الطريق

ابراهيم محمود
أيقظ أفراد عائلته، الواحد إثر الآخر، منذ الصباح الباكر، بادئاً بزوجته التي عانت منه كثيراً، ورغم ذلك بقيت مخلصة له. خاطبها، لأول مرة، ومنذ زواجهما ذي الخمسين عاماً، بأرق الكلمات. استيقظت وملؤها خوف متوقع منه. مرَّر يده على رأسها بلطف على غير العادة. أعلمها أن طريقه طويل، وعليه أن يمضي باكراً. أنقدها مبلغاً من المال، لشراء ما يلزم. كان كبيراً جداً، حيث أخذته وهي ذاهلة عما يجري. نهضت من فراشها الذي كانت تنام فيه وحدها منذ سنوات طوال، ويكون هو في فراشه المجاور، وفي غرفة ممنوع دخول أي كان إليها. 
تهيأت للذهاب إلى المطبخ كعادتها، لكنها أمسك بها من مرفقها بلطف على غير العادة: لا تتعبي نفسك، أنا سأعدّ الفطور بنفسي. أيقظتك لأعلمك بسفري فقط، وأسلّمك مفتاح ” خزنة ” المال في غرفتي، لتأخذي منه ما يلزم، وأعدك أنني عندما أرجع، سنعيش حياة جديدة. لم تنبس ببنت شفة وهي في ذهول. كان هو نفسه، هو نفسه الذي لم يحصل أبداً أن أعلمها بالوجهة التي يقصدها، أو يسلّمها مبلغاً كبيراً كهذا من المال. أما عن مفتاح ” الخزنة ” فلأول مرة تراه وتلمسه .
بالطريقة نفسها، أيقظ أفراد عائلته جميعاً: أولاده وأحفاده، وهم في ذهول أيضاً. قبَّل الصغار منهم، واحتضن الكبار فيهم، وهو يبتسم، ويعلمهم بطريقه الطويل على غير العادة. كانوا في ذهول أبقاهم في حيرة من أمرهم طويلاً. لم يتمكنوا من الكلام بسبب ذلك. أيعقل أن يكون هو. نزل الدرج، كانت خطواته هادئة لحظة نزوله. ثمة من سارعوا إلى قطع الشك باليقين، ووجهتهم: غرفته. كان بابها مفتوحاً، وسريره مرتباً. إنه هو نفسه. بعضهم نظروا عبر نوافذ البيت، رأوه خارجاً وهو ينظر إلى الأعلى، رفع يديه مودعاً إياهم على غير العادة، حتى وهو ينطلق بسيارته الغالية الثمن. هو نفسه من فتح باب الحوش على غير العادة .
كان بيته فخماً في كل شيء: بناءً وموقعاً وهو بشكله الدائري ليتمكن من الطواف حوله، وينظر إلى الجهات كافة، وهو مشيَّد على تلة صلبة تسمح برؤيته من مكان بعيد .
التقى بالماضين من أهالي قريته إلى أعمالهم، في الحقول وغيرها. لم يسرع هذه المرة، وهو ما أثار ذهولهم، وهم يقفزون إلى جانبي الطريق. كان يسلّم عليهم بصوت ملؤه حب، أركبَ البعض منهم، وهم في استغراب. فالرجل يعتبر من أكثر الرجال غرابة في المنطقة، ولم يحصل أن سلَّم على أحد، أو خاطبهم بهذه اللهجة. أكثر من ذلك، نزل من سيارته أكثر من مرة، حين رأى صغاراً مع أهاليهم، وهو يمرر يده على رؤوسهم بحنان غير مسبوق، وأنقدهم نقوداً، عارضاً خدمته عليهم. أكثر من مرة، وهو في طريقه الطويل، كان يتوقف، أو يبطىء في سرعته ليسلّم على من كانوا في الطريق، وهو يقلهم بسيارته. لأكثر من مرة، أركب كثيرين، وأنزلهم حيث يريدون. كلما أنزل أحدهم يتمنى له السلامة وفي مواقف متتابعة. لم يحصل لأي منهم أن رد عليه السلام، لأنهم جميعاً كانوا كأفراد عائلته في ذهول تملَّكهم طويلاً. كانوا ينظرون إليه بعمق، وهم غير مصدّقين لما يجري. ويبتسمون بصعوبة، جرّاء ذلك .
في كل مرة كان يقول: نحن أهل، بيتي مفتوح لكم، وأنا في خدمتكم. ما نفع المال إن لم تساعد به الآخرين . وإذا رجعت سوف نجتمع، لنخطط للآتي معاً، علينا جميعاً أن نتعاون فيما بيينا، فهناك الحساب .
لم يكن في مقدور أي كان، بدءاً من أفراد عائلته تفسير ما يجري، وهم إزاء رجل معروف بتعاليه وحتى غطرسته، ثمة من شك في أمره، إذ قد يكون شبيهاً له ، حيث يخلق من الشبه أربعين، كما يقال .
مساء، انتقل خبر وفاة الرجل الغريب الأطوار، في المنطقة كلها، وهو في سيارته التي أوقفها على جانب طريقه الطويل، وكانت عيناه مفتوحتين وهما تنظران إلى الأمام !

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…