قصة يان (Jan) .. مقطتف من رواية ستصدر قريباً

هوشنك أوسي
اختار يان (Jan) عمداً أحد الفنادق الرخيصة في حي آكساري، ليس لأنه عاجز عن دفع نفقات الإقامة في أحد فنادق الاحياء الاسطنبوليّة الراقية، بل لأنه أراد التجوال في هذا الحيّ المشهور بالمجرمين والمحتالين والمهرّبين والباعة المتجوّلين والشحّاذين وبيوت الدعارة والمومسات اللاتي تقفن على الجسور والمعابر، تقدّمن عروض أسعارهن على المارّة بغية اقتناص زبونٍ عابر. ففي حي آكساري، وأحياء اسطنبوليّة فقيرة أخرى، يمكن أن تعثر على دياربكر ومدن كرديّة أخرى، عبر العثور على أكراد نزحوا إلى المدن الكبرى، بعد أن احرق الجيش التركي قراهم، لأنهم رفضوا حمل سلاح الدولة ومواجهة أبنائهم المنخرطين ضمن حزب العمال الكردستاني.
ما زال على موعده مع أوميد أربع ساعات. هذا الموعد الذي يجمع بين شخصين لم يلتقيا منذ ما يزيد عن 13 سنة، من 1990 ولغاية 2003، سيكون اللقاء منعطفاً نحو الماضي وما حفل به من ذكريات، أو ربما يكونُ فيه شيء من النوستالجيا الثوريّة واليساريّة التي أودت بها الخيبات والانكسارات. هكذا كان يان يتصوّرُ أو يظنّ ويخمّن اللقاء. 
رغم توفّر الحافلات في موقف “يوسف باشا” في حي “آكسراي”، وتوفّر قطارات المتيرو أيضاً، إلاّ أن يان أراد أن يقطع المسافة من آكسري باتجاه حيّ بيأوغلو مروراً بجسر غلاطا، وصولاً لساحة تاكسيم ثم شارع الاستقلال، سيراً على الاقدام. ابتسم في وجه المموسات اللاتي استوقفنهن، وافتعل أنه لا يفهم التركيّة. إحداهن كانت في منتصف العقد الرابع من عمرها، متواضعة الجمال والتبرّج، واقفة إلى جانب عامود إشارة المرور. الناظر إليها من الجهة المقابلة، يظن أنها تنتظر ان تصبح الإشارة خضراء حتّى تعبرَ الشارع. لكنها كانت واقفة ولا تعبره، وتتحدّث بصوتٍ منخفضٍ ومسموع، وسط ضجيج الشارع وأصوات السيّارات والمارّة. اقترب منها يان، فقالت له: “بخمسين ليرة فقط. أقضي معك النهار كله. وأفعل لك ما تشاء، وتفعل ما تشاء. الطعامُ والشرابُ عليك. بخمسين ليرة فقط”. فوراً عرف يان أن لكنتها ليست اسطنبوليّة وتشبه لكنتة الكرد أثناء تحدّثهم بالتركيّة. ظنّتْ صمتَهُ نذيرَ تقبّلٍ واستجابة، فخفّضت السعر قليلاً إلى أربعين ليرة، وذكرت أنه “سعر مناسب جداً”. استمرّ يان في صمته وابتسامته. خفّضت السعر إلى ثلاثين ليرة. بقي يان صامتاً ومبتسماً. امتلأ حلقها بالدمع وصارت تتحدّث بصوت مرتعشٍ متهدّجٍ ومتوسّل، واستمرّت في التفاوض والمساومة على جسدها، وحبست دمعتها بقسوة، وقالت: “بعشرين. بعشرين ليرة فقط. لن تجد هكذا سعر في كل اسطنبول”! ولم تستطتع تمالك نفسها وأعادت ذكر السعر: “بشعرين أيها الكلب، فقط بشعرين أيها الخنزير القذر. أتريد أرخص بعشرين ليرة أيضاً؟! ألهذه الدرجة جلعتنا الحرب رخصينين في نظركم يا أوغاد، يا أولاد القحبة؟!” وصارت تضربه بحقيبتها الصغيرة وبكلتا يديها. لم يتمالك يان نفسه، وبكى معها أيضاً، وقال لها بالكرديّة: “لا تبكي يا أختي. لا تبكي يا ابنتي. تعالي. لا أريد منكِ شيء”. حاول تهدئتها وتجنّب ضرباتها، واحتضنتها وسط جمهرة الناس، ووضع في يدها ورقة نقديّة تركيّة بقيمة مئتي ليرة. وحين سمعت صوته يتحدّث إليها بلغتها الأمّ، بكت أكثر، وشعرت بالندم والعار والخجل، وأرادت لو انشقّت الأرض وابتعلتها. مسك بديها وهي تواصل البكاء مطأطأة الرأس، ويدها الأخرى على وجهها. ظنّ المحتشدون بأنه يأخذها إلى حيث يريد أن يقضي معها ليلته. ولكنهما جلسا في أقرب مقهى. وطلب ماءاً وعصيراً لها، وفنجان قهوة لنفسه. وانتظر حتى تهدأ وتشرب الماء وتمسح دمعها، كي تباشر الحديث. اعتذرت منه على الشتائم التي وجهتها له وقالت:
– مضى يومان، وأنا أقف أمام إشارة المرور تلك، ولم يحنَّ أي وغدٍ بأن يأخذني إلى زواية قذرة حتى أفرّغَ له قذارته ودناءته في جسدي. اعذرني على هذه الوقاحة في الكلام. هذا الكار جرّدنا من الأخلاق والكلام النظيف. أنا أيضاً في يوم ما، كنتُ أتحدّث عن الشرف والحريّة والعدالة. وها أنت تراني الآن، أبيع الشرف، كي أعيل أسرتي، أو ما تبقّى من أسرتي.
أخرجت سجارة من حقيبتها، وأشعلتها وأخذت نفساً عميقاً. ما زال جسدها يرتعش قليلاً، ليس من البرد، بل من الخجل والحزن والأسى والاضطراب. شعر يان أن وراء هذه المومس المسكينة تراجيديا كبيرة ومؤلمة. 
سألتهُ: أنت كردي، ولكن من أيّة منطقة؟
– أنا كردي، ولست كرديّاً.
– كيف؟ لم أفهم ذلك؟!
والدي بلجيكي، وأمّي كرديّة من دياربكر. وأنتِ؟
أنا من قربة نائية تابعة لمنطقة باشكاله في محافظة “وان”. هل سمعت بـ”وان”؟
– نعم، طبعاً سمعت بها، وزرتها. زرت بحيرتها العظيمة. ورأيت جبل سيبان خلاتي.
– أنتَ زرتها سائحاً، ولم تعش جحيمها. جحيم الحرب فيها. الحرب التي جرّت قدميّ لأتونها، وأخذتني من بيتي ورمت بي في ما أنا فيه وعليه الآن. 
أخذت تمتصّ عقب السجارة كنحلةٍ تمتصُّ دمَ زهرةٍ ورحيقها. وأضافت:
تزوّجت في السادسة عشرة، من ابن عمّي الذي يكبرني بأربع سنوات. ولم يدمْ زواجي سنتين. التحق زوجي بالمقاتلين في الجبال سنة 1986. لم أنجب منه أطفالاً. روّجت أمّه بين نساء ورجال القرية؛ أن العيب منّي وليس من ابنها، ولم أشأ إخبار أحد، حتى أهلي، بأنه عديم الانتصاب، حرصاً على كرامةِ زوجي. كان والداه يعرفان مشكلتهُ، ويعرفان أنني لم أبح بسرّه. ومع ذلك، روّجا الأكاذيب حولي. لم يكد يمضي سنة على وجوده في الجبال، قُتِلَ في إحدى المعارك. بعد مرور ستة أشهر، وبحكم العادات والتقاليد، زوّجوني من شقيقه الذي يصغره. تزوّجني مكرهاً وعلى مضض، لأنه كان يحبّ فتاةً أخرى. كان يهينني ويحتقرني. أنجبت منه طفلين. هذا الطفلان أثبتا كذبَ حماتي وما كانت تُشيعه عنّي في زواجي السابق. استمرّ هذا الزواج القسري ثلاث سنوات، ليلتحق هو أيضاً بالجبال، تحت ضغط شعارات ضرورة الثأر لدم شقيقه، وأنه يريد تحرير كردستان وتحرير المرأة… إلى آخر هذا الكلام الذي كان وما زال يقال، وينخدع به الناس! هو أيضاً قتل سنة سنة 1992. لكن الحزب قتله، لافتضاح علاقته مع مقاتلة أخرى. لم يخبر الحزب العائلة أن ابنها قُتِلَ لأنه خان مبادئ وأخلاق الحزب عبر إقامة علاقة مع مقاتلة أخرى، بل قال: “إنه استشهد في معركة بطوليّة إثر وقوعه ورفاقه في كمين نصبه الجيش التركي وميليشيات حماة القرى المرتزقة التي تحمل سلاح الدولة!”. وفي ما بعد، عرفتُ حقيقة مقتلهِ. من سنة 1990 ولغاية مقتل زوجي الثاني، التحق بالجبال من عائلتنا فقط، خمسة أشخاص آخرين؛ أختي وأخي الذين يصغراني، وأخت زوجيَّ السابقين، واثنين من أولاد عمّ زوجي. في مطلع التسعينات استشرى وباء بين أبناء قريتنا والقرى المحيطة اسمه اللالتحاق بالثورة. وصار الدمّ يستدّر ويستجرّ دماً آخر. حين يسقط شهيد، يتمُّ تحريضُ أهله على ضرورة عدم ترك سلاحه على الأرض، ووجوب حملِ هذا السلاح، حتى آخر قطرة من الدم، دفاعاً عن الشرف، وفي سبيل تحرير الوطن من الاعداء الاتراك، وتحقيق أهداف الشهداء في الحرية والاستقلال! وهكذا، اتسعت المقابر، وتقلّص حجم الوطن. هكذا تحوّلت الثورة إلى طاحونةٍ تطحننا، وكي تبقى تدور، لا مناص من استمرار تدفق دمائنا في ساقيتها. هذا الوباء أو هذه الهستيريا أصابتني أيضاً. لم أعد احتمل ذلّ وإهانة حماي، الذي هو عمّي أيضاً. اعتبرتني حماتي عاراً وشؤماً حلّ باسرتها. هذا ما كنت اسمعه يوميّاً على أنني السبب في قتل ولديها، وأنني “أكلتُ رأسهما”، كما يقال في الكرديّة الشائعة.
……. … ….. ……. .. … ……!
=============
التتمة والكثير الكثير من القصص، في الرواية التي ستكون في متناولكم قريباً
——— 
عن صفحة الكاتب:

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…