فرمان صالح بونجقاستخدم إبراهيم محمود تقنيات عديدة ومتباينة في نسج نصوصه القصصية ، لإبراز ” المشاعر الحيوانية ” إن شئت ، وقد أُسقطت هذه التقنيات على مناحٍ أربع . ففي النموذج الأول ، استبدّ بالقصة الحوار الحيواني ــ الحيواني ، المشحون والمتدفق بالعاطفة وأشجانها ، ولم يكن الإنسان أحد أطراف هذا الحوار ، كما في قصتيْ : “الأسد وآلام ماضيه ” ، و “الثعلب المستغرق في الضحك ” . وفي النموذج الثاني ، كان الإنسان والحيوان طرفين في حوار غير متكافئ ، استطاع الحيوان فيه أن يثبت ذاته الحيوانية ، ويهزم الكائن الإنسان ، كما في قصتيْ “الحمار الذي آلمته صحبة الإنسان ” ، و “دجاجات تستجوب الشاعر جكرخوين” . واستند النموذج الثالث إلى الحوار الداخلي ( المونولوج الداخلي ) المتخم بالصور ، كما في ” الفأر ذو البلاغة ” ، و “ولعصفور الدوري مآسيه المحفوظة أيضاً ” . وكان لأسلوب الخطابة أيضاً نصيبه ، كما في قصة ” الفرس وتعبيراتها الخاصة ” .
استطاع الكاتب إبراهيم محمود وعلى صعيد اللغة ، أن يتفرّد في استنباط مصطلحات لغوية ذات دلالاتٍ عميقة ، وخصوصية حميمة مع الحالةِ الموما إليها ، في تناسق رشيق محبب لا يتنافى مع الذوق الإبداعي في توصيف شذرات من الحالة الحيوانية ، كقوله : طرباً بهيمياً ، كاد أن يقاطعه ديكٌ بكوكأته ، الإيقاع الزئيري الأنثوي ، لتنحدر دمعتان كلبيتان ، ما عليك إلا أن تضحك ضحكتك الثعلبية ، كما لو أنه يعرفني أكثر مما أعرف فأريتي ، عباءته الشوكية ، يا زوجتي الثعلوبة الجميلة ، الكلام البومي ، وغيرها وغيرها الكثير . ناهيك عن حالة التكيّف الرقيقة لغوياً ، مع خصوصية كل حيوان من حيواناته ، التي هي أكثر من أن نحصيها .
ولا يسعني في هذا المقام ، إلاّ أن أقتبس جزءاً يسيراً من قصة “النحلة بشهادتها المؤثرة ” : ( إن شهادتي تكون في مؤخرتي . ولا يمكنني تذكر كمية العسل التي نهبها مني ومن أخواتي النحلات ، إلاّ أن المهم هو أنه لم يكن يشبع من طلب المزيد ) .
( التصقت القطة الأنثى بالقط الذكر ، وشبكت ذيلها بذيله ، وقد امتدا على طوليهما ، كما لو أنهما يشكلان ضفيرة واحدة ) . كما في هذه الحالة التصويرية ، التي لجأ فيها الكاتب إلى إبراز علاقة التآلف بين القط وقطته ، فإن القارئ لهذه المجموعة القصصية ، سيرتطم مجدداً ومجدداً بالمزيد من تزاحم الصور الشعرية التشبيهية التي أسس عليها تداخل حيوات حيواناته ، والتي بلغ تألقه فيها إلى الذروة .
رسالة الكاتب في هذه المجموعة القصصية ، لا لبس فيها ولا مواربة ، فهي التي أي رسالته ، وبلغة حيواناته ، وعبر سيَّرها ، أجهزت على إدعاءات الإنسان ، في عمق ثقافته ، وفكره ، وسلوكه ، و طعنت في جوهر حضارته ، التي ما فتئ يتغنى بها ، ويمجد نفسه بها ، وهو الذي أوصل ذاته إلى حضيض ما دون حيوانات إبراهيم محمود .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المجموعة القصصية تقع في 156 صفحة من القطع المتوسط ، صدرت عن مركز كلاویژ ــ
إقليم كوردستان العراق ــ التصميم جبار صابر .

التعليقات (0)