ماذا فعل المربع الأمني بغربي كردستان؟.. الجزء الرابع

د. محمود عباس

    الفروع الأمنية الحاضرة والطاغية على المنطقة الكردية، وليدة مراحل تاريخية سابقة، تمتد جذورها إلى فترة سيطرة الفرنسيين عليها، وطريقة تعاملهم مع الشرائح الموجودة فيها، والتي استفادت من مخططاتهم السلطات الشمولية المتتالية على سوريا بعد تكوينها، وشكلت على نهجهم الفروع الأمنية، ولمعرفة أساليب السلطة الشمولية الحاضرة وخباثة فروعها، لا بد من عودة سريعة لماضي المنطقة، والخلفية التي أوصلتها إلى الجاري الموبوء.
 أدت عمليات تجريد المجتمع الكردي من قياداته، وعزل العائلات الكبرى عن محيطها، إلى تهشيم العمود الفقري لبنيان المجتمع في فترة زمنية معينة، رغم ما سبقتها من تحركات قومية، عفوية من قبل رؤساء العشائر الكردية، وبتخطيط من قبل قيادات مثقفة كانت على دراية سياسية، واطلاع على التحركات الدولية الدبلوماسية ومصالحهم.
شكلا معا في بدايات القرن الماضي منظمات عشائرية-سياسية لها أهداف كردستانية، ووضعا البذرة الأولى، بعد انتهاء فترة الثورات المتلاحقة في معظم مناطق كردستان، للحركات الكردية القومية المتأخرة والأحزاب التي تكاثرت فيما بعد تحت أجندات السلطات الشمولية.
 لاشك الواقع الجاري للمنطقة الكردية وليدة أخطاء ذاتية مدموجة مع الظروف الموضوعية التي فرضتها القوى الكبرى المحتلة للمنطقة، وفي بعد آخر، كانت معظم تلك الأخطاء الذاتية مفروضة تحت ظروف اقتصادية وثقافية قاهرة، ومدموجة مع الظروف والعوامل الموضوعية وبمنهجية القوى المسيطرة، إلى جانب الوعي القومي الديني التي لم تمكنهم من تفاديها، مع كل ذلك وفي بدايات القرن الماضي بقي الرباط بين الحركات العشائرية –السياسية في سياق خارج متطلبات الدول الاستعمارية للمنطقة، وعلى أثر تلك الاستقلالية العشائرية، وخلفية العزلة الثقافية الطويلة بعد الثورات، نبتت ثقافة كردية منعزلة عن الخارج، والتي كانت سببا في عدم معرفة دمج مصالحهم القومية مع أهداف المستعمر الفرنسي القادم بشكل خاص للمنطقة، الحامل لمخططات دينية أكثر منها قومية، فأدت إلى تصادمات مع القادم الغريب إلى المنطقة الكردية، إلى جانب أن البعض الكردي نظروا إليه كمستعمر من المنطق الإسلامي، وليس من المفهوم المعمر والمتمكن على تغيير الحاضر، مثلما استغلها أبن حسين الهاشمي  فيصل الأول، عندما قدم العروبة على الإسلام، في خطابه عام 1918 في مدينة حلب، قائلا بما معناه، لن اسمح بعد اليوم لأحد أن يقول هذا مسيحي أو هذا يهودي فكلنا عرب، لقد وجد العرب قبل الإسلام، وهذه المقولة دليل على تعاونه الوثيق مع بريطانيا ضد العثمانيين.
عدم قدرة الكرد على بلوغ ما حققه الملك فيصل الأول، تعود إلى حالتين، الأولى لأن المثقف الكردي والسياسي حينها لم يكن يملكا الإمكانيات الضرورية، مع غياب الظروف الذاتية الملائمة لتشكيل قوة من العشائر الكردية وزعمائها للوقوف أمام فرنسا، وإرغامها على التعامل معها مثلما تعاملت بريطانيا مع العرب، والثانية: الموضوعية، انعدام تلك القوة الكردية الموالية، وضعف الوجود الكردي العام، حركت فرنسا للبحث عن قوة بديلة في المنطقة سهلة الانقياد والإملاءات لتحافظ على مصالحها.  
  لذلك سخرت فرنسا جزء كبير من قواها لتسليط الكردي المسيحي على الكردي المسلم، وتهجير الكردي اليهودي من القرى إلى مدينة قامشلو المنشأة حديثا، وعملت على هذا المنهج طوال سنوات وجودها في سوريا، ساندت الشريحة المسيحية، في كل أماكن تواجدهم، وأثارتهم ضد العائلات الكردية المسلمة المتنفذة، والذين كانوا في عمقه التاريخي من نفس العشائر، والخلاف بينهم كان مذهبيا، وهي بذاتها لم تكن يوما دافعا لصراع أو تصادم ما.
   حاولت فرنسا منذ ظهورها في المنطقة تسخير الكرد المسلمين لتسيير أجنداتها خارج منطقة نفوذها، وبناء منطقة ذات حكم ذاتي تحت أمرة الطائفة المسيحية في شمال شرق سوريا، لغياب القوة الكردية المنظمة، القادرة على حفاظ مصالح فرنسا في المنطقة، رغم النسبة السكانية الضعيفة، ولإدراكها لهذه المعضلة الديموغرافية قربت لذاتها بعض العائلات الكردية ودعمتهم ماديا، وخلقت علاقة بينهم وبين قادة التحرك المسيحي المفتعل، وتحت حجة بناء منطقة ذاتية مشتركة، بدون أن تذكر يوما وبشكل رسمي لا شفهيا ولا كتابيا، عن منطقة كردية ذاتية، فدفعت بتلك العائلات، وبدعم مادي ضخم بالنسبة لتلك الفترة الزمنية، على مساندة مباشرة لرفع شأن الأقلية الكردية المسيحية، وهذه العملية عززت الجانب المذهبي لديهم على حساب الجانب القومي الكردي، وأثارتهم إلى أن ظهرت، ثورة إبراهيم هنانو كثورة وطنية سورية، وأحداث عاموده، وكرد فعل قصفت فرنسا المدينة بالطائرات، وهجرت عائلات كردية، ولاحقت رئيس عشيرة الدقورية، بعد حدوث عمليات نزوح المسيحيين من المدينة ومن المنطقة. قبلها بسنوات كانت ثورتي بياندور ودياري (مالا عبيس) المسمى فيما بعد بدياري توبي، والتي أدت إلى غياب الفرنسيين عن المنطقة الشرقية حتى عام 1927، وفي هذه الفترة عقد مؤتمر خويبون الأول في قرية دوكر…

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكيةmamokurda@gmail.com

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…