الأدباء الكرد في المهجر.. ودورهم الوطني المفترض

دلشاد مراد

على عكس من أدباء العرب في المهجر الذين ساهموا بالنهضة الأدبية العربية حتى أن العديد من المذاهب والمدارس والأجناس الأدبية الحديثة وصلت من خلالهم إلى بلادهم الأم ولاسيما خلال النصف الأول من القرن العشرين، لم يتمكن الأدباء الكرد من روج آفا وسوريا المقيمين في المهجر وخاصة الساحة الأوروبية من لعب دورهم التنويري المفترض سواء في نهضة الأدب الكردي أو في مد يد العون لأبناء جلدتهم في داخل الوطن وخاصة أنهم فشلوا في جعل أنفسهم قوة ثقافية رديفة لمكتسبات الكرد وجيرانهم من العرب والسريان في عموم شمال شرق سوريا منذ العام 2012م.
ومن المعلوم أن الكثير من هؤلاء الأدباء كانوا قد فروا من الوطن إبان عهد حكم نظام البعث لروج آفا وعموم شمال شرق سوريا قبل اندلاع الأزمة السورية، وإذا كان الضغط السلطوي البعثي آنذاك سبباً لخروجهم من ساحة الوطن فإن هذا العامل لم يعد موجوداً أو مبرراً لهم بعد عام 2012م، ولذا كان من المفترض أن يكون معظم الأدباء المقيمين في الخارج قد عادوا إلى وطنهم والمساهمة في بناءه وإحداث التغيير الأدبي والثقافي المنشود، لكن لم يحصل ذلك، وهذا ما كان سبباً إضافياً لتأخر الحالة الأدبية وتطورها كون جزء لابأس به من الأدباء – وهم أداة التغيير والتطوير- موجودون خارج ساحتهم النضالية المفترضة.
وهذا الاغتراب المكاني – الغير المبرر- يؤثر حتى في قدرة هؤلاء الأدباء على الإدراك الصحيح لجوانب الواقع المعاش في روج آفا وسوريا، ومن السهل ملاحظة ذلك من كتاباتهم المنشورة، فمنهم لايزالون يعيشون واقع ما قبل الأزمة السورية ومنهم من يعيش في واقع بدايات الأزمة السورية (2011 والنصف الأول من 2012م)، فترى البعض ينشرون بين كل فترة وأخرى عن بطولاتهم وإنجازاتهم في السابق – أيام النظام- في محاولة بائسة للتعويض عن التخبط والفشل الذي يعانون منه راهناً وللهروب من مسؤولياتهم الأدبية والوطنية المفترضة. 
والمضحك المبكي في هذا الأمر أن البعض – ومنهم من يدير تنظيماً أدبياً في الخارج – يبرر عدم عودتهم والنضال في ساحة الوطن بحاجز “سلطة الامر الواقع” ويقصدون بها الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، مع العلم إن هؤلاء بالذات افتتحوا مكاتب لهم وبعلم الإدارة الذاتية ذاتها، فإذن على ذقون من يضحك هؤلاء الأدباء؟ وعلى أي أساس يمكن تصنيف من يبعدون أنفسهم عن ساحة النضال الأساسية عن سابق إصرار وتقصد – والأبواب مفتوحة أمامهم بكل الأحوال – كمثقفين وطنيين. 
لا أود أن أشكك بأي أحد فللبعض ظروفه الخاصة في نهاية الأمر والعديد من الأدباء أصبحوا في خارج الوطن لأسباب موضوعية، ولكن من يطرحون أنفسهم في مواقع المسؤولية النضالية ومنها الأدبية أيضاً، ومن ثم لا يتواجدون أو يهربون من الساحة الفعلية للنضال والتغيير، بل ويبررون ذلك للرأي العام بحجج غير مقنعة يعيشون – وللأسف – حياة دونكيشوتية افتراضية غير واقعية, وبالتالي تجدهم لا يستطيعون تقديم أي جديد أو فعل نضالي حقيقي.
إن الأدباء الكرد المقيمين في المهجر مدعوون جميعاً للعب بدورهم الوطني والتنويري عبر نتاجاتهم الأدبية وممارساتهم النضالية من خلال الدفاع عن مكتسبات الشعوب الكردية والعربية والسريانية في روج آفا وعموم شمال وشرق سوريا ومناهضة الاحتلال التركي لأراضي الوطن، كما أن عودتهم للوطن في هذه الفترة الحساسة ووضع يدهم بيد أدباء الداخل قد يسرع من أعمال النهضة الأدبية والثقافية المنشودة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الزاوية الأسبوعية “الحديث الثقافي”، صحيفة روناهي الورقية في شمال شرق سوريا، العدد 1011 / 8 أيلول 2021م.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فواز عبدي

شهدت تركيا بعد انقلاب عام 1980 العسكري واحدة من أقسى الفترات في تاريخها الحديث. فقد فرضت حالة طوارئ طويلة، وانتشرت عمليات الاعتقال والتعذيب والمداهمات الليلية، وصارت الحياة اليومية، وبشكل خاص في مناطق كردستان، محكومة بالخوف والرقابة الشديدة؛ حيث كل زاوية تنبض بالرهبة: خوف من زيارة صديق، من الاحتفاظ بكتاب، من كلمة تقال في مقهى،…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

لَيست الأمكنة مُجرَّد جُغرافيا صامتة، ولا هي حَيِّز مُحايد تتحرَّك فيه الشخصياتُ كَيفما اتَّفَق، إنَّها كائن حَي ، يتنفَّس الذاكرةَ ، ويتشكَّل بالزمن ، ويُعيد تشكيلَ الإنسانِ في الآن ذَاتِه .

في أدبِ كُلٍّ مِن الروائي الفِلَسْطيني إبراهيم نصر اللَّه ( وُلد 1954 ) والروائي التُّركي أُورهان باموق…

ماهين شيخاني

في كوردستان، لا يُولد الأديب وفي يده قلم فقط، بل يولد وهو يحمل سؤالاً ثقيلاً:

كيف أكتب… وأنا لم أؤمّن خبزي بعد؟

ليست معاناة الأديب الكوردي رومانسية كما يتخيل البعض، وليست تلك الصورة الحالمة لشاعر يجلس تحت شجرة ويكتب عن الحب والحرية.

الحقيقة أكثر قسوة:

الأديب هنا يعيش بين جبهتين:

جبهة الحياة… وجبهة الكتابة.

الأديب الذي يعمل خارج حلمه

في الصباح،…

قصة: م.علي كوت

ترجمة: فواز عبدي

5 أيار 1986/ ماردين

أخي العزيز (…..)!

قبل أن أبدأ رسالتي أهديك تحياتي الحارة وأقبل عينيك السوداوين. يا أخي، أرسلت لك عشر رسائل وها هي الرسالة الحادية عشرة. ولم نتلق منك أيَّ جواب! لنعرف على الأقل إن كنت مازلت حياً وسالماً. حتى ترتاح قلوبنا. دموع أمي لا تفارق عينيها! تجلس كل يوم، تبكي…