قراءة في الأعمال المنجزة في سيمبوزيوم السليمانية الثالث في كردستان العراق «حنيف حمو» المهموم برائحة البلاد يجمع حبات التعب من حقل مقدس (6)

غريب ملا زلال
حنيف حمو علمه الفن أن يكون إنساناً حسب تعبير عمر حمدي، فهزه هذا الفن من العمق حتى باتت حساسيته تسبقه في التصريح عنه، لا ينفصل عن الفن حتى لا يخسر نفسه كما هو شأن الكثيرين، فثنائية الفن و الفنان هي ثنائية القوي بالقوي إن ضعف أحدهما ضعف الآخر، يوقن حمو ذلك، بل يهضمها قولاً و فعلاً، فما يحدث هناك له علاقة بما يحدث هنا، و إذا كانت الحياة بالنسبة للآخر هو الدفاع عن النفس فلحمو الفن هو سلاحه لا في الدفاع عن النفس فحسب بل تجميل هذه النفس و الطريق الذي يسلكه في ذلك الدفاع، و بهذه الروح يواجه المساحات البيضاء، لا يشغله موضوع معين ففي رأسه تتلاطم كل المواضيع، يدعها جانباً ينشد الخيط العفيف الذي يشده إلى ريشته، وحده سيسلمه للبياض متأملاً ألوانه و كأنه سيبحر بها في عيون من يحب، 
فحنيف حمو و بوهج روحي يلامس الأجواء، إن كانت أجواء السيمبوزيوم، أو أجواء فعل الخلق، هذا الوهج الذي سيظهر في لمساته السريعة منها و المشبعة بالحيوية و الحركة، أو في تلك الإيقاعات البطيئة المليئة بمدلولات تعبيرية تعكس إشاراته الساكنة و كأنها تحبس أغنية جبلية سيتلوها مغن ضاعت تضاريس وجهه في زحمة الزمن المر، و هنا أنوه بثيمة خاصة لحمو فهو قادر على تصعيد مفرداته، و اللونية منها على نحو أخص كدليل على سمو قدرته في إستنطاق البياض، و إشتعاله دون أن يكترث كثيراً بشظايا اللون و هي تذرف تحت فرشاته، فيحتفي بالنهوض حيناً، أقصد نهوض اللون من يقظته، و حيناً يحتفي برؤيته مباغتاً إياها في منعطفات كثيرة تغلب عليها المشهدية الدرامية بتناغم مع نزوعات إبتكاراته لطاقته و طاقة ألوانه معاً، فهو المهموم برائحة البلاد و مساحاتها الداكنة، بطقوسها الآفلة إلى الزوال، موظفاً ذاكرته و بسخونة المرحلة في إعطاء منتجه قيمة معرفية جمالية، و قيمة بنائية تتلظى على نوافذها حقول وجع يمتد من الشمال إلى ماشاء الله .
حنيف إشتغل في هذا السمبوزيوم عملاً واحداً مبللاً به و بدفقاته الساخنة كشكل من إعادة التوازن بينه و بين عمله، العمل الذي حمل أبجديته بكل حزنها، برفقة ما يترك الإحساس عائماً فيه دون أن ينفلت إلى إنفعالات قد لا يمكن السيطرة عليها و بالتالي قيادة العمل إلى الإستحمام بإنشقاقات هو بغنى عنها، فمن الضربات الأولى و هو ما يزال يبحث عن تشكيلات أولية إستطاع أن يظهر نضارته، و كأن لوحته هذه هي حبيبته التي يبحث عنها منذ قرون و هي في غفوتها، و ها هو يوقظها رويداً رويداً، و قد يذهب في تهويمات عشقية تكون هي الأساس الفني في إنجاز مشروعه هذا، و يترك نفسه على سجيتها حتى تبحر أصابعه بهدوء في لجة البياض، ساحباً البساط من تحت فعلي الوضوح و الإفصاح، مصوغاً مشهده بعلامات تقوم على حضور المدلول بشكله التبايني مراوغاً إياه بما يحرك الساكن فيه، مشدوداً لفرشاته و كأنه يجمع حبات التعب من حقل مقدس، بمعنى آخر فهو يفصح عن ذاته من خلال مشهدية منجزه، فهو المتسرب من الشمال المكسور رغماً عنه، هي ذاتها مدينته التي تتدفق كنهر نحو الجنوب ببيوتها و ناسها، بأشجارها و تاريخها، و كأنه يعيد كتابة ملحمة غير مألوفة مزقتها مزاعم سيادة أشبه بتمزقنا شوقاً في البحث عن مفرداتها لإعادة تركيب جملتها المفيدة، فعمل حنيف ينطوي على نقل القوى المحركة من المركز المحسوس بوحدات لونية لكل منها صوتها إلى ما يمكن عن كشف الغطاء عن وقائع لها علاقة طبيعية بترتيب سيرة عمله الذاتية، فكل حلمه ألا ينتهك الحلم من أبناء الرؤى المغلقة حيث الوعي مؤجل، فجوهر إكتشافاته منقوشة كشيفرات يمكن فك طلاسمها بقدر متساو بين السياق و المحتوى .
حنيف حمو:
مواليد القنيطرة 1956
1981 تخرج من مركز الفنون التشكيلية بدمشق .
1986 تخرج من كلية الفنون الجميلة – قسم التصوير بدمشق .
( 2003-2013 ) أستاذ بمعهد دار المعلمين و معهد التربية الفنية و التطبيقية بحلب .
( 2007-2009 ) أستاذ محاضر في كلية الفنون الجميلة بحلب .
( 2004 – 2007 ) أستاذ بمركز الفنون التشكيلية بحلب .
(2018-2019) تنظيم و إشراف خمس فعاليات لرسوم الأطفال ضمن مخيمات النازحين في شمال حلب .
معارضه الفردية :
2011 في صالة نقابة الفنون الجميلة بحلب .
2012 في صالة كلاويج – بعفرين / حلب .
( 1987-2010) مشارك في معرض ربيع حلب السنوي .
له مشاركات كثيرة في معارض جماعية في سورية، تركيا، المانيا، دانيمارك، فرنسا، سويد ….

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

كتب الدكتور عادل الأسطة منشوراً قصيراً في صفحته على الفيسبوك حول رواية “تمويه” للكاتبة عدنية شبلي، أتى فيه على لغة الرواية، والصحيح أنه قدّم ملحوظات مهمة حول لغة الرواية، وأبدى اهتماماً بالغاً بهذه اللغة، وحق له ذلك؛ فاللغة عماد أي عمل أدبي أكان سرديا أم شعرياً، بل إن العمل الأدبي هو اقتراج…

صبحي دقوري

كولن هنري ولسون Colin Henry Wilson كاتب ومفكر وروائي إنكليزي، وُلد في ليستر بإنكلترا في 26 حزيران/يونيو 1931، وتوفي في كورنوال في 5 كانون الأول/ديسمبر 2013. كتب في الفلسفة، الأدب، التصوف، علم الجريمة، علم النفس، الموسيقى، والظواهر الخارقة، حتى صار واحدًا من أغزر كتّاب بريطانيا في القرن العشرين. تذكر موسوعة بريتانيكا أنه ألّف أكثر…

أعلنت منشورات رامينا في لندن صدور رواية «نموت دائماً متأخّرين» للكاتبة السورية لينا رضا، في عمل روائي جديد يقترب من أكثر المناطق هشاشة في التجربة الإنسانية، عبر سرد نفسي وتأملي يتناول المرض، المنفى، العزلة، وأسئلة الموت والنجاة، ضمن فضاء روائي يضع شخصياته على تخوم القرار الأخير.

وتنطلق الرواية من مركز علاجيّ غربيّ يستقبل مرضى ومتقدّمين بطلبات…

صبحي دقوري

ليس الاختلاف نقصاً في نظام العالم، ولا عيباً في بنية الحياة، ولا شذوذاً عن قاعدة الخلق، بل هو القاعدة الخفية التي يقوم عليها كل شيء. فما من حركة في الطبيعة إلا وفي أصلها فرق، وما من ولادة إلا ووراءها تباين، وما من فكرة جديدة إلا وقد خرجت من احتكاك فكرتين، وما من مجتمع…