الفنان رشيد الصوفي رديف رحلة قادمة

  كاردو بيري
 
            ” حيث تتوقف الكلمات تبدأ الموسيقا ”    هايني

لعلّ الحديث عن الموسيقا الكرديّة المعاصرة يكاد يكون ناقصاً، إنْ غاب اسم الموسيقار المبدع رشيد الصوفي، حيث اللحن المتميز شرقياً و نقل الجملة الموسيقية بأمان و بخفة ليسهل مرورها إلى ذهن المتلقي دون خلل أو ملل إلى جانب سلامة النطق و صفاء الأداء و قدرته الخلّاقة على التحكم بأدوات اللحن، ناهيك عن مهارته في العزف، فهو يجيد العزف على آلات وترية عدّة، أهمها: العود و القانون.
و الصوفي يعدّ من أهم الموسيقيين الكرد في وقتنا الراهن فهو إلى جانب كونه موسوعة و مرجع في مجال علم المقام و تصويره ببراعة لا متناهية و معرفته الدقيقة لعقدة فك و ربط التجانس المقامي بحواس مرنة، كما أنّه يعدّ من أوائل الذين استوعبوا بناء الجملة اللحنية و عناصرها من خلال استيعابه و فهمه للموسيقا الشرقية و الاطلاع الواسع على الموسيقا العالميّة.
ساهم الصوفي إسهاما كبيراً في الموسيقا الكرديّة من خلال تسجيله لعملين كرديين، و قد برزت فيهما تجربته الشخصيّة و ذاته المبدعة كفنان متمرّس و بروح أكاديميّة متجاوزاً مناخ المستمع البسيط كما مرّر مزج الموسيقا الغربيّة بالشرقيّة، و فتح مجالاً في تركيبة اللحن الشرقي بإدخال علم الهارموني و الأسلوب الأوبرالي لأغنيتنا الكردية بطريقة محببة و سلسة و هذا ما يجعل اللحن محافظاً على بقائه و استمراره لأمد بعيد.
اللافت في أعمال الصوفي، أنّه مدرك لمعالم الموسيقا من خلال توظيفه المرهف للوتر بإيقاع منتظم الضربات، ففي تحفته الغنائية ” تو سوسني” حيث رتابة المحاورة و معايشة الكلمة بالوتر و كذلك التركيبة المقاميّة المحبوكة بتنوعها…. مصوراً فيها عمق تجربته و ارث الحالة الفنية لديه بمرونة الوصل ما بين اللحن و القصيدة.
إنّ طريقة ربط الجملة لديه متماثلة فيما بينها، فهو يباغت المتلقي في تصويره للمقام ممهداً للوهلات، محبكاً خيوطها بخفة و مرونة مع بحثه الدؤوب في فلك الموروث ليصحبك إلى بر الأمان متحدياً عقبات المرور، فتجده يؤدي النقلة اللحنية بخميرة ثقافته الموسيقية.
ظهرفي ألبومه الغنائي ” أز ميفانه دله تمه ” المسجّل عام 1986م بزوغ المشاكسة لديه، قاصداً في هذه الرحلة إزاحة إشكاليات جمة من أمام الأغنية و الموسيقا الكرديّة معاً، و كرّس بصمته بخصوصية فنيّة و بنجاحها كسر الطوق الببغاوي عن الأغنية الكرديّة منها: تجنّب التكرار الساذج للجمل اللحنية و الدأب على اللازمات الموسيقية و تمرير بعض الإيقاعات لموسيقانا الكرديّة و جعلها تتأقلم مع محيطها الشرقي و العالمي.

و للصوفي الفضل في اكتشاف العازف الماهر ” أحمد جب” و توجيهه له بأن يسير في درب العمل الأكاديمي بعد أن شاركه في عمله الأول المذكور آنفاً، و قد ظهرت ملامح التطور جلياً على عزفه في مسيرته اللاحقة لهذه المشاركة.
العلامة البارزة للصوفي في ألبومه الأول أنّه اقترب كثيراً من نقطة هامة ألا وهي ترميم السلم الخماسي و إعادته إلى الذاكرة الكرديّة بتقارب عصري، حيث جمّل به أغنيته الرائعة ” من بان ته كر له سر آفه”
مخترقاً بها حيثية الأسلوب الغنائي في التعامل مع هذا المقام لدى الكرد بحنكة فنية لا متناهية، و اعتمد اللكنة الأفريقية و الزنجيّة الأكثر قرباً لما هو دارج لدى الكرد الكوجر، علماً أنّ السلم الخماسي متداول لدى الكرد القدامى و حالياً متداول في المثلث الحدودي بمنطقة ديريك و يطلقون عليه ” بايزوك” إلا أنّ الصوفي تفادى الأسلوب الكوجري و مزجه بالعالميّة لغاية في نفسه.

ظهر الألبوم الغنائي الثاني للصوفي بعنوان ” مي نه نوشيه” عام 1993م حاملاً معه بوادر النضج لرؤاه الفنية المتمثلة برواسب الماضي الجميل و الملقاة في حوانيت الذاكرة الحمقاء و الإصرار على المضي قدماً في مسيرته الفنية رغم الفقر و الحرمان، متخطياً الأوركسترا الموسيقية بعوده البرّاق، فارضاً صوفيته الفنيّة، مقتحماً حدائق الأدب الكردي، فاختار أجمل ما كتبه الشاعر الكردي المنغمس بروح الصوفية و العشق ” ملاي جزيري”، و قد دمج الصوفي قصيدتين له و هما ” مي نه نوشه ” و ” صباح الخير خانه من”.
لقد استعرض الصوفي فلسفته الموسيقية و اختصر إيماءات مخيلة الجزيري من حضور فلسفي و جدلية جمال الكلمة بزمن ريشة الفنان.
إنّ ما يصبو إليه الصوفي في أغنيته” مي نه نوشيه” إلهاؤك بمساحاته الصوتية لإيصالك إلى عالم أعمق
كما يمرر إدخال فن ” كروماتيك” في هذه اللوحة دونأن تستوقفك التقنية الفنية أي استطاع تحويل جمود التقنية إلى إحساس جميل.
و قد استطاع أن يوظّف مزاجيته الفنيّة في أغنيته التي سبق ذكرها إذ يرتجل الجملة بلكنة مغايرة لكنّها مدروسة، و هي حالة نادرة لدى الفنانين و صعبة التمكن، لا يجيدها إلا العمالقة و الموهوبون.
كما أنّه وظّف في أغانيه الصوت المستعار من قرار و جواب، ففي أغنيته ” فلسفه آخه” يأخذك الصوفي إلى عالم يملؤوه الأمل مشيراً إلى صراع الخير و الشر ليصل بك إلى حالة من خيبة الأمل !
وقد أضاف الصوفي وتر القرار السابع للعود و هذا الأمر بحد ذاته خصوصية لديه كعازف ذي شخصية مستقلة، و محاور بليغ مع الآلة يوظّف ارتجالاته مستفيداً من ذاكرته ليصل إلى حالة أقرب إلى النسج السيمفوني و هذا ما نلاحظه في عزفه المنفرد.
كما أنّه أجاد في مجال الإنشاد الديني و تلاوة القرآن بحب و عشق و فصاحة لسان، و لحن الكثير من الأغاني بالعربيّة حتى أنّه أدهش المستمع العربي من خلال تلحينه لأروع قصائد الشاعر الصوفي المشهور ” ابن الفارض”
و حالته الإبداعية هذه لم تأت من فراغ، فهو سليل أسرة صوفية تعشق الموسيقا و تعيشها دوماً، و هذا الفنان و إن لم يأخذ المكانة التي يستحقها، فقد ترك بصمته واضحة فيمن أتى من بعده أو تتلمذ على يديه
و ختاماً أقول بأنّنا نعيش في منطقة لا تحترم مبدعيها و فنانيها، و هذا الفنان وقع ضحيّة لغياب المؤسسات و الجمعيات التي ترعى شؤون الفن و الفنانين بشكل عام.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…