هاجسُ النداءِ الأخير

هيفي الملا – أربيل

لاتكادُ تخلو حياة من مكدرات ومنغصات، والسعادة المطلقة الأبدية محضُ خيال، وإن وُجِدتْ لن تدوم وستشوبها ظروف مؤقتة أو دائمة، فالعبرة في تقبل الحياة بتقلباتها وأمزجة ناسها وسلوكيات الصالح والطالح فيها .
هل يمكن مواجهة قسوة الحياة بورقةٍ متروكةٍ تختصرُ مسلسل يأس أو لحظة ضعف صارمة تودي بصاحبها لهاويةٍ قاسيةٍ هي هاوية الموت؟
أفظعُ فكرة سلبية تتسربُ بشكلٍ عجيبٍ إلى عقولِ ونفوسِ الشبابِ وتغزو خيالهم وتغذي قلقهم وحيرتهم وأسئلتهم المعلقة بفوهة المستحيل هي( الانتحار) و ارتفاعُ معدلاتها باتتْ ظاهرةٌ لاتثيرُ الدهشة، فذاك يعلقُ نفسه في غرفتهِ لأنه لايجد عملاً ويشعر بأنهُ عالةٌ على عائلته، وتلك تقتلُ نفسها بسلاحٍ ناريٍ متوفر في البيت!!! لأنها رسبتْ سنة دراسية أو فشلت في علاقة عاطفية، و الأخرُ أبٌ لعدة أطفال، تنتهي بهِ السُبُل لتأمينِ كل احتياجات زوجته وأطفاله ينتحرُ تحت بركانِ قرفه من الحياة غير العادلة.
 ظاهرةُ الانتحارِ كردةِ فعلٍ مأساوية للحياة أسبابها كثيرة، ومتعلقة بطبيعة الشخص وظروفه المحيطة والجو العام المتحكم والمحرك للشعور السلبي المُفضي إلى هذه الكارثة . 
 بلاشك لانستطيعُ التغافلَ عن الاضطرابِ النفسي والقلق الذي يسبقُ التفكير بهذه الخطوة المرعبة عندما تستملكُ الشخص مشاعر وعواطف سلبية والتفكير بعدم جدوى الحياة ،
 وقد يكونُ المسبب حزن شخصي ويأس وفقدان المتعة في الحياة والإحساس بعبثيتها التي تُفقِد الإنسان أكثر بديهيات التعلق بها، و يتعمق هذا الشعور في ظلِ الحروبِ وماينجم عنها من كوارث وخسائر وندوب نفسية .
 ونضيف أيضاً التقييمات السلبية للذات حيث يمتلكُ أصحابها انطباعاً خاصاً، إنَّ الآخرين ناجحون ويستحقون الحياة، ليدخلوا في مشاعر الدونية والعار والشعور بالنقص، وتبدأ الأفكار الانتحارية بالنشوءِ والتبلورِ وتأخذ طريقها نحو التنفيذ.
 المقدمون على الانتحار لانستطيعُ حصرهم في فئةٍ عمريةٍ معينةٍ، ولاحصر الظاهرةِ في منطقةٍ جغرافيةٍ محددة، رغم أن الحالات المتكررة في سوريا وفي مخيمات النزوح تشدُ الانتباهَ وتُقلِقُ الوجدانَ وترهقُ الفكرَ .
 تنتشرُ الحالةُ أكثر بين المراهقين الذين يحاولون الانتحار لهشاشة مشاعرهم وضعفهم, وكذلك عند شعورهم بالغضب من أهلهم وعدم  قدرتهم على تقبل النصائح والإرشادات ، وهنا يبرزُ المسببُ كاختلافٍ في النظمِ الفكريةِ والفجوةِ بين الجيلين والمشاعر المستهلكة والفوران السريع، وكلها من إفرازات يومنا العصري الممزوج مزجاً تاماً بالتكنولوجيا التي جعلت كل شيء سهل المنال ويعاني من السطحية مفتقراً إلى التعمق في المعنى والجوهر والأصل .
ويجدرُ القولُ إنَّ دورَ الإعلامِ في إضفاء جوٍ عاطفيٍ على حالة الانتحار له آثار سلبية، يُصرِّحُ المذيعُ الفلاني : لقد انتحرَ شابٌ من المخيم الفلاني بسببِ الظروفِ البائسة التي أجبرتهُ، أو لأنه اشتاقَ لأرضه وبيته ومدرسته، وحتى الرسالة المتروكة في لحظةِ يأسٍ تنتشر على صفحات الفيس وتصبحُ مادةً دسمةً للتداولِ ، وكأننا نبررُ هذه الظروف كمسوغٍ للانتحار، بل ونُلبِسُ الكارثةَ ثوباً مزركشاً يلفتُ أنظار المراهقين وبحفزُ وجدانهم لفعلٍ مماثل . 
فدعونا لانُصدّر الفكرة، لانجمِّلها، لانضغط بها على الوتر الحساس .
 مثلاً رواية / آلام الشاب فرتر – غوته / رواية مكتوبة بأسلوبٍ شاعري، انتشرتْ باحتفاءٍ رهيبٍ في المجتمع الألماني والأوربي، حتى باتَ الشبابُ يحاكون طريقة فرتر في التعبير، وطريقته في اللبس وتسربت إليهم أيضاً حمى الانتحار، وازادتْ أعدادُ المنتحرين على طريقة فرتر، فمنعتْ السلطاتُ في محاولةٍ يائسةٍ لكبح انتشار الفكرة بوقف طبع وتوزيع الرواية وتداولها، 
حتى ثورات الربيع العربي بدأتْ بالانتحارِ وكأنه الخلاصُ  والفعل الإيجابي الصارخ لقولِ لا بصوتٍ عالٍ، ودعونا نستذكرُ بشكلٍ خاطفٍ الحفلَ المصورَ لشابٍ يحرقُ نفسه أمام مكتبِ الأمم المتحدة، وكاميرات الإعلام تصوره في بثٍ حي ومباشر.
الانتحار وتصويره كجوٍ درامي يعطي ضوءً أخضرَ لأولئك الذين لايملكون القوةَ لاتخاذِ القرار، والأمر يمسُ سيكولوجية المراهق الذي يشعرُ أغلب الوقتِ أنه غير آمن، والترويج المبالغ لتصدير حالة الانتحار بلاشك ينمُ عن جهلٍ جمعي مؤسف .
حتى علماء النفسِ ينصحون بتقليلِ حجمِ التعاملِ الإعلامي مع حوادثِ الانتحارِ، وأضيفُ إن الجهودَ المبذولةَ من المؤسساتِ وبعض منظمات المجتمع المدني ومحاضرات التوعية ليست كافية لسد الثغرة، فما يلزمُ هو تغييرٌ جذري في الظروف وانفراجٌ نفسي هادئ ومتوازن مرتبطُ بعوامل اقتصادية واجتماعية ، و إعادة السكينة والهدوء للنفوس والإحساس بالأمان، ويحزُ في نفسي القول : هذهِ أحلام طوباوية، لذلك من الأفضلِ أن تنطلقَ كل أسرة من ذاتها لإشاعةِ جو الحب والأمان والاستقرار والروح الإيجابية، و تهذيب وتنظيم متابعة الأطفال والمراهقين لوسائل التواصل التي تُجمِّل الخيانةَ وتحللُ الحرامَ وتشرعن الموت، وتعطي
للكارثة بريقاً يعمي البصر والبصيرة، والأهم من ذلك إشاعة جو الأمان للطفل والمراهق ومتابعته قبل أن تدفعه هواجسهُ لإعداد فكرة الانتحار في مخيلته.
مهما كانت المنغصات عظيمة الأثر، تبقى حياةُ الإنسان هي الأقدس .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…