لمن تأخذون البلاد ؟

شعر: منير محمّد خلف

لمنْ تأخذون
البلادَ الجميلةَ‏
يا أيُّها الأصدقاءْ..؟

لمن تأخذونَ يَدِيْ..‏
وهوائي ومائي‏
وهذا النداءَ الذي‏
قد تبقّى لديَّ‏

من الحلْمِ والانتماءْ..؟‏
لمن سأوزّعُ باقاتِ قلبي‏
وأنتمْ ترونَ البلادَ‏
تُوزَّعُ مثل سبايا الخريفْ،‏
تُساقٌ إلى المقصلاتِ‏
بلا شارعٍ..‏
أو رصيفْ…؟‏

لماذا أجرُّ أمامي‏
مواقفكم‏
يا انتظاراتِ مَنْ لا يجيء !؟‏
لماذا تُقيمون في جسدي‏
رايةً لاحتواءِ الصقيعِ‏
وناياً يلمُّ طيورَ الغروبْ؟!
لماذا تظلّ‏
أصابعُكم‏
مثل أشجار حزنيَ‏
تخنقُ فيَّ عصافيرَ زهرٍ وماءْ؟‏
لمن تأخذون‏
البلادَ الجميلةَ‏
يا أيّها الأصدقاءْ؟‏

“حلبجةُ” كانت ردائي‏
وكانت يَدِي في غدي
تتهيّأ للغيم‏
لكنّ قلبي تساقطَ‏
بيني وبين الجزيرَهْ،‏
وضاعتْ يَدِي من يدي،‏
دمي كان ينقشُ ظلَّ الغيابِ‏
على شرفةٍ‏
في مداهُ المُخيفْ .

وحيداً..‏
أنا مثلما كنتُ مازلتُ‏
أبحثُ عن كسرةٍ‏
من رغيفٍ نظيفْ،‏
وما زلتُ أسقطُ‏
قبل النهوضِ‏
وأصرخُ قرْبَ يَدِي‏
كي أرى‏
أنني أنحني للإلهْ.‏

تسافرُ فيَّ جهاتُ الفناءِ‏
تُلملمُ مالم أَقلْهُ‏
وما كنتُ يوماً‏
أظنُّ‏
بأني أراهْ‏ .

أسائِلُ‏
أين طيورُ البلادِ‏
التي خبَّأتْ في زوايا الكلام انتمائي‏
وجرحي وملحي‏
وأين الذي‏
كان قلبي يدلّ عليهْ؟‏

أُسائِلُكُمْ‏
يا الذين تُحيطون بي من بعيدٍ‏
وتقتلعونَ صباحي‏
من الوهج والابتهاجْ!‏

سأخلعُ جلدي‏
وأبني خرائبَ روحي،‏
أراكم بلا قامةٍ‏
والحرائقُ‏
لمّا تُكنِّسْ حرائقَها‏
ذكرياتُ الذين‏
عَدَوا خلفكم من قديم الجراح.‏
أرى أنني رحلةٌ‏
لا تعيدُ الحياةُ طفولة أحلامها وهواها،‏
تحاصرُ كُلَّ الحمامِ‏
حماقاتُكم يا خزائنَ‏
مِنْ ورطةٍ وانحناءْ!‏
لمن تأخذونَ‏
البلادَ الجميلةَ‏
يا أيّها الأصدقاءْ

تجاوَزْتُمُ يارفاقَ الغيابِ‏
حدودَ الخرابِ،‏
أقول للِيلى: سلاماً!‏
أنا لا أجيدُ الزّهورَ‏
فُرشِّي بلاداً عليَّ‏
ورشي العراقَ ـ بدون أصابعَ ـ‏
نخلاً وخبزاً وماءْ‏
أقول: امنحيني موتاً جديداً‏
وحزناً لعصفورةٍ‏
من ندىً وارتقاءْ‏
لمن تأخذونَ‏
البلادَ الجميلةَ‏
يا أيها الأصدقاءْ؟‏

أنا المتشرّد مثل بلادي‏
أرى زورقي‏
في مهبّ الضياع الأليفْ‏
وأملأ ظلّي صوتاً بعيداً‏
يخفّفُ أوقاتَهُ من ظلامي‏
ويُعلِنُ أنَّ النوافذ لا زهرَ فيها‏
وأنّيَ لا أستطيعُ اغتسال كلامي‏
من الطائر الحائر المتشظّي‏
الذي يحتويني‏
ويذبحُ فيَّ الحياهْ.‏

أَلمُّ خُطايَ‏
فترحلُ عنّي المسافاتُ‏
تُلبِسُني طعناتِ الوداعِ‏
تُرتِّبُ ما يشتهيني‏
من الجرحِ والنزف والانتهاءْ‏
لمن تأخذونَ‏
البلادَ الجميلة‏
يا أيَّها الأصدقاءْ ؟‏

بلادي تمدُّ لكُمْ‏
يارفاقَ الهواء‏
تمدّ لكم من خلال شبابيك هذا الأَبَدْ‏
طيورَ الكلامِ‏
وملحَ ازدهارِ الأسى‏
في بقايا الحمامِ‏
ورؤيا غَرَقْ.‏

بلادي الخجولةُ تأتي‏
لِتُكْمِلَ أحلامها من جديدٍ‏
تعانقُ خصْرَ الأغاني‏
وتأتي‏
كوجهِ المياه الجريحَهْ‏
تشيلُ مواويلَ أُمّي الذبيحَهْ،‏
وتطوي‏
بيارقَ حريّةٍ من وَرَقْ‏
تُدمِّرني من بعيدٍ‏
وتنهبُ من شفتي طفلةً‏
حلمُها فرحةٌ وعَبَقْ‏

أُكوِّنُ لي من وجودكِ قربيَ‏
فاكهةً للنقاءِ‏
وخارطةً للبقاءِ‏
وأُخرى لـ لا لافتقادِكِ‏
يارحلةً من قَلَقْ،‏

وحين تكونين قُربي‏
أناديكِ…‏
حتّى أحسَّ بأنَّكِ‏
مازلتِ قربي‏
وكي لا تصيري بعيدَهْ‏
وحتّى أُحقِّقَ لي ما أشاءْ‏
لمن تأخذونَ‏
البلادَ الجميلة يا أيَّها الأصدقاءْ؟‏

كعادتِكُمْ‏
لا تجيئونَ إلاَّ غياباً غيابْ‏
ولا تحملونَ إلينا‏
سوى باقةٍ من عذابْ،‏
وكم لا تعودون‏
إلاَّ وتُلبِسُكُمْ شهقةُ الانطفاءْ‏
ويحرسكم جبنكم من جيوشِ البكاءْ‏
لماذا أخذتُمْ بلادي‏
وقلتُمْ: هي الآن في سلّةِ الأنبياءْ..؟‏
لماذا أخذتم بلاديَ‏
يا أيّها الأصدقاءْ؟‏

لمن تأخذونَ‏
البلادَ الجديدة‏
يا أيَّها الأصدقاءْ ؟‏
لمن تأخذونَ‏
البلادَ الجميلة‏
يا أيُّها الـ…….؟‏
mner-l@scs-net.org
*******

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

عبدالجابر حبيب

 

ـ النصوص بين السخرية والوجع والذاكرة

في مجموعة “حارس المدفأة” لا يقدّم الكاتب قصصاً تُحكى بقدر ما يخلّف آثاراً تُلمَس؛ كأن كل نص ليس سوى بقايا احتراقٍ داخليّ، جمرٌ لم ينطفئ بعد، لكنه لم يعد قادراً على الاشتعال الكامل. إننا أمام كتابة تثق بالندبة لا بالحكاية، و لا تعوّل على الحدث، وإنما على ما يتركه…

ماهين شيخاني

مقدمة:

الأديب يعشق الكلمات، والكلمات تعشق الوحدة.

والوحدة… لا تتزوج جيداً.

هذه حقيقة قديمة، مؤلمة، لا يجرؤ معظم الأدباء على البوح بها. لكن جروحهم مكتوبة بين سطور نصوصهم. وفي المجتمعات الشرقية، حيث الزواج قدسية والطلاق وصمة، يصمت الأديب أكثر. لكن نصه… لا يصمت أبداً.

الجزء الأول: الغرب – حيث صرخوا بألمهم

فرانز كافكا: العاشق الذي هرب من الحب

لم يتزوج…

بدعوة من الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، نظّمت لجنة الأنشطة في الاتحاد ندوة أدبية وحفل توقيع للمجموعة القصصية الأولى للروائي الكردي عبدالسلام نعمان، بعنوان “زوجتي الأخيرة كانت عاهرة”، وذلك في قاعة الأنشطة التابعة لمنظمة كاريتاس بمدينة إيسن الألمانية، يوم الأحد 5 نيسان/أبريل 2026.

وشهدت الفعالية حضوراً لافتاً من…

صدرت حديثاً عن دار الزّمان بدمشق المجموعة الشّعرية الثّانية «أوراقٌ تقودُها الرّيح» للشاعرة السّورية ندوة يونس، وتقع في نحو 128 صفحة من القطع المتوسّط، بغلافٍ أنيق للوحة للفنانة التشكيلية د. سمر دريعي ومن تصميم الفنان جمال الأبطح. يُذكَر أنّها أصدرت مجموعتها الأولى «النّبض المرهق» سنة 2021م.
كتب مقدمة هذه المجموعة النّاقد صبري رسول بعنوان «مغامرة…