قراءة في رواية «كوليسان والليل» للروائي حسن سليفاني

  فتح الله حسيني

تتمحور رواية كوليسان والليل للروائي والقاص الكوردي المعروف حسن سليفاني، حول شخصيتين رئيسيتين، هما دلشاد وكوليستان، ليتفرع منهما، شخصيات ومحاور عديدة، وحوارات شتئ، ومن بين أهم الشخصيات الفرعية تركز الرواية على شخصية “وجدان” الغائبة الحاضرة والفاتنة على الدوام، لتشكل فحوى الرواية، بفنية جميلة، ولتأتي الرواية بلغة سلسلة، ممتعة، ممتنعة، تحيل القارئ من صفحة الى صفحة أخرى بلا تردد، وليجذب القارئ بقوة أكثر، نحو المفاصل الأساسية التي تشكل الركيزة الأولى أو محوري المبني والمعني في الرواية
ومن ثم إحالة القارئ من حوار قصير هادئ الى الى حوار آخر، من دون أن يجد ضالته التي يصبو اليها، ليظل، القارئ، متعطشاً الى الآتي من الحوارات المشوقة، الى أن تنتهي الرواية، بشكل ملامس للوجدان، ليكون القارئ بكل حيرته، أمام سؤال واضح وحيد أوحد، وهو: كيف غفوت قبل قليل؟ كيف نمت قليلاً؟.
حيال انتهاء رواية “كوليسان والليل” بسؤال عن الغفوة، فأن سؤال ما في بداية الرواية أيضاً يبدأ بالحضور أولنقل بحضور لافت، وموظف جيداً في مبتدأه، ليكون ألق السؤال في استفسار متلاحق”أحقاً ستأتين؟ ثم ليبدأ من هناك، حيث لا جهة محددة، إلا جهة كوليستان، ولا صوت إلا صوت دلشاد، الودود، الحنون، السارد للعشق وملذاته كما سرده لذكريات الأصدقاء والأحباب، وتحركاتهم أبان الحروب، حروب لم تنتهي الا بمصائر مجهولة في وطن، لاقى الكثير، حروب كان من ضمنها جمهرة من الأصدقاء كانوا يوماً حضوراً، ولكن في متن الرواية يكون غيابهم واضحاً بألم حاد، قاسي، وليكون هناك في جهة أخرى أيضاَ هي جهة كوليسان بلا منازع، صدى حوار هادئ: وحق عينيك سآتي، لكن ربما سأتأخر، ولا يهم، يبدو أنك مشتاقة لي، ويظل الصدى، صدى الحوار الحميم فعالاً على غفوته، مشتاقة فقط؟ الشوق كلمة بلا روح، أنا مجنونة لرؤيتك..
الروائي الكوردي حسن سليفاني يرسم شخوص روايته هذه، كما يرسم ملامح وطن يحّن اليه، ويسرد تاريخ وطن في فترة زمنية معينة، هي فترة الحراك السياسي المشوش، أبان الحروب المتتالية، ودخول الشباب الى الجيش عنوة، ومن ثم الروتين الذي يلازم الخدمة الإلزامية العسكرية، ومن ثم التنقل بين عدة مراحل من أهمها مرحلة التوظيف الشخصي لحالات الشخوص المتنوعين ما بين زملاء دلشاد في الدائرة والوظيفة وما بين ذكريات كوليستان، ليظل هناك أوراق كثيرة متنوعة يجب مراجعتها وقراءتها وتدوينها، تاريخاً دون جغرافيا، وهي بكل تأكيد أوراق معطرة برائحة البيبون والبارود، لأنها أوراق ماضية الى روح الأصدقاء ومفضية الى صورهم ربما المعلقة في صدر البيوت أو ربما غيابها يشكل هاجساً آخر هو هاجس أي بيت كوردي أو زقاق كوردي، وتتضمن تلك الأوراق ألغاز كانت لا بد منها في متن الرواية، فمنها التغزل ووصف الشوق، وعندما تكون الشمس في كبد السماء والأرض تحترق والريح وتصفر فأن هناك خوذة وأكياس رمل وتلفون أومار ودوشكا خرساء، لأن السماء، دون غيرها، في الورقة الثالثة تصرخ بجنون لا حد لها، والقذائف تسقط في كل مكان، ويظل بين السارد وبين الموت لحظات وثوان قلائل، لأنها الحرب، الحرب المجنونة، المميتة المقيتة، والحرب دمار وهلاك وموت ورعب وموت للعصافير وللحمائم، ولأن للحرب ذكر واسم وحضور لافت في الورقة الثالثة، فأن الورقة الرابعة تحمل الاعتذار الجميل للعزيزة، لأنه لا يستطيع، رغم محاولات عديدة في التنصل من الحنين وأوجاع الحنين، أن يقول “كل عيد وأنت سعيدة يا عزيزتي” لأن الحرب لا تعرف معنى، أي معنى كان، للحب وللعشق وللقبلات والأعياد واللقاء، والموت يظل في كل الأحوال رخيصاً، رخيصاً جداً، ومن ثم تأتي الورقة الخامسة، وهي ورقة براقة، تكون بكل بياضها وحيويتها مهداة الى الرفاق والأصحاب، ليكون السؤال على أوجه ووجعه، أين أنت يا زياد، لتتلون الورقة من البياض الى السواد، ويظل زياداً في مصيره المجهول، أما زال زياد حياً أم ميتاً؟ أهو فوق التراب وله حراكه أم هو جسد وروح تحت التراب له سكونه الخارس المؤلم؟ والسؤال عن “يونس”، إذا كان قد فقد شيئاً من أعضاءه، هو نفسه السؤال عن جسد وروح “هيمن” عاشق العطور، عطور الأعظمية وكورنيشها وفتياتها؟، ليظل الملحق الاستفهامي مفتوحاً على ألقه وتلابيبه، ولتدون ورقتان مطويتان داخل دفتر، غير محدد المكان، ولكن الزمن حاضر بجبروته لأنه حنين، والورقتان هما جزء من الذكريات غير المنسية، ورقة كانت ضائعة في ألوان خضراء داكنة، حيث الدموع تجرف معها بعضاً من كحل عينيها الأسود، ولتأتي الورقة الثانية أيضاً على ذكر الموت إزاء لاغيابه أصلاً، وليندهش، السارد، المشخص للألم، من كل ذلك اللون الأرزق الذي يندلف على يديه، لتكون الرواية رواية واقع بامتياز.
إذا كانت الأوراق موزعة على الأصدقاء والحنين والأحباب والتذكر والاستذكار فأن كل الأوراق تفضي الى تابو الحنين الى كوليستان، وليكون القسم الحار، أوالقسم  الأكثر حرارة، قسماً بتفاح النشوان في أرمشت، كنت سآتي، لكن الأمر ينص على أن تقترب قواتنا من مشارف المدن، سنبدأ دبكة كبيرة، كبيرة جداً، أعذريني يا زهرتي، أنتظريني ها أنا قادم اليكم.
ليأتي هتاف آخر: دلشاد.. دلشاااد..
ستأتي قريباً، ستأتي مع الأصدقاء، ستأتي مع الدبكة ومع الفرح الباسم للكل، أي بشرة سارى هي مجيئكم كم رائعة ملابسك الخاكية الكردية.

ارتبط على الدوام اسم الروائي والقاص الكردي المبدع حسن سليفاني باسم المقدم الروايات والقصص الشفافة، وهذه خاصة يمتاز بها هذا الروائي الجميل، الذي كان لي شرف اللقاء به، في أروقة المؤتمر الأول للأدب الكردي في مدينة دياربكر بكردستان تركيا، ومن ثم اللقاء به في مدينة القامشلي في سوريا، ومن ثم اللقاء في أروقة منتديات مدينة دهوك، وفي فرع اتحاد الأدباء والكتاب الكرد حيث يشغل سليفاني رئيسها، ومن ثم اللقاء على صفحات مجلة ” بيف” التي يكون سليفاني صحاب امتيازها.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نارين عمر

 

يعدّ المكان الذي تحتض أرضه أيّ شخص في المعمورة، ويستمع إلى صراخه ليحوّله فيما بعد إلى ابتسامة، فضحكة هو الحاضن لكلّ أيّامه بشهورها وسنواتها، تنقش في ذاكرته كلّ الأحداث والمتغيّرات التي ترافق حياته؛ لكلّ هذا وذاك نجد الكاتب والباحث عمر اسماعيل يلجأ إلى ذاكرته المنقوشة بكلّ ذكرياته عن قريته عين ديوار قلب منطقة…

أصدرت منشورات رامينا كتاب «وجوه المنفى… دروب الوطن» للكاتب السوري الكردي هيثم حسين، وهو عمل سيري جديد يتابع فيه الكاتب رحلته الإنسانية والفكرية منذ مغادرته سوريا واستقراره في بريطانيا، متتبعاً أثر المنفى في الوعي واللغة والهوية، عبر سلسلة من الحكايات والتأملات والوجوه التي رافقت تلك الرحلة وأسهمت في تشكيلها.

يأتي الكتاب امتداداً لمشروع الكاتب في كتابة…

هوشنك_أوسي
على متن الطائرة التي أقلَّتني من إسطنبول إلى الإسكندرية،
وقفت مضيفةُ الطيران في الممر،
بجانب مقعدي.
بدأت تُمثِّل بحركات جسدها تعليماتَ السلامة:
هكذا تربطون أحزمةَ الأمان مع الحبيب،
وهكذا تفكونها.
إذا تعبت الحبيبة،
فالقبلاتُ على الشفاه هي أقنعةُ أكسجين،
تُقنع القلوب، وتقتنع بها الأجساد.<br class="html-br"...

سعيد يوسف

 

“أي إنسان غاب عن المكان، وأيّة روح حجبها عني الزمان”

 

في كلّ يوم وفي الساعة السابعة تقريبًا مساء ً كنت آتي إلى هذا المكان أعني “الوجيبة الخلفية من بيتنا الكبير”. كنت تسبق الجميع إليه، إمّا أن يكون إبريق الشاي أمامك أو بعد مدّة من الجلوس تقوم، وبكلّ أريحية لإعداده بنفسك وحسب ذوقك كونه المشروب المفضّل…