هذا قدر ونصيب من الله ! …قصة من مدينتي

هيثم هورو 
-1- 
في إحدى القرى مدينة عفرين ، كان يعيش الشاب آرام والفتاة ( بيري ) ويذهبان معاً إلى المدرسة ، ويجلسان بجوار بعضهما على مقعد واحد ، أما المدارس كانت صغيرة والصفوف مختلطة آنذاك .
نشأت بين آرام وبيري علاقة غرامية في منتهى الصفاء والنقاء ، وكما تربطهما صلة القربى ، في كل صباح يستيقظ آرام باكراً ويتجه نحو بيت بيري ليرافقها إلى المدرسة ، وليتسنى له الفرصة بمغازلتها بأعذب الكلام ذهاباً وإياباً .
كانت هذه العلاقة الغرامية لا تفارق خيال آرام ، ويقدم لها هدايا متتالية .
-2- 
في احد أيام الشتاء البارد والقارس ، اجتاحت تلك القرية موجة ضباب كثيف للغاية ، قرر آرام الذهاب إلى خارج القرية لجمع الفطور ، حمل سلته الصغيرة المصنوعة من الخيزران ، ثم أغتنم الفرصة بإصطحاب بيري معه خلسةً ، ولا سيما الطقس ضبابي لن يشاهدهما أحداً من أهل القرية ، تجنباً للسمعة السيئة بين أهل القرية . 
حملت بيري سلتها ورافقت آرام إلى الوادي المجاور للقرية ، بحثاً عن الفطر هنا وهناك ، أما الأحاديث الغرامية ، والعبارات اللطيفة لم تكن تغيب عن ألسنتهما طوال فترة نزهتهما بين السهول والوديان ،
وصل آرام برفقة بيري إلى قرب صخرة ضخمة عالية، هنا بدتْ أمام عيّني آرام أزهار النرجس تتمايل وتتراقص كحوريات الجنة ، وحينها قال آرام لصديقته بيري : سأتسلق هذه الصخرة ولا بدّ لي أن أقطف باقة من تلك الزهور التي تشبه جمال محياك أجابت بيري قائلةً : لكنك تجازف كثيراً يا آرام ؛ رد آرام قائلاً : المجازفة لا تساوي فلساً أمام جمالك ودفئ قلبك .
صعد ونزل آرام من قمة الصخرة ثم قدم باقة من أزهار النرجس لحبيبته مع بصمة قبلة على يدها الناعمة ثم أردف قائلاً لها : أنت حبيبتي إلى الأبد ثم عادا أدرجهما إلى القرية دون أن يراهما أحداً من سكان القرية . 
-3- 
مرت ست سنوات على تلك العلاقة بين آرام وبيري ، إلى أن قامت والدة بيري بمنعها من الذهاب إلى المدرسة لتساعدها في الأمور المنزلية ، وأصبحت بيري ضحية لتلك العادات الإجتماعية والتقليدية البالية .
هذه الحالة لم تكن في حسبان آرام وبيري ، وكان هذا القرار الجائر بمثابة طعنة غادرة من الخلف للعاشقين.
نال آرام الشهادة الثانوية ، ثم التحق بجامعة حلب مضطراً لإتمام دراسته ، دون أن ينسى حبيبته ، لم تمضي فترة طويلة على غيابه عن القرية وإذ بشاب آخر اسمه فرهاد ، رأى بيري فتاة فاتنة جذابة وأصبح يراقبها عن كثب ويبرز مشاعره نحوها ثم  أقترح أخيراً على الوالد ليطلب يدها من والدها .
-4- 
أستحسنت فكرة فرهاد لدى والدته ، ولا سيما هي تعرف سر جمالها ، فسارعت حالاً  إلى خطبتها من والدتها ، وهي أيضاً لا تتريث مطلقاً بالموافقة على طلبها حيث أنها تعرف بأن فرهاد ابن اسرة ثرية .
لم يمضي اسبوعاً كاملاً ، توجهت عائلة فرهاد برفقة بعض من وجهاء القرية إلى منزل بيري ، وهنا تمت الموافقة على جميع طلبات أهل العروس ، لكن كل ما جرى لم تكن بمشيئة إرادة الشابة بيري ، التي عاتبت والدتها على إتخاذ كل هذه القرارات دون رغبتها ، لكن أجابتها والدتها : لا يا ابنتي ان فرهاد ابن رجل غني ، فأنه سيقدم لك كل ما تريدين في الحياة ، أما بيري أجهشت بالبكاء ثم ردت على والدتها وقالت : انا أكره فرهاد ولا أرغب به بتاتاً ، بيد أن والدتها اصرت مرة أخرى على رأيها ، وهنا اسرعت بيري باكيةً إلى غرفتها وهي تزرف دموع الآسى على مستقبلها المنتظر . 
-5- 
في تلك اللحظة الأليمة شعر آرام بوخزة في قلبه بالرغم أنه كان بعيداً عن بيري ثم قال في قرارة نفسه لا بد أن هناك مصيبة فاجعة ابتليت بيري فيها ، لذا لا بد لي أن ازور قريتنا للأطمئنان عليها .
وصل آرام إلى بيته في القرية ولم تتأنى والدته لكتمان خطوبة بيري لفرهاد ، وهو أيضاً أحد أقربائها، وهنا جن جنون آرام من ذلك الخبر المشؤوم ، وأهتز كيانه من هول الصدمة ثم خرج من منزله مسرعاُ لمقابلة بيري كعادته ، فوجدها باكيةً لا حول لها ولا قوة وسألها آرام وقلبه يخفق متسارعاً مالذي جرى يا بيري ؟ أجابت بيري يائسةً : دون إرادتي أصبحت مخطوبة لفرهاد الذي لا يحترم مشاعري ، وكما أن أمي أيضاً هي التي اتخذت هذا القرار المجحف 
بحقي ، دون احترام عواطفي النبيلة اتجاهك ، هنا بدأت تُذرف الدموع من مقلتي آرام ، ولم يستطع التفوه بكلمة واحدة جراء الصدمة النفسية التي تلقى قلبه ، ولم يبقى امام العاشقين سوى أن يستسلمان للأمر الواقع المرير ، ثم ودع آرام حبيبته ، وقلبه ينزف دماً على مصير حبيبته المجهول .
-6- 
عاد آرام إلى منزله وخيبة الأمل تعصره ، سألته والدته ماذا حلّ بك يا بني أراك محمر العينين؟  أجابها آرام : متلعثماً ولماذا لا أكون هكذا يا أمي أنني قابلت بيري وهي تبكي على مصيرها ، وألا  تعلمين كان بيننا علاقة حب متبادلة ، وكيف سأنهي هذه العلاقة الطاهرة فيما بيننا ، كانت تعتلي عرش قلبي وتشعل الشموع فيه من نور عينيها وتضيئ الحياة أمامي ، آه يا أمي لقد خسرتها_ خسرتها لقد تقصم ظهري أجابتها الوالدة : بعبارات تافهة ، و قالت بقلب بارد هذا هو قدر ونصيب من الله .
 توجه آرام في اليوم التالي إلى مدينة حلب يائساً مجروح الجناحين ، أنهى آرام دراسته ، وعمل مدرساً في إحدى مدارس المدينة ، لكن ذكرياته مع بيري لا تفارقه مطلقاً ، وأما بيري اصبحت زوجة وأم لبنات وصبيان .
-7- 
بقي آرام أعذباً حتى بلغ الخامس والأربعون من عمره وفاءً للعهد الذي قطعه مع حبيبته بيري وإلى ذلك الحين كانت بيري تتابع أخبار آرام عن كثب وحبها له لا يفارقها أبداً طيلة تلك السنوات ، فأرسلت رسالة شفهية عبر شخص ومضمونها بأن يخطب ابنتها الكبرى ( ديلما ) فإنها سترحب به حالاً نعم ! كانت الرسالة مفاجئة وغريبة من نوعها درس آرام فكرة حبيبته بإمعان ثم وافق على اقتراحها دون تردد .
تمت الخطبة في جو ساده الفرح والسرور ، بعد فترة وجيزة تمت حفلة العرس حضره جموع غفيرة من الأهل والأصدقاء وارتسمت ملامح السعادة على وجوه الجميع ، ومرت السنوات ايضاً أنجبت ديلما ابنة حبيبة آرام أطفالاً وعاشوا حياة سعيدة وبذلك اصبحت بيري جدة اولاد حبيبتها .
بعد مضي هذا الحدث الفريد والغريب من نوعه وجه أم آرام سؤالاً إليه كيف يا بني تزوجت من ابنة حبيبتك؟ 
فردّ آرام عليها بسهولة بالغة هذا قدر ونصيب من الله يا والدتي !!! 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…