السرير

خالد إبراهيم

بعد عناء طويل، وعدم وجود إمكانية لتوفير المتطلبات لصناعة سريرا وعشّاً دافئاً، انتهيتُ مِن صناعته، أنهكتني أسماء المواد التي بنيت بها هذا القصر الجميل، ولأنني لا أجيدُ الألمانية تعبتُ كثيراً بلملمة الحديد ومواد الطلاء، بعد سبعة أعوامٍ يا طفلتي أكتشف أباكِ أنه لا شيء، سطرٌ فارغ، بالونٌ بأربعة أطراف، سهمٌ عاش بلا هدف، من المعيب أن تبقى سبعة أعوامٍ في دولةٍ ولا تتقن لهجتها، قالها لي طبيبٌ صديق ثم أختفى.
أنهيتُ لكِ سريركِ الحديدي، إنه يُشبه القفص، ولكنه جميلٌ بما يكفي عصفورةً أنيقةً مثلكِ، وتقصدتُ صناعته، ليسَ لأجل توفير المال يا أبنتي، اسألي عن أباكِ، على العكس تماماً فقد كلفني ثمن سريرين من الخشب، سريرين مع أثاثهما، من شراشف، ومخدات، وأغطية، وإسفنجات.
تقصدتُ إنشاءه بيديَّ كي تعلمين كم أحبكِ، ولطالما تسبب لي هذا السرير الكثير من الحيرة والمِنّةَ، حيث لم اكن أملكُ مكاناً، ولا عِدةً صِناعيةٍ، والمال الكاف لإنهائه بسرعة، وأنا الذي يُعرف عني بسرعتي في العمل، ومثل هذا القصر الجميل لا يقف أمامي سوى ثلاث ساعات أو أربعة، في حين أنني انهيته في ثلاثة أشهر ربما، كنتُ أختلس العمل أثناء غياب رب العمل، أحياناً كنت أعمل به في اليوم ربع ساعة.
لا يهم يا طفلتي، الآن وبعد هذا العناء، ها هو سريركِ ينتظركِ بشغف، تعالي وتلمسي فرحة أباكِ، حزنه، بكائه، انتظاره لكِ، تعالي وتلمسي هذا الحديد المعجون برائحة يديَّ، برائحة عرق جسدي وثيابي، هل تسمعين دقات قلبي على هذا السرير؟
وجهي معجونٌ بعمق هذا الطلاء، مزدحمٌ ببراءتك وصخب صوتكِ وبحة بكاءكِ 
أعلمُ أن عينيكِ ستدور في المكان، يساراً يميناً، وتبحثين عني كلما سمعتِ صوتي، اعلمُ أنكِ ستتمتمين(بابا، بابا)، وسيعجُّ المكان ضحكاً وصخباً، و ستلهثين فرحاً عند رؤياي، وبعد شهور، ستسابقين الزمن زاحفةً نحوي، تقبلين صدري، وجهي، وستنظرين إلى هذه الأيادي التي صنعت لكِ هذا العش البدوي الجميل، ستطلبين مني أشياءٌ وأشياء.
وأنا أبقى مُحلقاً بوجهكِ الذي يحمل كُل ملفاتي، اجتياحاتي، حرائقي، انتصاراتي، أحزان عمريَّ الفائت، فرحتي التي تلتهب بيديكِ، رقصات قلبي وأنتِ في حضني الواسع، تقعين به مثل حرف جميل مُبتسم، وسأسكب الشاي لنفسي وأنتِ التي ستخربين جلساتي، ستقطعين أوراقي، ومكتبتي الصغيرة، و أركض ورائكِ ولا أصل، حيث ستبدين مثل نجمة الصبح العليل، ستكسرين أقلامي، وتسحلين حقيبتي البنية اللون في أرجاء البيت غرفةً غرفة، سأبحث عن سجائري ولن أجدها إلا في سلة الزبالة، سأبحث عن زجاجة عطري ولن أجدها.
ستكونين ذات ابتسامةٍ تضاهي كل أيام عمري الفائت، ستحتلين الأماكن كلها، أماكن الغير( النسب، المِلّة) ستكونين أميرة هذا الفؤاد لا غير، وبعد أعوامٍ يا طفلتي، ستكبرين مثل الوردة، و ستطلبين الخروج إلى الملاهي والحدائق و ربما المقاهي، ستعشقين ركوب السيارات، والدراجات الهوائية، ستكونين ساعي البريد الذي يزوّدني بالفرحة والسعادة.
طفلتي العزيزة
على كاهلي آلاف الخناجر، والمشارط، مُراقبٌ من كل شيء، وتراقبني كُل الأعين والأصابع، في كل الأوقات، أنظرُ لنفسي كمتهم، يراقبني كوكل، واليوتيوب، كاميرات المنازل، في كل غرفة صرخة، تراقبني عجلات السيارة، ومقودها، والمقاعد، تراقبني النوافذ وورق الجدران والسكاكين والمعالق، ثلاجة البراد، سلة الزبالة، مسطبة الأحذية والكتب، مهددٌ بالانزلاق نحو عمق العتمة الباردة،  مُثقلُ بالخطايا، وسلالي مزدحمة بالعصافير الخائفة، مثل وطنٍ مهدد، مثل أشياء مهددة بالانقراض.
أحملُ رايات نصرٍ مزيف، لحربٍ مزورة، هكذا سأكتب لكِ كُل الأماكن التي بكيتُ بها، ونمتُ فيها، ومشيتُ عليها، وانتظرتُ أصدقاءً بها وخذلوني ولم يأتوا، سأدون لكِ كل شيء يحسسني بالبراءة والرجولة و الكرامة يا ابنتي، سأنقشُ سيئاتي قبل حسناتي، هكذا مثل طرحة عروس منقوش عليها أسماء الله الحسنى وبينهم أسمي، ولا أخجلُ من شيء اقترفته يداي، لستُ ظالماً ولستُ مظلوماً، وإنما سفاح البابونج وزهرة الغار البرية.
ألم الروح يغطي على ألم الجسد يا طفلتي، هناك خطايا يسترها الظلام، وأخرى تُرمى تحت سِترِ الظلام،    
  وأخرى مفضوحة قد تقصدها البعض وأخرجها للعلن، لم يبقَ من خفقِ رايتي صرخة
أو تخوم صدىً مهيب، يضحكُ بوجهيَّ الذابلُ الحسد، تعبثُ بيَّ الريحُ والمطرُ، لأبقى في سماء الانتظاراتِ المٌتعبة، صرخة حائرة، لا أعرفُ العدو مِن الصديق، في الشوارع أبحثُ عن ذاتي، جسداً مهزوما ومكسور
لماذا يحلُّ الليل حزينا كئيباً؟
تعالي يا وجعي، لأتسلق خيوط العتمة، وأنسجُ جدائل القهر والوداع الأخير، لم يبقَ من خفقَ رايتي صرخة
بقيتُ وحيداً بلا مأوى، أنهضُ مهزوماً، والنجوم تتساقط نحو صوتي المبحوح، ليبقى الظلام خلف الفجر المتساقط فوق الأرصفة والطرقات، يا تلكَ النوافذ والعيون، يكفي تقذفين سهام الصمت المهيب، سيسقطُ النهار، وستموت بلابل الشوق 
على ضفاف الرحيل والعدم 
نعم يا ابنتي، لا تكوني مثلهم، ولا تصدقي أحداً، احبيني، اشتاقي اليَّ في الدقيقة ستون مرة، وفي الثانية ستون مرة، وفي المرة الواحدة ستون غيمة ستطفو بأنفاسي حول عنقكِ الجميل، ولا تضعفي ذات يوم، ولا تقولي كان خائناً ولم يزل
لم أخن أحداً بقدر خيانتي لنفسي، ولقلمي المتصبر المتصدع، الجميع خانني ولم ينتبه عليهم أحد
ارفعي أصابعكِ العشرة، واصرخي بوجه النسبِ والمَلِة، والملاعين والقوادين، وقولي هذا أبي، هذا هو الكتاب الممزق والقصيدة المخبأة منذ ولادة أول سنبلةٍ في التاريخ، قولي لهم واسحبي السيف من غِمد اليقين وشديني كحلم، اعصريني كبرتقال بين شفتيكِ، شمي آثار خيالاتي وأنّات الليالي المسلوخة، أنثري جسدي على رصيف لقياكِ وقولي 
أنتَ أبي 
————– 
(مقطع مِن رواية الاوسلندر) 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…