غربة قبر

زهرة أحمد
وضع يديه على رأسه، يحصر حلوله التائهة، لعله يجد مخرجاً للسؤال النازف، الذي يكرره على نفسه مراراَ:
أين سأدفنه؟؟
يتقوقع على جرحه، صمته مليء بأجوبة تكفي لتغطي العالم ألماً.
كانت الدموع تغزو وجهه وروحه، تتوارى خلف عتمة ثقيلة، بدأت تبسط ظلها دون استئذان.
لم يتوقف آري عن البكاء على والده، يحبو كطفل تائه عن حضن أمه، أغشاه الألم عن التفكير، صراخه كان رسالته إلى الأفق الذي بدأ يضيق على أنفاسه المكتومة، ويغلق مخارج الحل في وجهه.
يحب والده كثيراً، كما يحبه كل أهل القرية، الحاج قاسم، الفلاح العفريني، الذي اجتاز كل امتحانات الألم بالثبات، خبأ جراحه في أغوار نفسه، فأشرقت نوراً على ملامحه وهو في عقده السابع.
يحب أرضه كما عائلته، يعتني بها، بكل حب يزرعها، فتشبعت رائحة الزيتون على يديه وفي قلبه.
لم يشأ أن يترك مقومات حياته في قريته، قبر زوجته وزيتونه، بعد أن رحل عن القرية جميع أهلها عنوة، فآلة القتل قد اقتربت من تخوم قريتهم.
كل محاولات إقناعه بترك بيته، باءت بالفشل.
يكرر لكل من يحاول إقناعه، جملته الوحيدة:
سأموت إذا خرجت من قريتي!!!!!
اضطر ابنه الوحيد آري، آخر العنقود، أن يبقى مع والده في القرية بعد أن أمن خروج أخواته مع عائلة عمه، كما كل أهل القرية الذين خرجوا قبل الفجر وبعد أن دخل القصف التركي طور الجنون.
لم يأبه الحاج قاسم للقصف، مفضلاً الموت في بيته وبين زيتونه.
لكن؟
خوفه على ابنه آري جعله يتخذ أصعب قرار في حياته.
أمسك آري بيد والده، وبيده الأخرى حمل كيساً صغيراً فيه عبوة ماء بلاستيكية صغيرة وعلبتا دواء.
تركا القرية بعد أن أصبحت رائحة الدخان تخنق أنفاسهما، مضيا بسرعة دون أن تكون وجهتهما معلومة. مصيرية كانت لحظة الخروج من القرية، كانت بمثابة انتحار حقيقي كبقائهم.
لا يترك آري يد والده الذي لا يلبث أن يلتفت للوراء، يلقي نظراته الأخيرة على قريته، فتتعثر خطواته. يحثه على الركض أحياناً، وأحياناً أخرى يبطأان السير. يخشى على والده من التعب، همه الوحيد الخروج من القرية بسلام تحت جنح الظلام وقبل أن تضيء الشمس آثار خطواتهما.
حتى الظلام بدأ يتلاشى أمام لمعان القصف المستمر طوال الليل.
انتهى بهما المطاف في مساحة ممتدة من الظلام، حيث كانت الشمس قد سحبت معها آثار آخر ذيولها الحمراء من بقايا إشراقاتها.
ابتعدا عن صوت الدمار، وبعد أن أحس آري أنهما يمكن أن يكونا في أمان، طلب من والده أن يرتاح ليشرب الماء.
ثم أعطى له الدواء.
كم كان مالحاً طعم الماء، ممزوجاً بدموع وأحزان قلبه، هكذا شعر آري.
في الوقت الذي بدأت فيه أصوات القصف تهدأ قليلاً، قررا أن يرتاحا في الساعات القليلة الباقية من الليل، ليكملا المسير مع شروق الشمس.
وضع آري معطفه الجلدي تحت رأس والده وغطاه بمعطف الفرو الذي يلبسه والده، ملحاً عليه أن ينام، فقد نال منه التعب وخارت كل قواه.
بقي آري يحرس والده، يحصي دموعه التي لم تتوقف عن الهطول، يدرك حجم النيران التي تحرق قلبه، وتزيد من غزارتها لتغرق في تجاعيد وجهه.
يتكئ آري في ليلته المظلمة على ذكريات عفرين، طفولته، حكايات أمه، بددت ذرات الظلام.
في مكنون قلبه وما تعلق بها من قلق مستديم كلما تذكر كلام والده: سأموت إذا خرجت من قريتي!
مريعاً كان حجم الألم في قلبه وهي تندلق في فضاء روحه حزناً دامياً.
انحدر نحو الضياع أكثر، كما غار الظلام إلى أعماق روحه.
أحس بغربة كبيرة. أحس بأن آخر خيط يربطه بقريته قد انقطع، لم يبق له سوى قبر أمه في تلك المقبرة التي ربما هي الأخرى لم تستثن من أن تتحول شاهدات قبورها إلى أنقاض وتتناثر حروف أسمائها.
تذكر أمه. ذكرياته معها أدفأت روحه في تلك الليلة الآذارية الباردة في العراء، تذكر حكاياتها قبل أن ينام، ينصت إلى الظلام بعينين كأنهما تحضنان ظل والدته وابتسامتها الدائمة.
غفا قليلاً، قاده الحلم إلى حيث ترك أحلامه.
هناك في قريته الجميلة في عفرين، ملاعب طفولته وأحلامه الكثيرة التي تحولت أيضاً إلى أنقاض كما قريته. لم يبق سوى ثلاثة أيام على يوم ميلاده السابع عشر، يعشق ذكرى ميلاده، ميلاد الحرية، هكذا يسميها آري، لأنه ولد في يوم عيد النوروز القومي.
استيقظ مع أول إشعاع من الشمس يلامس البرد المبسط على وجهه.
نهض بسرعة، أمسك يد والده ووضعها على وجهه، لم يحس بدفئها، أزال عنه المعطف الفرو، هزه بعنف، ناداه بكل ما في قلبه من الحرص والخوف:
أبي.. أبي .. أبي
أرجوك!
أبي لا تتركني
أبييييي ….
لم يفق الأب من نومه الأبدي، كانت آثار الدموع لا تزال ترطب وجهه.
صدى صوته أفاق العصافير، وملأ السماء بكاءً وعويلاً مريراً.
كانت غيمة آهاته تحجب عنه الشمس وتذرف سيلاً من الحزن في بقعة وحيدة، متقطعة من جغرافية الحياة، هكذا بدت له.
الآن أصبحت وحيداً.
قالها آري بكل حزن في قلبه.
لا حل يبرق في روحه، يأسره المكان، فتهذي به الريح إلى طرق مغلقة، يجعل حلوله في مهب الفشل في بحثه عن الحل.
موت والده نثر روحه في كف الحياة إلى فصول منحدرة إلى الموت وهي في عز الحياة.
تائه في قارعة أشتاته، تقذفه المتاهات إلى متاهته المكتملة.
لا يعرف أين يدفن والده؟
وهل يدفنه؟
أم يحمله معه في طريقه إلى المجهول؟؟
أو يبقى معه ويتأمل إشراقة وجهه؟؟؟
أين سأدفنه؟
أين سأدفنه؟
كانت الجغرافيا شاهدة على صدى آثاره المتعرجة، ليعلن الحزن عن نفسه كسليل شرعي لروحه، يبحث عن مكان يرتاح له قلبه، ليرتاح فيه جسد والده.
قادته خطواته المتثاقلة إلى بقعة مرتفعة بعض الشيء عما حولها، هناك دفن والده.
إنها الروح الكوردية التي تعشق الأماكن المرتفعة.
فقد والده وقلبه في هذا المكان الممرغ بالدموع. لا أحد سواه تحت الشمس. مساحات لا متناهية من العراء، خالية سوى من آهاته وهواء من الرماد، يتنفسه بصعوبة.
لم ينفذ وصية والده.
لا يستطيع أن يدفنه بجوار أمه كما أوصاه، هذا ما زاد جروحه عمقاً.
وضع معطف والده الفرو على كتفه، يشم رائحته، يتنفس من عبق أنفاسه المعلقة على روحه.
مضى بألم في جغرافية من التيه لا بوصلة لها. يشق طريقه إلى اللاعنوان، بظلّ من الحزن يتبع الشمس في مسيره.
لا يعرف إذا ما كان سيستدل على قبر والده مرة أخرى، بعد أن تركه في غربة.
ومضى !!!

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…