ومضات معرفية (2) منهج العمل الصحافي والسياسي والمنهج في العمل الثقافي

محمد قاسم ” ابن الجزيرة “
m.qibnjezire@hotmail.com

في المقال السابق حاولنا أن نعتمد معيارا للانحياز –والاستجابة- للجهود البشرية في ميدان المعرفة والوعي عموما ـوالتي تتبني الأسس المعرفية –الفلسفية (الثقافية) الباحثة عن الحقائق بمنهجية تضمن الموضوعية إلى الحد الأقصى الممكن في تكوين الطبيعة البشرية، ولكن هذا المعيار يحتاج إلى بعض توضيح ربما…
من مشكلات الوعي البشري (مستوى الثقافة) أنه ليس على درجة واحدة… أو مستوى واحد… بين الناس جميعا، وهذا يجعل الفهم مختلفا بشكل طبيعي. فما بالك عندما تتداخل عوامل إضافية مثل: الحالة الذاتية…نقص المعرفة… اختلاف الأمزجة والميول… والشكوك بنوايا الآخرين- وهذا له أسبابه في سياق الثقافة البشرية-…  غلبة النزوع الرغبي والمصلحي -الأناني والخاص-… ضعف التجربة وممارسة المفاهيم النظرية تطبيقا للديمقراطية مثلا… فضلا عن عدم الرغبة في  تطبيقها أصلا لدى المتضررين –بمعنى ما ..من ذلك…الخ.
ليتضح المبدأ –أو المفهوم-أو المعيار…لا بد من العودة إلى  التاريخ الموغل في القدم -البدايات- لفهم بعض ملامح مسار الوعي البشري؛ استنادا إلى تحصيل المعارف المكتسبة، وهي في سبيل البحث المستمر عن الحقائق في مختلف المستويات: العقلية البحتة، والواقعية –التطبيقية- وطبعا في الصلة التفاعلية القائمة بين المستويين العقلي النظري والتجريبي الواقعي –التطبيقي-.او بلغة الفيلسوف الألماني -إمانويل كانط-:” العقل النظري والعقل العملي” وهو عنوان لأحد مؤلفاته.
نلاحظ البداية عند اتجاه باحث سمي الشكاك –أو الريبيون-  في الوصول إلى الحقائق… قادها فلاسفة يونان عرفوا بالسفسطائيين ويقال أن “سقراط “كان آخرهم”  لكنه تميز عنهم بتباع منهج يتكئ على وجود حقائق ثابتة بخلاف أسلافه السفسطائيين.وكانت حجج السفسطائيين:
أن الحقائق الثابتة غير موجودة، وإذا وجدت لا يمكن معرفتها، وإذا عرفت لا يمكن تطبيقها والعمل بها.
 وهذا ما جعل هذا الاتجاه البحثي يسير متوازيا بوتيرة مختلفة -قوة وضعفا- مع الاتجاه الذي يؤمن بوجود حقائق ثابتة .حاول سقراط أن يؤكدها بقوة في الرد على السفسطائيين، وجاءت الأديان جميعا –السماوية خاصة- لتأكيد هذا، عبر معنى الإله الأبدي المتعالي المؤثر… وان اختلفوا حول طبيعة وحدانيته أو تعدده
المهم أن فكرة الإله حقيقة ثابتة بالنسبة إليهم،ومشتركة بين الجميع بهذا المعنى- وفيما بعد تأكدت حقائق مادية –افترض ثباتها- من خلال الجهود العلمية التجريبية…، لكن نظرية النسبية طالتها أيضا…
إذا هناك دائما اتجاه –او نهج- ملتبس؛ تحرر –أو انفلت- من سياق مبدأ البحث على أساس وجود حقيقة –أو حقائق-  ثابتة.
وتسلل بعض المنتفعون- بأية تسمية كانت- خاصة في ميدان الثقافة السياسية والتي تكون المصالح الاقتصادية إلى جانب الحكم وما يتعلق به ،وتبنت قيما ومفاهيم اعتمدت في السياسة بعنوان” العلم السياسي”  وأصبحت أساسية فيها، وفيما بعد هيمنت على مسيرة العمل الصحافي في شكل ما عبر (الإعلام الرسمي أو مؤسسات ثابتة لاتجاهات سياسية بعناوين مختلفة كما ظهر مؤخرا في اكبر مؤسسة إعلامية من الفضائح في بريطانيا.
هذا التوصيف أو التصنيف- إذا صح التعبير- يمكننا من الانتقال إلى الخطوة –أو المرحلة اللاحقة-  في التوضيح.
نحن الآن أمام اتجاهين في البحث:
–         نهج بحثي يسعى للوصول إلى حقائق، والكشف عنها، وإتباع مناهج موضوعية في ذلك، لتحقيق الضغط على النزوع النفسي الذاتي إلى أقصى حد ممكن وترويضه ،ضمانا للموضوعية والخضوع لقواعد عامة مشتركة بين البشر جميعا..مما يسهل اتخذها قوانين ضابطة للأنشطة عموما.. 
–         نهج بحثي يتجاهل –أو لا يؤمن- بالوصول إلى الحقائق، ويرى فيها ما يحقق لها ما تراه من مكاسب تحت أي اسم. وبالتالي فإن براعة التلاعب بالمعطيات لتحقيق التأثير في الاتجاه الذي يضمن ما يرغب فيه.وهنا لا بد من تذكر هل للأخلاق -بالمعنى الايجابي- دور في الحياة أم…ماذا…؟!
يترتب على هذا الفهم أن الحياة أشبه بملعب، المقتدر فيه يمرر كرته إلى الهدف بغض النظر عن ما ينتج من احتمالات الفوضى والتجاوز، على اعتبار أن الضوابط هنا ذات طبيعة ذاتية،
ونحن نحتاج –كما يبدو- إلى العودة إلى الجهد الذي يبحث في حقائق ثابتة  ويستند إليه  لإيجاد ضوابط مشتركة إنسانيا.تنظم الحياة وما فيها من علاقات وأنشطة….على هذا الأساس والفهم.
—————-

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…