الكيل بمكيالين . . عندما تتحكم المزاجية في الكتابة . !

بقلم : أحمد حسين

      لفت انتباهي البارحة وبالصدفة ، وأنا أتصفح بعض المواقع الإلكترونية ، عنوانآ مثيرآ :” قراءة خاطئة لتاريخ شاعر عظيم …الدكتور علاءالدين جنكو نموذجآ ” بقلم السيد إيفان محمد . وبالتحديد في موقع welateme . العنوان يوحي للوهلة الأولى بأن ثمة مادة نقدية دسمة ستساهم في سد بعض الثغرات ، وإضافة الكثير من المعلومات المفيدة على كتاب الدكتور علاءالدين عبدالرزاق جنكو المحترم ، والذي بذل جهدآ مشكورآ لإزالة الكثير من الغبن الذي تعرض له المرحوم الشاعر أحمد بالو في حياته ومماته معآ.
ولكن بعد قراءة سريعة للمقالة وجدت أن قسمآ كبيرآ من الكلام موجه إلي شخصيآ لا لعرض أفكار نقدية خلاقة أو تمحيص معلومات وأخبار لم يتأكد منها الكاتب ، فسعى لتبيان الحقيقة ولكن ” بدلآ أن يكحلها عماها” .  فكان لابد من إيراد بعض الملاحظات لالأتحدث عما قمت بها من خدمات ، وأجعلها ” منية ” على الآخرين ، وإنما هي أقل مايمكن تقديمها من واجبات في مثل هذه الحالات ليستقيم بعض الأمور ، ويتعلم السيد “إيفان الرهيب” و يتعظ ، ويتدرب لاستيعاب المثل المشهور :” رحم الله امرءآ عرف حده ، وتوقف عنده ” . ويمارس تمارين عقلية ليلم بالحد الأدنى من الواقعية والموضوعية في تعامله، وخاصة في مجال الكتابة ، مع الآخرين . والملاحظات هي :
آ ـ تعرفت على الشاعر الكبير الملا أحمد بالو منذ بداية السبعينات من القرن المنصرم ، ولازمته بسبب قرب الدار ، والتفاهم والثقة المتبادلة ، وذلك في أكثر فترات حياته فقرآ وبؤسآ ، تفاؤلآ وتشاؤمآ ، توهجآ وإبداعآ . وكان من الطبيعي أن أدخل في ثنايا عالمه الثقافي ، وأعرف الكثير الكثير من طباعه ، وأهوائه ونزعاته ، والكثير من تفاصيل حياته الخاصة ، فأصبحت بذلك بمثابة فرد من أفراد عائلته الكريمة . . .وفي تلك الفترة اقترحت عليه كتابة سيرته الذاتية ، وطرحت عليه بعض الأسئلة ، وأعتقد أن تلك الأسئلة لاتزال موجودة بين دفتي مخطوطته حول سيرته الشخصية . ولو لم أكن صادقآ ـ على زعم الكاتب ـ ومصدر ثقة لما احتفظت بمخطوطاته الشعرية ، واللغوية القيمة والتي لاتقدر بثمن في منزلي وبين أهلي من دون أن أعبأ بالمخاطر المحدقة ، حتى سلمتها في الفترة الأخيرة إلى الجهات المختصة بالتراث بالتمام والكمال. وكنت الأول الذي اقترح على بعض الأصدقاء جمع تبرعات للشاعر بهدف شراء آلة كاتبة له بالأحرف اللاتينية من تركيا لعدم توفرها آنذاك في الأسواق السورية ، ولكي يتمكن من تحويل دواوينه من الأحرف العربية إلى الأحرف اللاتينية الكردية ، وتمكنا من تحقيق ذلك . وكذلك قمت بترتيب لقائين بين مجموعة من الطلاب الدارسين في الجامعات السورية ، وبين الشاعر الكبير جكرخوين في داره الكائنة في الحارة الغربية من مدينة القامشلي وكان ذلك قبل اغترابه بفترة قصيرة على ما أذكر ، وكان معنا الشاعر بالو .. وقد جرى في أحد اللقائين خلاف بين الشاعرين حول الكثير من المفاهيم ، والكلمات الكوردية مثل كلمة “سيدا” وكانت الغلبة فيه لبالو بشهادة المرحوم جكرخوين الذي أشاد بقدرات بالو اللغوية ، والشهود ما زالوا أحياء يرزقون . نعم المرحوم بالو كان مشاكسآ ، عنيدآ ، أنانيآ ، سليط اللسان ، يعتبر نفسه إله الشعر وما على الأخرين إلا الركوع له ، ولكنها نزعة العباقرة ، والمميزين من الشعراء ، ألم يقل المتنبي :
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي       وأسمعت كلماتي من به صمم
وليس معنى هذا الإنتقاص من قيمة جكرخوين الذي يعد بحق علامة مضيئة في مسيرة الشعرالكردي المعاصر .
ب ـ ما أن يستقر المرء في أوربا حتى ينتابه الإندهاش والتعجب من كل هذا المنجز الحضاري الهائل، حيث الترتيب والتنظيم في المرافق العامة والخاصة ، والتخطيط المنظم للطبيعة من طرق ودروب ، وأنهار وأشجار ، إضافة إلى الضمان الإجتماعي والصحي ، في ظل خيمة ديمقراطية فذة تتمثل في الحرية والمساواة والعدالة ، حيث يقدر الإنسان في ظلها أفضل تقدير، فلا يسع المرء آنذاك إلا إطلاق صيحة إعجاب إزاء هذه اللوحة البديعة التي هي من صنع الإنسان . ويبدو أن شاعرنا جكرخوين أطلق صيحة إعجاب لأنه وجد مبتغاه في الحرية والمساواة التي كان ينادي بها دومآ. ألم يقرأ ناقدنا “إيفان الرهيب” قصيدة { شبال وستير} التي أراد فيها شاعرنا من خلال تلك الفتاة الكردية المتمردة على التفاوت الطبقي ، والتي أبت إلا التوحد مع المحبوب لخلق حالة من المساواة ولو على حساب الدم والأشلاء..! وهي نظرة الشاعر إلى قضية الحرية والمساواة التي جسدهما في هذه القصة الشعرية الممتعة ، وفي قصص شعرية أخرى تمجد تلك القيم . فأي عيب إذآ في قول الشاعر عندما يقول : “بأن الجنة التي يحلم بها المسلمون هي في هذه البلدان” . ويبدو أن “إيفاننا الرهيب ” لم يطلع بما فيه الكفاية على سيرة الشاعر ، وأعماله الشعرية التي تزيل النقاب عن نزعته الإلحادية ، وتصديه للطرق الصوفية المتخلفة التي ألحقت أفدح الأضرار بالواقع الكردي ، ولم يكن بالو أقل منه في الرؤية والممارسة ، ولكن جكرخوين بلباقته ، وانضوائه تحت ظل الحزب الشيوعي السوري أولآ ، والحزب الديمقراطي التقدمي الكوردي ثانيآ ساعداه من تفادي عملية السحق والحرق والمحق ، أما بالو فقد عاند ، وأبى إلا البقاء على القمم مكشوفآ ليتعرض لعمليات الحت الريحي من قبل فقهاء الظلام وأزلامهم خفافيش الليل . مع أن الشيخ محمد عبده أطلق صيحته المجلجلة بمجرد وقع نظره على الحضارة الغربية بأكثر من خمسين عامآ قبل شاعرنا . فلماذا إذآ هذا الإستنفار من قبل “إيفان الرهيب ” ليكذبنا ، ويمتشق منجله الصدئ محاولآ طعننا به ، على الرغم من أننا لم نقل سوى الحقيقة التي سمعناها من فم الشاعر، وهو الذي وثق الحدث بقصيدة. ولكن “إيفان الرهيب” يأبى بعقليته الشمولية أي موقف ، أو قول أو وجهة نظر ، ويجد الحقيقة كل الحقيقة في قول الملا البياندوري الزائر للشاعر جكر خوين الذي حمله ربما هواجسه ، وبعضآ من رغباته ، وكشف عن نيته بضرورة العودة إلى أرضه ليموت ويدفن بين أحضانها. فما وجه التناقض بين الموقفين ..؟. وهل ثمة مشكلة تستدعي كل هذا الإستنفار المشبع بالحقد الدفين . . ؟ . مع أنني أشعر بأن هذه الأنفاس الشوكية ليست غريبة عني!. أم أن ماوراء الأكمة ماوراءها ..؟.
ج ـ تعرض الشاعر ملا أحمد بالو لهجمة جرادية شرسة منذ بدايات حياته الدراسية من قبل فقهاء الظلام ، وخفافيشهم الليلية ، لأنه أبى وبشموخ أن ينضوي تحت مظلة خرافاتهم وبالتالي يتحول إلى مسخ يمجد “قدس الله سره” . لهذا حورب في لقمة رزقه ، ولوحق بشراسة فاتهم بالزندقة والإلحاد مرة ، وبالوهابية أمرارآ . وهذه التهم وخاصة من قبل الأوساط الدينية آنذاك ، كان يعني تهميش الفرد ، ودفعه نحو دائرة الظل ، ليعيش هو وأفراد عائلته في فقر مدقع ، وعزلة قاتلة ! .
وهذا ماحصل مع شاعرنا أحمد بالو الذي لم ينحني أبدآ للعاصفة ، بل واجهها بصمود وشموخ ، وفضل الفقر المدقع على اللقمة المغموسة بالذل والهوان . فلجأ إلى الجيل الشاب عساه أن يجد في كنفه السلوى والعزاء . ولهذا وقف إلى جانبه عدد محدود من الناس الطيبين ، داعمين مساندين إياه في السراء والضراء أمثال : المرحوم نوري شاكر ، والمرحوم الأستاذ حمزة أحمد ، والسيد حاجو ملا حاجي ، والأستاذ عبد الرزاق جنكو وغيرهم . وهنا لابد من لفت الإنتباه إلى الخطوة الإيجابية التي قام بها الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا { البارتي } وذلك بطبع الديوان الأول للشاعر ، و بالتعاون بين الأستاذين خليل إبراهيم ، وعبدالرزاق جنكو في ذلك الوقت.
د ـ أما الدكتورعلاءالدين جنكو الذي شمر عن ساعديه، وتصدى لموضوع مغيب ومنسي، يأخذ الكثير من الجهد والوقت والمال، وهو كما أعرفه لايبغي من وراء هذا العمل مالآ أوجاهآ، وإنما تقديم الخدمة للغة الكردية التي نحن كلنا بحاجة ماسة إلي أخذها من مظانها ، ولاسيما من شاعر ولغوي من عيار بالو الذي سيكون له الدور الأبرز في المعاهد والجامعات الكردية مستقبلآ .
وأخيرآ أحب أن أهمس بمحبة في أذن السيد “إيفان محمد” أن يتعامل مع النتاجات الأدبية،أو الفكرية بحيادية كاملة، بعيدآ عن النزعات الكيدية، والتصورات المسبقة ، والمزاجية. لأن لاعلاقة للفن الراقي بالمواقف الشخصية، والإنحياز المطلق، ولأن من شأن ذلك إدراج السيد “إيفان” في خانة الشموليين الحاقدين الدمويين .
ahmad.hussein@hotmail.de

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…