فن تسويق الذوق الرديء «الكُرَة في المرمى الكُردي»


ابراهيم محمود


قبل أكثر من عشر سنوات ” وتحديداً، بدءاً من مطلع الشهر الأول لعام 2003 “، كان لي إسهام في برنامج ” مجلة التلفزيون ” في التلفزيون السوري، والذي كانت تعدُّه حينها ديانا جبّور، من خلال مادة طلِبت منّي من قبل جبّور، لأكثر من حلقة، عن الغناء بالذات، حيث كانت تقرَأ ولمدة خمس دقائق، أبدي فيها ملاحظات لي عن حقيقة رواج الذوق الرديء في الأغنية المحلية، وكانت تقدَّم نماذج من الأغاني الدالة على ما كنتُ أسمّيه أسباباً لهذه الرداءة في الغناء الدارج لدينا. وهذا يذكّرنا بخلفية خروج عمار الكوفي من ” أرب أيدول” في ” MBC1″ يوم السبت في ” 6 كانون الأول 2014 “، إلى جانب محمد رشاد المصري، وردود الأفعال المختلفة حول خروجه، أو ” إخراجه ” من البرنامج ” كما هو ملاحَظ من خلال مدونات صفحات الفيسبوك وغيرها، وتعليقات الشارع هنا وهناك كردياً، والاستناد إلى صدمة الحكّام بما جرى من خلال تصويت الجمهور، حيث إن نسبة كبيرة أفصحت عن أن الخلفية عنصرية عربية بالذات.
نعم، إن صوت عمار الكوفي أطرب الكثيرين، بدءاً من لجنة التحكيم، والجمهور في الصالة وخارجاً، واقتراب هذا النجم الكردي بالفعل من التصفيات النهائية، للفوز بلقب ” نجم أرب أيدول ” وهو يجمع بين الغناء العربي والكردي، ودون أي تعثر في كل ظهور له.
وكوني من المتابعين للبرنامج لأسباب ثقافية، وضمناً فنية، فإنني تأثرت بالنتيجة الصادمة وغير المتوقعة لاعتبارات مختلفة، استناداً إلى التجاوب اللافت مع الصوت المؤثّر لعمار الكوفي، ولكن خروج محمد رشاد المصري معه، يخفّف من الصدمة أيضاً، وله حضور في العمق المصري إلى جانب العربي.
يعني ذلك أن علينا عدم النظر إلى الجاري كما لو أن الذين أعطوه نسبة أقل من الأصوات، كانوا متفقين فيما بينهم وفي جغرافيا سكانية أو بشرية مفتوحة يصعب، أو يستحيل الربط فيما بين جهاتها والتشديد على وجود اتفاق معين. ذلك يقرّبنا من تبيُّن صورة الكردي في واعية العربي بالذات، وكيف تتراءى هذه الصورة وهي في سلبيتها بأكثر من معنى، من خلال الضخ الإعلامي العقائدي والإيديولوجي، ولعمار الكوفي بصفته كردياً هنا نصيب من هذا التقييم المبرمج أو الموجه أو المتداول عربياً، وخصوصاً في الآن الراهن، وتحديداً أكثر كون عمار الكوفي يعرَف به بأنه من ” كردستان العراق “، وأن التقريظ الذي كان يصدر من لجنة التحكيم بصدد اللغة الكردية والغناء الكردي وكردستان بالذات، لا أظنه فعل فعله الإيجابي مع الزمن، إن واجهنا بنية الصورة المركَّزة وخاصيتها التعبوية.
فالحديث عن تسويق الفن الرديء والغناء فن صوتي وموسيقي فاعل في المجتمع، له ما له من المدونات الكبرى، إن جاز التعبير، والتي تترجم الخلفية المحسوسة والمقروءة والمثاب عليها هنا وهناك، كونه لا ينفصل عن الكل العام لما هو ثقافي ومعرفي في المجتمع، أي إن الفن، والغناء ضمناً، لا ينفصل عن مجمل الحراك الثقافي والمدني بالذات للمجتمع، وتحديداً، حين يكون الغناء الوجه الأبرز فيه وله.
ليكون من سوء حظ عمار الكوفي أن يكون ضمن الدائرة التسويقية هذه، رغم أن الممكن قوله هو ظهوره وانتقاله إلى هذه المرحلة وصعود نجمه كل هذا الوقت يضاف إلى مدى مقاومة الصوت العذب أو الفن الغنائي الفعلي وثباته، وهذا يعمّق في مأساة الغناء، بقدر ما يضعنا في مواجهة مدى تفكك المجتمع العربي واعتماده على أدوات تمكين للذات واستمرار بها تنمّي تخلفه باضطراد.
لكن الجانب غير المسمى والمغيَّب في ” اللعبة ” هذه، يحفّزنا على توجيه مسارها، أي حين نواجه أنفسنا كردياً، ونتساءل: هل الفن الكردي، والغناء منه ضمناً بالمقابل، في الوضع الذي يشفع لأي منا في أن يشهر ” تهمة ” العنصرية ودون رادع أو تحديد ويوجهها إلى الجمهور العربي أو العرب، لتحضر خاصية المؤامرة بمفهومها السلبي، وترجمة معايشة انفعالية وليس عقلية سوية كثيراً لما يجري؟
الجمهور مفهوم كتَلي، محكوم هو الآخر، وهو متنوع في مكوناته، ولا يجب أن يقيّم حسابياً، أو بالطريقة الاعتباطية هذه، وفي وسط متردٍّ في مجمل ما يميّزه فناً وثقافة، ويعيش مخاوف من الأعظم عربياً، وهذا ينطبق على الجمهور الكردي، إن أجيَز ذلك، باعتباره غير منفصل كما يراد له عن الجمهور العربي في الكثير مما يتعرض له أو يتلقاه من مؤثرات له صلة بـ” الحقن ” الإيديولوجية، وكيفية تجميل الرداءة، وتسويق السيء أو حتى القبيح تحت مسوغات قوموية أو شعبوية، أو لأن القيمين هكذا يريدون .
إزاء ذلك، ينهض السؤال التالي: من كان يعرَف عمار الكوفي في إقليم كردستان العراق بالذات، كما ذاع صيته في ” أرب أيدول “؟ وهل جرى الاهتمام به من خلال هذا البرنامج من باب الاهتمام بصوته، أو كونه كردياً، ولتعزيز الوصفة القوموية أو لتسويق جانب مضخَّم شعاراتياً بالمفهوم العقَدي التحزبي  والشعبوي ؟ ليكون عمار الكوفي بالذات ضحية اسمه قبل أن يكون ضحية صوته الجميل ؟
عمار الكوفي، وكونه تحمس كثيراً، لم يتردد في التغني بالبيشمركة، حيث كان التصفيق من الصالة، ولا بد أنه أخطأ في هذا الحماس، ليس لأن التغني بالبيشمركة خطأ، وإنما لأن الإجراء هذا، وفي الوقت الذي نشهد مقاومة ضارية كردياً للإرهاب الداعشي وغيره، ومن قبل البيشمركة وقوات الحماية الشعبية الكردية وغير الكردية، لا يخفي ما يترتب عليه من استفزاز في الحال أو من خلال التصويت، إذ الكردية كلغة تستقز هنا وهناك، ولا بد أن نسبة استفزت داخل الصالة وخارجاً، جرّاء الغناء الكردي وفي قناة عربية، وهي متأثرة بهذه التوجهات التي لا يمكن أن تصحح بالسهولة هذه وخلال زمن قصير .
ضمناً، عمار الكوفي، الذي رأيته قبل سنوات، وانترنتياً، وهو بعمره الفتي، يغني أمام لجنة تحكيم كردية، وفي برنامج كردي للهواة، على نمط ” أرب أيدول “، وكان الدكتور محمد عزيز زازا ضمن اللجنة” دكتوراه في الموسيقى “، كان الثناء عليه من الجميع، بعد ذلك، ماذا قدّم لصاحب الصوت الجميل، صوت المكافح، العامل اليدوي، لينال حقه، ويطرب كرده كما يجب ؟ ألا نجد نمواً مضطرداً في الفن الرديء، وفي الغناء الكردي حصراً هنا وهناك؟ حيث يبرز كم هائل من الأصوات التي تقتحم علينا حرمة بيوتنا، من خلال قنوات مختلفة ؟
هذا يعني، أن علينا ألا نطالب الآخرين كثيراً بما نريد، حيث نعجز عن تقديم ما نريد ؟ الكُرَة- في الحالة هذه- في المرمى الكردي .
لنرى أي موقع سيحل فيه عمار الكوفي بعد الآن، أي فن تدار شئونه، وأي نجومية ستفرض نفسها أو يروَّج لها كردياً . ذلكم هو الرهان!

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني

مقدمة:

الأديب يعشق الكلمات، والكلمات تعشق الوحدة.

والوحدة… لا تتزوج جيداً.

هذه حقيقة قديمة، مؤلمة، لا يجرؤ معظم الأدباء على البوح بها. لكن جروحهم مكتوبة بين سطور نصوصهم. وفي المجتمعات الشرقية، حيث الزواج قدسية والطلاق وصمة، يصمت الأديب أكثر. لكن نصه… لا يصمت أبداً.

الجزء الأول: الغرب – حيث صرخوا بألمهم

فرانز كافكا: العاشق الذي هرب من الحب

لم يتزوج…

بدعوة من الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، نظّمت لجنة الأنشطة في الاتحاد ندوة أدبية وحفل توقيع للمجموعة القصصية الأولى للروائي الكردي عبدالسلام نعمان، بعنوان “زوجتي الأخيرة كانت عاهرة”، وذلك في قاعة الأنشطة التابعة لمنظمة كاريتاس بمدينة إيسن الألمانية، يوم الأحد 5 نيسان/أبريل 2026.

وشهدت الفعالية حضوراً لافتاً من…

صدرت حديثاً عن دار الزّمان بدمشق المجموعة الشّعرية الثّانية «أوراقٌ تقودُها الرّيح» للشاعرة السّورية ندوة يونس، وتقع في نحو 128 صفحة من القطع المتوسّط، بغلافٍ أنيق للوحة للفنانة التشكيلية د. سمر دريعي ومن تصميم الفنان جمال الأبطح. يُذكَر أنّها أصدرت مجموعتها الأولى «النّبض المرهق» سنة 2021م.
كتب مقدمة هذه المجموعة النّاقد صبري رسول بعنوان «مغامرة…

كردستان يوسف

أنا خبز الصباحات الجائعة
تأكلني الحروب كل فجر…
تفتتني أصابع الجوع
ويعجنني الدمع
في صحون الفقراء
قلبي…
كأنه عجين من حنين وملح
يختمر في دفءِ الأمهات
وينضج مثل صلاة
في صدر المساء

يا أيها الغارقون
في قداسة الجمعة…
وفي صلوات التراويح…
أَتخافون الله
وقلوبكم سكاكين؟
تقطعون أوردة النساء
وتحرقون القصائد
النائمة
في حقائب النازحات…

أنا امرأة…
حين خانها الجميع
بقيت
تغسل الليل
من عتمتكم
وتفسح المكان البهي
لراهبة
تسكن محراب ضفائري
تصلي…