كثافة العبارة وعمق المعنى في (بسمة لوزية تتوهّج)

 علوان السلمان
 النّصُّ الشِّعريُّ مغامَرةٌ، تبحثُ عن لحظتِها المُستفِزّةِ للذّاتِ الجمعيِّ الآخَرِ (المستهلك)، والّذي يستجيبُ لدفْقِها الجَماليِّ المُتجاوِزِ للثّوابتِ والأشكالِ، مع تَفرُّدِها بانزياحاتِها اللّغويّةِ، وكمائنِها الفنّيّةِ الإدهاشيّةِ، وصياغتِها الأسلوبيّةِ، وكثافتِها الجمليةِ المُحتشِدةِ بالإيحاءاتِ والصّورِ والرّموز..
  وباستدعاءِ المجموعةِ الشِّعريّةِ (بَسمَةٌ لوزيّةٌ تتوهّجُ) الّتي أنتجتْ عَوالمَها النّصّيّةَ ذهنيّةٌ مُتوهّجةٌ، مُتفاعِلةً وفاعلةً ووجودها المُجتمعيّ، ونسَجتْها أناملُ مُنتِجتِها الشّاعرة آمال عوّاد رضوان عام 2005 بطبعتها الأولى، 
وأسهمتْ دار أدهم/ القاهرة ودار الوسط اليوم/ رام الله في نشرها وانتشارها عام 2019 بطبعة ثانيةٍ، باللّغتين العربيّة والإنجليزيّة، ترجمها للإنجليزيّة الشاعر المصري حسن حجازي، كوْنها نصوصًا (تشتبكُ معَ الواقعِ، فتقيمُ علاقةً تفاعليّةً معه، بلغةٍ تعتمدُ التّكثيفَ الصّوريَّ، والإيجازَ الجُمليَّ القائمَ على ثنائيّةِ الذّات (الذّاكرة) والموضوع (الواقع)، فضلًا عن تخَطّيها الحسّيّاتِ صوبَ أفقِ الرّؤيا، بمُخاطبةِ الوجودِ بلغةِ الفِكر، إضافةً إلى محاولةِ المُنتِجةِ (الشّاعرة آمال) الإمساكَ بالنّسقِ الحِكائيِّ الشِّعريّ والتّوتّرِ الدّراميّ، وهي تمارسُ طقوسَ الارتقاءِ في جُمَلِها الشِّعريّةِ، بلغةٍ حافلةٍ بالمجازِ والاستعارة، ابتداءً مِن العنوانِ العلامةِ السّيميائيّةِ، والأيقونةِ الجاذبةِ بفونيميها الثلاثة المُشَكّلةَ لجملةٍ اسميّةٍ تُحيلُ إلى معنى جَماليّ، فضلًا عن تأكيدِها على التّعاملِ النّفسيِّ والنّصِّ ببُعدَيْهِ الدّلاليّ والرّمزيّ.. فتقول ص4 و ص5
المَجهُولُ اليَكْمِنُ خَلفَ قَلبي
كَم أَرهبهُ يَتَكَثَّفَ وهْمًا
عَلى 
حَوافِّ غِلافِهِ
أَخشَاهُ 
يَحجُبُ برَائبِ غَيْمِهِ أَقمَارَ حُلُمي
أو تَتَطاولَ يَدُ عَقلي
تَهُزُّني .. 
تُوقِظُني ..
بِلُؤمٍ سَاخِرٍ
مِن سَكْراتِي الهَائِمَة
*
كَيفَ أَمنَحُكَ قَلبي الآنَ
وقد اخْتَطفَتْهُ مَلائِكةُ الحُبِّ
 إلى فُسحَةٍ في العَراء؟
 
فالشّاعرةُ تكشفُ عن تجربةٍ رؤيويّةٍ مُتفجّرةٍ، تعكسُ الحالةَ الانفعاليّةَ، وتستنطقُ المكانَ (القلبَ) الّذي منحَ النّصَّ تَشظّيًا جَماليًّا، وأسهمَ في تخصيبِ المعنى وتكثيفِهِ، فأنتجتْ صورةً ذاتيّةً مُتّكئةً على هاجسِ الاستجابةِ لإيقاعِ الحياة.. وهي تبوحُ بوحًا أقربُ إلى حوارِ الذّات (المونولوجي)، مُستنطِقةً المكانَ، البؤرةَ الثّقافيّةَ، والدّالَّ الإشاريَّ المُتشعّبَ بأحداثِهِ، والّذي شكّلَ بؤرةً مركزيّةً تجتمعُ فيها خيوطُ النّصّ، فمنحَ نسيجُهُ تَماسُكًا ووحدةً موضوعيّة، مُتمثّلةً بمَشاهدِهِ المُتوالدةِ مِن تفجيرِ الفعلِ (الـيَكْمُنُ)، الدّالُّ على الحركةِ الكاشفةِ عن الافعالِ الإنسانيّةِ مِن جهة، وتعريفه لتقريبهِ مِن الاسميّةِ والدّراميّةِ مِن جهةْ أخرى، فضلًا عن توظيفِها تقانةَ الاستفهام الّتي تكشِفُ عن بُعدٍ نفسيٍّ للذّاتِ المُنتِجةِ المأزومة، والباحثةِ عن جوابٍ يُسهمُ في توسيعِ مديّاتِ النّصّ.. 
وتقول ص9 و ص10:
بَينَ تَعاريجِ الحُزنِ وشَظايَا الفَرحِ
نَتَّكِئُ 
علَى مَسَاندِ الصَّمتِ
نَنْكأُ جُروحًا تَغفُو
لِنَنْشُرَ سَوادَ الأَلَمِ 
حَلِيبًا
يَتعَشَّقهُ مِدَادُ الحَنِين!
*
قَواربُ أَحلامِنَا 
تَتَرنَّحُ .. خَدِرةً
يَتنَاثَرُها 
جُوعُ عَواصفِ الوقتِ الكَافِر
وفي دَوَّاماتٍ مُفرَغةِ الحُروفِ
وبِوَرعِ الضَّوءِ الخافتِ الخافقِ
نَرسِمُنا قِصَصًا 
تَ~ تَ~ لَ~ وَّ~ ى 
لَوعةً
في قَفصِ البَراءَة!
فالنّصُّ بصُوَرِهِ الّتي (تتشابكُ فيها الدّلالاتِ الفكريّةِ والعاطفيّةِ في لحظةٍ مِن الزّمن..) على حدِّ تعبيرِ إزرا باوند.. اتّساقٌ مُنظّمٌ بصورٍ جزئيّةٍ يُفضي كلُّ واحدٍ إلى الآخر، باعتمادِ التّباينِ الدّاخليّ، إذ بناؤهُ على المتناقضاتِ (الدّاخل والخارج) الّتي منحته التّوتّر مع حيويّةٍ حركيّةٍ، تميّزت بقدرتِها الإيحائيّةِ، إضافةً إلى توظيفِها تقاناتٍ أسلوبيّةً، كالتّكرارِ الّذي شكّلَ ظاهرةً إيقاعيّةً، أسهمتْ في إثراءِ النّصِّ، والوصولِ بهِ إلى ذروةِ التّعبيرِ عن النّفسِ المأزومة، كونهُ نابع مِن صميم التّجربةِ الشِّعريّة الّتي تسبحُ في بُنيَتيْن أساسيّتيْن: أوّلهما البُنية اللّغويّة، وثانيهُما البُنية المعرفيّة، إضافةً إلى اعتمادِ المُنتجة (الشّاعرة آمال) تقنيّةَ السّردِ الشِّعريّ، لبناءِ نصٍّ مُؤثّثٍ بالتّداعيات، مع تَراكُمِ الصّفاتِ الّتي أسهمتْ في الكشفِ عن توتُّرٍ نفسيّ، يكشفُ عنهُ التّقطيعُ الحَرفيُّ للّفظةِ (يـ تـ نا ثـ ر ها).. / ص40 و س41
ربَّاه ..
كيفَ يَغدو الألمُ 
في طَواحينِ الوقتِ ؟ 
كيفَ يَغدو الوقتُ 
في أعاصيرِ الحُبِّ ؟
ألعلِّي أغدو شوْكًا يتكلّلُ بالوَردِ 
ويتشرّبُ عِطري ؟
*
أتُراني 
تُشكِّلُني الأقدارُ دَمعًا خانقًا؟
تَنْـزِفُني الأوجاعُ أنينًا صَامتًا؟
وتُسدلُ على بُؤسِي سَتائرَ الأَعذار؟
*
في مَتحفِ المُنى 
تتسربلُ العُيونُ حَسْرةً
زهراتُ فُلٍّ تَترقرقُ
على
ضِفافِ المُقل
تَنمُو .. تَتعرّى 
تَسقطُ
زَهرةً 
إثرَ 
زَهرة :
أُ حُ بُّ ك !
  فالشّاعرةُ آمال تحاولُ استنطاقَ اللّحظاتِ الشّعوريّةِ، عبْرَ نسَقٍ لغويٍّ قادرٍ على توليدِ المَعاني، ومِن ثمّ توسيع الفضاءِ الدّلاليّ للجُملةِ الشِّعريّة، باعتمادِها اللّفظةَ المُركّزةَ المُكتنِزةَ بالإيحاء، والمُتميّزةَ بالانسيابِ الجُمَليّ الّذي يكشفُ عنهُ تناسُقُ الجُملة، داخلَ عوالم البناءِ المُتدفّق شعوريًّا، بوحدةٍ موضوعيّةٍ مَركزيّةٍ يُحلّقُ حوْلَها المعنى.. / ص55 و ص56
أَحِنُّ إلى حَفيفِ صَوْتِكَ
يَنسابُ
نَسِيْمًا رَطِبًا 
في مَعابِرِ رُوحِي
تَجمَعُني قُزَحاتهُ 
إضمَاماتٍ فوَّاحَةً
تَزدانُ بِها مَنابرُ مَسامِعي!
نَبَراتُ حُروفِكَ 
تُلاغفُ جَوانِحي
أَحَاسِيسُكَ تُسوِّرني
كَيْفَ أهْرُبُ 
وَمسَافاتُ الوَلهِ تَزدادُ نَقشًا 
في مَسالِكِ قلبيِ؟
*
أَشتاقُكَ .. 
أيُّها المَجنونُ
إلى ما لا نِهايةٍ مِن جُنونِك!
أَشتاقُك ..
وما مِن أحَدٍ يَراكَ شَفِيفًا 
كَمايَ
كم أُدمِنُها دِنانُ حُزنِكَ
أنادِمُها 
بِكَلماتٍ فيها بَعْثي المنتَظَر!
  فالشّاعرة آمال تستثمرُ التّداعي والتّفاصيلَ اليوميّةَ، لإضاءةِ بعضِ العوالمِ المعتمةِ بلغةٍ مَحكيّةٍ، عبرَ خطابِ الذّاتِ ومناخاتِها، للتّعويضِ عن الاغترابِ الذّاتيِّ، بخلْقِ الرّؤيا؛ الحالة المانحة للنّصِّ قدرةَ التّدفّقِ الّتي يتماهى وطقوسها ومناخاتها المستهلك (المتلقي)، إضافةً إلى استثمارِها روح السّردِ الشِّعريّ، وإقامة علاقةٍ حميمةٍ بين أجزاء النّصّ بجُملٍ موجزةٍ مُختزلةٍ، مُشبَعةٍ بالرّؤى الدّلاليّةِ والجماليّةِ المشحونةِ بطاقةِ التّوتّر، من أجل المحافظةِ على العاطفةِ المُتمرّدةِ على الواقع، ببناءٍ فكريٍّ تركيبيٍّ يعتمدُ معماريّةً متناسقةً، بصُورِهِ الّتي امتدّتْ بامتداداتِ فضاءاتِهِ الملائمةِ للحالةِ النّفسيّة، والمُستعينةِ بحقولٍ دلاليّةٍ (زمانيّةٍ ومكانيّةٍ وحدَثيّةٍ..)، بلغةٍ مسكونةٍ بأبعادِها الرّامزةِ الدّالّةِ على كثافةِ العبارة، والكاشفةِ عن عُمق المعنى..
   وبذا، قدّمتِ المُنتجةُ (الشّاعرة آمال عوّاد رضوان) نصوصًا شعريّة، تستنطقُ اللّحظةَ الشّعوريّةَ وتعايُشَها، بنَسَقٍ لغويٍّ قادرٍ على توليدِ المعاني بطُرُقٍ فنّيّةٍ، تُسهمُ في اتّساعِ الفضاءِ الدّلاليِّ للجُملةِ الشِّعريّة.. 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

بوكيه زمين

عن الكردية: جان دوست

على سطح منزلٍ من الطين،
وتحت سماء زرقاء،
كنتُ أعد النجوم،
ممعنة في البدر
وكنتَ معي،
كانتْ هدهداتٌ
تتناهى إلى سمعي،
كأغاني العشاق،
كانتِ الهدهداتُ تثير رائحةَ الرشاد، والسمسق،
رائحة من الطِّيب الذي نأيتَ عنه
وضعتْ في يدي اليسرى
نرجساً وأقحواناً
زينتْ جدائلي
بزهور الخجخجوك.
***
قوس قزح يواجهنا،
تتناثر آمالُنا منه،
فجأة احترقتْ نظرةٌ تحت أهدابكَ،
وسقطت من عيني دمعةٌ متاوهةٌ،
غبتَ عني،
غمر السيلُ
البستانَ الذي نما تحت نهدي الأيسر،
تركنا…

خوشناف سليمان

الدبكة عند الكرد ترفاً فنياً. ام فقرة ترفيهية تسبق الطعام أو تعقب الاحتفالات. ام هي واحدة من أكثر الظواهر الاجتماعية التصاقاً بالوجود الكردي نفسه. فمن النادر أن نجد شعباً حافظ على الرقص الجماعي بهذا العمق و بهذا الحضور المتواصل في مختلف مراحل الحياة كما فعل الكرد. و كأن الجسد الكردي تعلم منذ أزمنة بعيدة….

إبراهيم محمود

 

في التاريخ الذي لا يغفل عنا

التاريخ الذي يُكتَب، وإن كان ينتسب إلى ما قبله، ليُصبِح هو نفسه، من اللحظة التي تُسطّر كلمته، داخلاً في خانة الماضي، لا يعني ما كان، ولمن كان في الصميم في شيء ماضياً. لأن أيّاً من هؤلاء، وهو ميْت غير قادر على قراءته أو مناقشته، وإن كان عجينتَه وخميرته، كما…

صدر حديثاً عن دار TASQ للنشر كتاب “يوسف جلبي: المغني الكردي الذي قُتل مرتين” للكاتب إبراهيم اليوسف، في عمل توثيقي يستعيد سيرة الفنان الراحل يوسف جلبي، أحد أبرز مؤسسي الأغنية الكردية الحديثة، وأحد أهم رموز الفلكلور الكردي في كردستان سوريا.

يتناول الكتاب حياة يوسف جلبي ومسيرته الفنية والإنسانية، منذ ولادته عام 1927 في قرية جبلكراو التابعة لمنطقة نصيبين، مروراً بانتقاله إلى الجزيرة السورية…