وشعبهم على عاتقهم , فمن ينادي بالتحرر والوحدة لابد وان يكون مشبعا بثقافة الأخر إلى حد الثمالة . وهذا ما نفتقده نحن كأكراد كان من المفترض بنا أن نكون سندا لشعبنا وقضيتنا ومجتمعنا .
لابد وأننا محكومون بتبعات ومخلفات الثقافة العشوائية للمجتمعات المجاورة لنا والتي تسودها ثقافة الأنا , ولكن لا ينبغي أن نسلك سلوك الشاة عندما يبدأ ذبحها , ذلك الموقف الذي لا حول فيه ولا قوة , فلابد أن نكون ثائرين على ثقافة الأنا وعلى ثقافة استلاب الآخر فكريا وحضاريا .
إن الآلية التي تربط الأنا بالأخر هي الحوار , فالحوار هي معرفة نتطلع من خلالها للحقيقة بالسؤال والبحث المشترك , فعلينا جميعا أن نختزل المسافات بين الأنا والأخر وذلك باختزال المسافات بين المحاور ومحاوريه , وردم هذه الهوة السحيقة بين طرفي هذه العملية الحضارية لتكون جسر تواصل وجسر للتنمية المنشودة .
وفي الأخير يحضرني قول للإمام أبي حنيفة – رحمه الله – “رأيي خطأ ويحتمل الصواب , ورأيك صواب يحتمل الخطأ ”
ولنعلم جميعا أن حياة الأنا ليست مرهونة بموت الأخر , بل مرهونة بحياة الأخر .

التعليقات (0)