ليلى بدرخان المرأة الشّرقيّة، الكورديّة المتمرّدة 1986-1908 م

نارين عمر
الأسرة البدرخانيّة التي خدمت الثّقافة والّلغة الكورديّة والأدب والكتابة الكورديّين لم تبخل علينا بعطاء نسائها أيضاً، كما لم تبخل بعطاء رجالها، فإذا كانت السّيّدة روشن بدرخان أديبة وشاعرة ومربيّة فإنّ السّيّدة “ليلى بدرخان” أظهرت نفسها بمجال آخر لا يقلّ أهميّة عن مجال أفراد عائلتها بولوجها عالم الفنّ وتحديداً فنّ “رقص الباليه”، هذا الفنّ الذي كان دخوله أو مجرّد التّفكير في ولوجه يُعتَبَرُ من المحرّمات التي لا يجوزُ المساس بها بالنّسبةِ إلى المرأةِ الشّرقيّة ككلّ وحتى المرأة الغربيّة كذلك، وتحديداً خلال الرّبع الأوّل من القرن العشرين الذي كان شاهداً على نضال المرأة العالميّة المستميت للحصول على حقوقها ومساواتها في الحقوق والواجباتِ مع نصفها الآخر، واعتبارها كائناً يملك الشّعور والفكر. 
ليلى بدرخان آثرت أن تلجَ عالمَ الفنّ الذي لا يزالُ الدّخول إليه حتى يومنا هذا محرّماً على مجموعاتٍ نسائيّة تنتمي إلى شرائح واسعة في شرقنا الحبيب، واختارت عالم الرّقص وتحديداً رقص الباليه لتتخذه ساحة منيعة وميداناً واسعاً تعبّرُ من خلالهما عن مآسي عائلتها وشعبها الكرديّ ومنهم المرأة العالميّة والكرديّة خصوصاً، فكان لها ما أرادت حين ذاع صيتها في عموم أوروبا وأمريكا وحتى في العديد من البلدان العربيّة، لذلك لم يكن اختيارها لهذا الفنّ جزافاً، بل اختارته عن درايةٍ ودراسةٍ أكاديميّة، حين انتسبت إلى أكاديميّة فنّ الباليه في ألمانيا، تمّ تابعت دراستها في بلدانٍ أروبيّةٍ أخرى كفرنسا واسبانيا وبلجيكا وغيرها من البلدان والدّول.
وتوكّدُ بعض المصادر على أنّها تأثّرت في اختيارها لهذا الجنس الفنّي الصّعب “رقص الباليه” براقصةِ الباليه العالميّة”ايسادورا دونجان، “Isadora Duncan  عندما شاهدتها في القاهرة المصرية، وفي مصر بدأ اهتمامها بالفنّ وراحت تتابعُ كلّ ما يتعلّقُ بهذا الفنّ، وحين هاجرت إلى سويسرا بدأ شغفها به يزدادُ أكثر فأكثر، ثمّ انتسبت إلى المدرسةِ الفنيّة للرّقص في فيينا بالنّمسا، وفيها وقفت لأوّل مرّةٍ على منصّة الرّقص كراقصةٍ هاوية، فكانت بدايتها تحملُ بشائرَ خيرٍ وابتهاجٍ بصعودِ نجم فنّانةٍ جديدةٍ سيكون لها شأنها الكبير والمميّز في عالم هذا الفنّ، فنّانة قادمةٍ من عمق الشّرقِ الغارقِ في ظلماتِ الجهل والتّخلّف.
ذاعت شهرتها في عموم أوروبا وفي أمريكا وفي العديد من البلدان العربيّة، ويُقال إنّ العديد من الملوك والرّؤساء وحكّام العالم من أوروبيين وعرب وشرقيّين كانوا يحضرون حفلاتها، ويبدون إعجابهم الشّديد بالّلوحات الفنيّة الرّاقصة التي كانت تقدّمها؛ كما
نالت على اهتمام الصّحافة ووسائل الإعلام العالميّة بها، وكانت العديد من الصّحف والمجلات تفردُ للحديثِ عنها صفحاتٍ واسعة، حيث قدّمت عشرات الّلوحات والدّبكات الفنيّة الشّرقية والكورديّة والعالميّة ومن أبرزها رقصة الأفعى، وباليه الملكة بلقيس، حيثُ أدّت فيه دور بلقيس، وباليه الفتاة الغجريّة.
هناك أمر يثير الدّهشة والاستغراب يجب الإشارة إليه هو أنّه وعلى الرّغم من الثّقافة العالية والحياة الأرستقراطيّة التي كانت تتمتّعُ بهما الأسرة البدرخانيّة عموماً إلا أنّها وبحسبِ العديد من المراجع والمصادر رفضت قرار ليلى الانتساب إلى مدرسة الرّقص، بل وعارضت الفكرة تماماً ولم تتقبّلها، ودليلنا على ذلك أنّها وعلى الرّغم من امتلاكها لناصية الصّحافة والطّباعة الكرديّة لم تتحدّث يوماً عن ليلى، وحتى لم تشر إلى اسمها.
كانت ليلى تتمتّع بميّزاتٍ كثيرة تميّزها من غيرها من النّساء:  
الميّزة الأولى: أنّها كانت امرأة مثقفة وواعية ومخلصة لشعبها وقضيّتها، لذلك لم يقتصر نضالها على فنّ الرّقص فقط، بل كان لها اهتمامٌ كبير بالبحث والتّاريخ، ولها أبحاث في الدّيانة الزّردشتيّة وفي الدّيانات القديمة الهنديّة والفارسيّة والمصريّة وغيرها، كما ولها دراسات وأبحاث مستفيضة في فنّ الرّقص والدّبكة في منطقة الشّرق الأوسط. 
 الميّزة الثّانية: اهتمامها الكبير بالتّراثِ الفنّي والفلكلوريّ لشعبها الكرديّ.
أمّا الميّزة الثّالثة التي تتميّز بها هذه الفنّانة أنّها كانت تتمتّع بحسّ قوميّ أصيل وصادق توارثته من عائلتها العريقة والمناضلة، وتؤكّد على ذلك في أحد لقاءاتها الصّحفيّة بالقول: 
((أنا كرديّة، جدّي أمير متوّج في كردستان، بسط نفوذه على مناطق شاسعة. عندما كنتُ طفلة، ذهبتُ إلى مصر مع والدتي، وقضيتُ فترة طفولتي هناك؛ في أعقاب الحرب العالميّة الأولى، أتيتُ إلى أوربا، وتحديداً سويسرا… ))، وعن شغفها بالرّقص تقول: 
((لقد أحببت الرّقص دائماً، وفي مصر كنتُ قد اعتدتُ على مشاهدة النّساء الشّعبيات أثناء رقصهن. أنا أؤدي منوّعات شعبيّة، كذلك اخترعتُ أداءً خاصّاً بي، فعندما أرقص، لا أستعمل ساقيَّ كثيراً بل يديّ وجسدي…)).
أحبّت ليلى أن تقدّمَ من خلال فنّها الفنّ الكرديّ الأصيل الحديث منه والفلكلوريّ، وتظهره إلى العالم بأبهى صوره ورونقه العذب، فاعتمدت على ذاكرتها القويّة التي كانت تتلقفُ بشغفٍ كلّ ما كانت تتلقاه من أسرتها وبيئتها وبالحضارةِ الكرديّة، لذلك نجدها تمزجُ في فنّها بين الحداثةِ والتّراث وكذلك الدّبكات والحفلاتِ التي كانت تحضرها مع شعبها الكرديّ في مناسباتٍ عدّة ومنها الأعراس، وعلى الرّغم من مغادرتها لأرض الوطن في سنّ مبكّرة إلا أنّ حبّها للغتها وثقافتها جعلها تختزن كلّ ما تلقفته سابقاً.
هذا ويذكر أنّ لها ابنة وحيدة اسمها نيڤين بدرخان، وهي صحفيّة مصريّة معروفة في الوسط الإعلامي ّالمصريّ.
رحلت ليلى بدرخان من عالمنا الدّنيويّ في باريس عاصمة فرنسا في شهر أيلول من عام 1986م، بعد عمرٍ مديدٍ جابت من خلاله مختلف أصقاع العالم، وبعد تلذذها بشهرةٍ عالميّةٍ واسعة، وكانت قد ولدت في استنبول في عام 1908م، والدها عبد الرزّاق بدرخان، ووالدتها هنريتا النّمساويّة الأصل.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

عامر عثمان ” إيفان “

لَنْ تَكُونَ المَدِينَةُ فَاضِلَة

وَلَنْ يُرَتَّبَ الزَّمَنُ حَيْثُ نَكُون

أَضْحَتْ كُلُّ الوجُوهِ رسُومَاً دُونَ تَفَاصِيل

أَمَا آنَ للموَازين أَنْ تَرَتِّبَ العَدَالَة العَاقِر ؟

فَلا كِيميَاء كَمَا نَقَاء إِيمَان السَّمَاء

العِلْويّ الرَّزين

أَبَدَاً . . .

لا كِيميَاء . . .

 

عبد الستار نورعلي
في الليلِ
ناداني الكتابُ
وفتَّحَ الأبواب، قالَ:
“هيتَ لكْ”!
أسرعْتُ..
ملهوفاً إليهِ،
دخلْتُ فصلاً….
بعدَ فصلٍ….
بعدَ فصلٍ….
بعد…..
لم أجدْ..
،”فصلَ الخطابِ”؛
حتى أضعْتُ
وفي غيابي
بينَ طيَّاتِ الحسابِ
رقمَ السُّؤالِ،
رقم الجوابِ،
لكنَّ “مصباحَ ديوجينوسَ”
أهداني القرارَ،
وسلَّمَ
عنْ طيبِ خاطرِهِ
مفاتيحَ الجوابِ،
فنمْتُ….
والأبوابُ مُشرعَةٌ،
وفي أيدي الليالي..
كانَ رأسي (جَرَّةً)،
تسكبُ ماءَ العينِ
في كؤوسِ جُلَّاسي:
منَ الأقلامِ
والأوراقِ
والكلماتِ
عشّاقِ الشَّرابِ….

(الخميس 30 نيسان 2026)

صدر للروائي والناقد هيثم حسين كتاب جديد بعنوان «أثر الرواية»، عن منشورات رامينا في لندن، وهو كتاب نقدي وتأملي يتناول فن الرواية من داخل تجربة الكتابة نفسها، ويتتبع مجموعة من الأسئلة المتصلة بالسرد والخيال والذاكرة والشخصيات والحبكة والعنوان والغلاف، وصولاً إلى علاقة الرواية بالفلسفة والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.

يتحرّك الكتاب في منطقة التماس بين السرد…

عبد الجابر حبيب

لا أريد عمراً جديداً،
أريد أن أستردّ يدي من جيب الزمن،
أريد أن أخرج من جلدي القديم
مثل سجينٍ عضَّ قضبانَه
حتى نزف الحديد في فمه.
أريد ساقين لا تعرفان الوهن،
وقلباً مشاغباً
يقذف نبضه في وجه الوقت.

أريد أن أمشي
حتى تتشقق الطرق تحت قدمي،
أريد أن أترك خلفي جثث المسافات.
ورائحة البابونج في البيدر.

لا أدري لِمَ
الحصان الذي في داخلي مذعور
يركل أبواب أحلامي،
وكلما…