الثقافة الرفيعة وسبل وصول المجتمعات إليها

  الفنان التشكيلي خليل مصطفى

إن جمالية الحياة في المجتمعات تكون مرهونة بسلوكية أفرادها . وكي يكون المجتمع جديراً بالحياة ، فليس من بد لأفراده (خاصّة المقتدرين ـ السَّدَنَة ـ ) ، سوى أن يملئ كل منهم قلبه بالمحبة . وبالتالي لينضح بالإيثار والعدل والتسامح للصالح العام .! وعليه فالسلوكية اليومية (المنتظمة) لأفراد أي مجتمع هي شكل من أشكال ثقافة مجتمعهم .!؟ فالسلوكيات الجميلة لأفراد المجتمع هي الدَّالة الوحيدة المعبِّرة عن الثقافة الرفيعة التي تُمَيّزُ مجتمعهم عن المجتمعات الأخرى، ويصحُّ العكس بطبيعة الحال. لأن الحال يقتضي ذلك، لكون سلوكيات الأفراد مرتبطة (ومنسجمة) مع المبادئ العامة للمجتمع، وبالنتيجة المنطقية : فالحياة الجميلة المتوفرة عند أفراد المجتمعات الراقية، هي نتاج نهج مُنتظم للسلوكيات الصحيحة التي ينتهجها كل فرد (مُقتدر) من أفراد مجتمعاتهم ، للصالح العام (لا لصالح فرد أو مجموعة أفراد) ، والعكس صحيحٌ أيضاً ، كما في حالة المجتمعات المتهالكة ( السكرانة).!؟
إن الهدف الخاص للمقالة (هذه) هو تحديدٌ (بحث وإيجاد) للسبل المؤدية لحياة مجتمعية جميلة يرتاح أبناء المجتمعات خلالها في علاقاتهم اليومية ، وعليه (إذاً) : فالمجتمع المتهالك ثقافياً (حيث القيم والمبادئ الإنسانية فيه معطوبة) يتوجب على أفراده مراجعة ذواتهم ، وغسل قلوبهم وتصفيتها (كما يقول الفلاسفة) ، وبالمعنى الأصح (يتوجب) : على كل فرد (في مجتمعات الشرق الأوسط) أن يُعزز إيمانه بالله (وعند المجتمعات الأخرى : الإيمان بالدولة والالتزام بقوانينها) .!؟ فالإيمان هو أساس عزة النفس. لأن الفرد المؤمن (الإنسان المثقف بالتحديد) تتولد لديه معرفة الأشياء كلها ، وبالتالي تتعاظم عنده استطاعة التمييز بينها . لأنه (الإيمان) وحده يُعطي ويُقوي البصر والبصيرة ، ويدفع بالإنسان (الفرد) إلى إحقاق الحق ، وتعزيز المساعي لتغيير حياة المجتمعات إلى الأفضل .!؟
لقد خُلق الفرد (الإنسان) بالفطرة الإلهية مؤمناً بالله ، ليكون خليفته في الأرض (وعند المجتمعات الأخرى : ليكون ملتزماً وأميناً على القوانين الوضعية للدولة) . ولكي يكون الفرد (الإنسان) جديراً بخلافة الله (أو : ملتزماً بالقوانين الوضعية وأميناً في تطبيقها) ، يتوجب عليه (يُطلب منه) البحث عن المعرفة (أولاً)، ثم المواظبة والإصرار في بحثه للوصول إلى تحقيق الأهداف الجميلة (بثبات) ودون تردد ..!؟ وبالنتيجة : فالفرد (الإنسان) بنقاء فطرته الإلهية السليمة (أو : بأمانته والتزامه بقوانين الدولة الوضعية ) ، والمدعوم برغبة المواصلة لاكتساب التعلم ، ومن ثم الثبات على الجدية والعمل ( توفر تلك الواجبات) يقود الفرد (الإنسان أياً كان من أفراد المجتمع) للتغلب على : الجهل والجمود ، ويقوي لديه الثقة بالنفس ، والأهم ( قبل كل ذلك) يجد نفسه (طوعاً وببساطة) مُجْبَراً على تقبل الآخر (المختلف عنه أو معه) ، وبالتالي فلا ولن يَظْلِمَ الآخر ، ولا ولن يُلغيه ..!؟ فالآخر (بالنسبة لَهُ) هو صاحب المعرفة والقدرات ، والشريك الذي لا بد منه .!! فالواجب الإلهي (أو الضرورة المجتمعية على ضوء القوانين الوضعية للدولة) يقتضي قبول الآخر على أسس علومه المعرفية وقدراته المميزة ، وتمتعه بثقة النفس ، والنوايا السليمة تجاه مفهوم الجماعة ، التي هي جزء مهم من المبادئ الإنسانية العامة (الجميلة) للمجتمع. والخُلاصة : فالأفراد المنتمين للمجتمعات ذات الثقافة الرفيعة هم يحترمون الآخر (أياً كان) لصفاته المميزة ، ويؤمنون بضرورة انضمامه إليهم لِيُكمل (لِيَسُدَّ) النقص الموجود في مجموعات العمل (أياً كان موقعها)، خدمة للصالح العام .!؟
إذاً : فالحقيقة (وهي مُرَّة في مجتمعات الشرق الأوسط) لو حقق أفرادها المُقتدرون (سَدَنة مجتمعاتهم) ذلك (تلك الواجبات) لكان (من الطبيعي) أن يرضوا بقبول الآخر المختلف عنهم (في الرأي أو العرق أو الدين أو المذهب) ، وبالتالي لتولدت المحبة بين أفراد مجتمعاتهم (تلقائياً) ، وساد التعاون فيما بينهم دون استثناء (داخل مجموعات العمل) . وبالنتيجة : لكان الرقي والتطور لازم مجتمعاتهم .!؟ والسؤال (وهو فج لو وجِّه لسدنة تلك المجتمعات) : أين حقيقة تطبيق تلك الواجبات ، على أرض الواقع في المجتمعات الحالية ، حيث الكثير (المرعب) الذي يشير إلى ردة فكرية منتشرة (خلل في إيمان الأفراد)، وتتسع انتشاراً في الأوساط الشعبية لمجتمعات الشرق الأوسط ، وحيثما توجَّهتَ ووقفت (أيها القارئ) ، ستجد الإنسان (الفرد من تلك المجتمعات) يقف منتصباً (مختالاً فخوراً) فَيَدَّعي أنه المؤمنُ والمثقفُ الواعي (الوحيد) ..!؟ وبملاحظة تجاربه اليومية (أقواله وأفعاله على أرض الواقع) ، هي (فقط) تُثبت بأنه رافض للحق وللعدالة ، ويرفض تقبل الآخر ..!؟ هو الواقع (الحالي) لكل مجتمعات الشرق الأوسط ، حيث الأفراد يسود فيما بينهم الحقد، والحسد ، والسلبية والتذمر ، والمزاجية ، والموالاة غير النزيهة ، والمحسوبيات المريضة، والترقب والحذر من الآخر .!؟ ولذلك (وإسهاما لإيجاد الحل) أعتقد : أنه لا بد من النقد والنقاش على أساس ما يسمى (الآن) بالديمقراطية ، ولا بد من توفر المثقف الواعي والمؤمن (بالله أو بالدولة وقوانينها) ، ولا بد من الابتعاد عن الصِدامْ والظلم ، ولا بد من التأمل في الواقع ، ثم لا بد من نبذ العنف بكل أشكاله . وبالتالي ( وعلى ما ذُكِر أعلاه) فمن الواجب والضرورة بمكان : أن يتم التوافق على وضع ميثاق عهد وشرف (داخل المجتمعات) ، يُلزم الجميع (بمن فيهم السدنة) بالعمل الجاد والمخلص على فرز الصالحين من الطالحين خدمة للمصالحة العامة (تحت طائلة المحاسبة الفعلية).!؟  فالمجتمعات الإنسانية أمانة في أعناق من يَدَّعي أنه ينتمي للطبقة المثقفة الواعية .!؟ لذلك وقبل أن انهي ما قَدَّمتُ (وكواجب عليَّ لا بُد منه) أجد : أنه من الأولى بالمثقفين والسياسيين (السدنة الحاليون على الساحات) أن يتنافسوا (فيما بينهم) على دفع الحسن ، بل الأحسن مما يمتلكون من قدرات فكرية هادفة وبناءة (كما يَدَّعون)، لكي يُعزِّزوا الثقافة الرفيعة عند أبناء مجتمعاتهم (عبر المحاضرات والندوات والكتابة في وسائل الإعلام) ، بدلاً عن دفعهم للسيئ من الأقوال والأفعال ، بل والأسوأ مما يختزنون خلال مواجهتهم للآخر المختلف عنهم (حضُورياً أو غيابياً) .!؟ ولأن المجتمعات الإنسانية أمانة في أعناق الطبقة المثقفة . بناء على ذلك ، ومن دواعي الحرص على مستقبل الأجيال اللاحقة لمجتمعاتهم ، أتوجه (شخصياً) : 1ــ إلى كُلٍّ (أياً كان موقعه .!؟) مِمَّنْ يرى ذاته (الخاصَّة ) معنية بالشأن الثقافي ، والمثقف ، وبثقافة المجتمعات ، ويجد لديه القدرة على تقديم الفائدة للمجتمعات الإنسانية .!؟  فأسألهم : عن رأيهم (الشخصي) في اختيار التصنيف الثقافي المناسب لثقافة مجتمعاتهم التي تضمهم وينتمون إليها .!؟ ومن ثم ليعرضوا (كل منهم على حدة) ما لديهم من أفكار وسبل ناجعة ، لكي ينتهجها أفراد مجتمعاتهم ، وبالتالي ليرتقي الأفراد بسلوكياتهم إلى حالة شبيهة بحالة أفراد المجتمعات ذات الثقافة الرفيعة ، ولينعم الجميع بحياة جميلة ..!؟ والرَّدُ المطلوب (من أصحاب الرأي) يكون مبنياً على ضوء مجريات واقعهم الذي يعيشونه (الآن) ، حيث يرون ويسمعون الأحاديث (الجدالات) الجارية بين أفراد مجتمعاتهم (حول : الشؤون الثقافية والاجتماعية والسياسية والوطنية والقومية، الخ ) في الأماكن العامة والخاصة ، مع ضرورة التنويه أن يكون ردهم : رأياً (علمياً) صريحاً ومحدداً بالسؤال (فقط) .!؟ 2 ــ إلى كل إدارات المراكز والجمعيات الثقافية و الاجتماعية (الخاصة و العامة) ، يُأمل منهم استضافة أصحاب الشأن من المعنيين بالثقافة المجتمعية ، ليقدموا كل ما من شأنه الارتقاء بثقافة الأفراد في مجتمعاتهم ، وبذلك يكون وجود قاعاتهم (خيرها) أفاد مجتمعاتهم .!؟  
… المقالة قابلة للنقاش

26/ 9 / 2012

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…