مدينة الماء تعيش قصة حزينة

عبد الحليم سليمان عبد الحليم

ورد اسمها في عشرات المراجع التاريخية و وجد اسمها بلغات مختلفة على العديد من اللقى الأثرية مثل واش و كاني- راشي عينو- سي كان و قطف الزهور ..

إنها سرى كانيه أو رأس العين الواقعة 80 كم شمال غربي مدينة الحسكة في أقصى الشمال الشرقي من سوريا وعلى الحدود مع تركيا ، عرفت الزراعة منذ الأزل لخصوبة أراضيها وطبيعتها الجغرافية الملائمة لهذا النشاط البشري الهام، إلى جانب وفرة المياه و بغزارة شديدة ولهذا الجانب قصة أخرى .
كثيرا ما ارتبط اسم  سرى كانيه أو رأس العين بالماء و الينابيع فلقد سماها الميتانيون (واش و كاني) ومعنى قسمه الأول (واش) يرجح أنه يعني  الطاحونة وهذا ليس مؤكداً تماماً و الثاني (كاني) بمعنى الينبوع و سماها الآراميون (راشي عينو) أي رأس النبع و سمي أيضاً بـ(سي كان) ويعني بالكردية ثلاث أو  ثلانين ينبوعا و سميت لا حقا بقطف الزهور لجمال مناظرها الخلابة وكثرة الغطاء الأخضر والزهور فيما حولها .
كانت مركزا بشريا نشطاً عبر الزمن لذا خضعت لحكم جميع القوى التي سيطرت على المنطقة عبر التاريخ و منطقة سرى كانيه أو رأس العين عذبة مياهها فقد كانت مصيفا لأحد أبرز  الخلفاء العرب المسلمين ،وبقيت عبر آلاف السنين عليلة النسمات كثيرة الأشجار  و كان ماؤها رقراقا عذبا باردا.
لأبناء هذه المدينة قصص وحكايات و مغامرات جلها دار أحداثها حول ينابيع و على ضفاف خابورها- أبرز روافد الفرات – الذي أخذ معه آلاف الروايات و المشاعر التي كان سبب وجودها هو نفسه النهر الدفاق .

لم يشأ هذا النهر العابر لحدود السياسة والعقل إلا أن يكون مصدر خير ونماء وقوت قاطنيه ،فكل الزروع من حوله تسقى منه واللحم الطري الأبيض  الطيب يصطاد من ماءه وسفر الأهالي إلى رحلة الإنعاش كانت إليه تقاد ،الحطابون أيضاً كانوا يقصدونه للتزود بما يلزمهم ،أما كاتبوا الكلمات الجميلة فكانوا يستمدون أجنة قصائدهم مما تراه أعينهم من جماليات المناظر وحلاوة المظهر لذاك التمازج المتناغم لألوان النهر والخَضار من حوله ،وليس أقل من هؤلاء فواضعو ألحان الأغنيات كانت آذانهم تتشرب من خرير ماء الخابور لتترجم إلى إيقاعات سيمفونيات الحب والحياة و علامات موسيقية من تغريد بلابله الزاهية الألوان.
عبث ما يفعله الزمان بمعاشريه ، فللحدود المرسومة بالسياسة في الأرض و العقل  سطوتها على جانبي الخط الممتد من برلين إلى الموصل فخلف هذا الخط – من جانبنا أي من الشمال – بنت دولة الكماليين صفاً من السدود على نهرنا المنكب بالعطاء لتصبح بخيلة متحكمة بهبة الله لأرضه وعباده ونباته وحيوانه لا بل تدفع لمزارعي المناطق المتاخمة للخط من جانبها ليزرعوا ويصرفوا قدر ما يشاءون من الماء و لتضغط قدر ما تشاء على جارتها المضيفة لنتوئها المر و هذا ما كنا نسمع به منذ ما قبل عشر سنوات في حرب المياه و النار و القوم المقسوم على جانبي الخط.

نجح من نجح و فشل من فشل وانتصر أو ربما خسر من كان يخوض غمار الحروب؛ و النهر جفَّ على كل حال فلم يعد يرقرق ماؤه ولا تغرد بلابله و المنظر بات أكثر من الكئيب، جاف، وظهر قيعان ما كان غطاسو الخابور يحسبون ألف حساب قبل الوصول إليها ،  لا بل حتى تحت القيعان جف و ظهرت التكهفات الجوفية لغور مياهه فنظير النهر في باطن الأرض هو أيضاً كعاليه جف و بات يملئ مكان الماء التراب والصخور وسحب معه ما هو موجود فوق السطح فظهرت في مدينتنا المنكوبة  انخفاسات غريبة وكل مرة في جهة من أرجائها المتراخية بحزن متهدل  لنصبح من سكان سرى كانيه الحزينة.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

(ناشرون فلسطينيون) يعد كتاب “بلاغة الصنعة الشعرية” للناقد والشاعر الفلسطيني فراس حج محمد، الصادر عن دار روافد للنشر والتوزيع بالقاهرة عام 2020، علامة فارقة في المكتبة النقدية العربية المعاصرة؛ إذ لا يكتفي بتقديم قراءات في نصوص مختارة، بل يغوص في فلسفة الفعل الشعري ذاته، محاولاً فك الاشتباك بين الموهبة الفطرية والجهد الواعي، وبين النص المقدس…

صبحي دقوري

هناك في الحياة ما يبدو ضروريًا إلى حدّ البداهة: الخبز، والماء، والسقف، وبعض الطمأنينة إن تيسّرت. غير أن في حياة الإنسان ضرورات أخرى، أقل صخبًا، وأبعد عن العيون، ولكنها لا تقل جوهرية عنها شأنًا، بل لعلها أعمق أثرًا في بقاء الإنسان إنسانًا. ومن هذه الضرورات الأدب والفن. فهما ليسا ترفًا تستدعيه وفرة العيش، ولا…

ديار ملا أحمد

الكُرد في سوريا: سيرةُ ظلٍّ طويلٍ يبحث عن شكله في الضوء ..

لا تبدأ الحكاية الكردية في سوريا من الجغرافيا، بل من فجوةٍ صغيرة بين الاسم وصاحبه.

من تلك اللحظة التي ينطق فيها الإنسان ذاته، فلا تُصدّقه الأوراق، ومن ذلك الصمت الذي يتكوّن حين تعرف الأرض خطواتك، لكن الدولة لا تعترف بآثارها .. هكذا لم…

عبدالجابر حبيب

 

في قريةٍ لا تحمل اسماً لافتاً، حيثُ تمضي الأيام على وتيرةٍ واحدة، عاش رجلٌ يملك قطعةَ أرضٍ صغيرةً.

زرعها قمحاً، وانتظر موسمه بعينٍ خبيرةٍ؛ يعرف أن الأرض تعطي بقدر ما تأخذ.

 

جاء أيّار، وارتفعت السنابل، وامتلأت رؤوسها، ومالت بخفّةٍ مع الريح.

مشهدٌ يسرّ صاحبه؛ لا مبالغة فيه، ولا مفاجأة.

زرعٌ نجح، هذا كلّ الأمر.

 

وفي طرف القرية، رجلٌ آخر…