هيمت محمد علي ينتقل من زمن المحاكاة إلى زمن البحث

  غريب ملا زلال 
” إن هيمت في حيويته و بحثه الدؤوب و من خلال رؤيته الفنية التي اختارها كحصيلة لما بين الأثر و الفكر ، فنان جدير بالإحترام و لا نستطيع إغفاله ” فإذا كان هذا ما يقوله التشكيلي العراقي المعروف شاكر حسن آل سعيد عن هيمت و الذي كان له الدور الأبرز في كشفه و كشف مكنوناته الإبداعية فبحق لا يمكن إغفال اسم هيمت في أي حديث تشكيلي عراقي أو كردستاني أو ياباني أو فرنسي تلك الأمكنة التي حملها هيمت في أعماله ، فهو شجرة وارفة تمتد جذورها في كركوك حيث ولد و أغصانها في بلاد أخرى كثيرة كما قالها هو عن نفسه ، و هو الذي شق لنفسه طريقاً مميزاً لم يكن ممهداً حين حط به الرحال في اليابان ضيفاً ليقدم معرضاً فنياً و لكن نتيجة الحرب التي كانت دائرة في بلاده طال به المكوث في اليابان حيث وجد فيها حميمية جعلته يقترب من تفاصيلها على نحو أعمق و سرعان ما إمتزج بهوائها فلم يحس بذلك الإغتراب القاتل الذي يرافق الغريب عادة بل غرف أزقتها و قرأ ناسها بإتقان و شفافية ،
 و ارتشف ورودها بطريقة عذبة و مميزة و ترجم كل ذلك على الورق الياباني الذي وجد فيه ضالته فجال بريشته ليخرج إلينا بكم جميل من أعمال قدمها في أكثر من معرض و في أكثر من مكان ، فالورق الياباني و الألوان اليابانية باتت ترافقه في الكثير من تحركاته التشكيلية ، وضمن فضاء تشكيلي جديد و مستقل عمّا شهدته تلك السنوات حيث الواقعية كانت طاغية في المكان مع نبع سلسبيل من التعبيرية والتي كانت تتباين من فنان إلى آخر وما يلفت الإنتباه أن هيمت كان يتوخى تلك التفاصيل الواقعية المثيرة فبحثه كان عن عناصر تشكيلية برموزها و أساطيرها وهذا ما كان يمنح عمله ملامح جمالية أدبية حتى أن هيمت كان يجمع بين الريشة و القلم فرغم أنه كان مشروع شاعر لكن وجد أن القلم وحده لا يُطفئ الحريق الذي في داخله فكانت الريشة الماء الذي استعاض به ليعاقب الحركة في المكان و هذا التداخل العذب بين لغة الشعر و لغة اللون دفعه ليجمع بينهما كثيراً لا بما يخصه فحسب بل ترجم كذلك قصائد لأسماء معروفة ( كوتارو جينازومي ، قاسم حداد ، محمد بنيس ، أدونيس ، زينو بيانو ، أندريه هفيلتر ، برنارد نويل و آخرين … ) إلى لوحات فنية ، فهذه المحاكاة البصرية للشعر منحته زمناً كان من الممكن أن يبحث عنه عمراً ، فكان ذلك يغدو مفجراً إبداعياً في صيغ موازية لتلك المحاكاة إستناداً على الحساسيات الجمالية اللافتة في مدرجات اللون ضمن مسارات غير خاضعة لقيود بل فيها يقارب المعادل البصري الإيقاعي وفق إتجاهات حركته الرئيسيّة مع تلقي إشارات إفتراضية لتحقيق ما أصطلح عليه / موسيقا اللون / و التي تغدو عنده لغة بديلة إن صح التعبير ، لغة تفوقت بإلحاحه و تعزيزه لوظيفتها و بقدرته على الإنتقال بها من زمن المحاكاة إلى زمن البحث بمقياس داخلي للمساهمة في تجاوز ميزات سردية تخوله تشكيل خطاب غير شائك يكاد يستأثر به في ضوء تقطيعات ستساعده جداً في صياغة تقنياته بمفاهيمها الوظيفية و بذلك سيشغل مساحة توفر بدورها له مكونات هي أساسية لبلورة المرحلة ، و في كل الحالات يميل بهمت إلى التقليل من الوظائف السردية التي تعيد صياغة أفكار فلا يحبس نفسه في غرف صغيرة نوافذها مغلقة بل يستعيد مقامات لونية /جمالية تندرج في الإسهام في شرائح بحثية تناقش بجسارة قابليتها للتحول ضمن حركة متفاعلة لمفرداته التي ستترك الأثر الجميل لزمن بعيد .
‏….


شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فواز عبدي

شهدت تركيا بعد انقلاب عام 1980 العسكري واحدة من أقسى الفترات في تاريخها الحديث. فقد فرضت حالة طوارئ طويلة، وانتشرت عمليات الاعتقال والتعذيب والمداهمات الليلية، وصارت الحياة اليومية، وبشكل خاص في مناطق كردستان، محكومة بالخوف والرقابة الشديدة؛ حيث كل زاوية تنبض بالرهبة: خوف من زيارة صديق، من الاحتفاظ بكتاب، من كلمة تقال في مقهى،…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

لَيست الأمكنة مُجرَّد جُغرافيا صامتة، ولا هي حَيِّز مُحايد تتحرَّك فيه الشخصياتُ كَيفما اتَّفَق، إنَّها كائن حَي ، يتنفَّس الذاكرةَ ، ويتشكَّل بالزمن ، ويُعيد تشكيلَ الإنسانِ في الآن ذَاتِه .

في أدبِ كُلٍّ مِن الروائي الفِلَسْطيني إبراهيم نصر اللَّه ( وُلد 1954 ) والروائي التُّركي أُورهان باموق…

ماهين شيخاني

في كوردستان، لا يُولد الأديب وفي يده قلم فقط، بل يولد وهو يحمل سؤالاً ثقيلاً:

كيف أكتب… وأنا لم أؤمّن خبزي بعد؟

ليست معاناة الأديب الكوردي رومانسية كما يتخيل البعض، وليست تلك الصورة الحالمة لشاعر يجلس تحت شجرة ويكتب عن الحب والحرية.

الحقيقة أكثر قسوة:

الأديب هنا يعيش بين جبهتين:

جبهة الحياة… وجبهة الكتابة.

الأديب الذي يعمل خارج حلمه

في الصباح،…

قصة: م.علي كوت

ترجمة: فواز عبدي

5 أيار 1986/ ماردين

أخي العزيز (…..)!

قبل أن أبدأ رسالتي أهديك تحياتي الحارة وأقبل عينيك السوداوين. يا أخي، أرسلت لك عشر رسائل وها هي الرسالة الحادية عشرة. ولم نتلق منك أيَّ جواب! لنعرف على الأقل إن كنت مازلت حياً وسالماً. حتى ترتاح قلوبنا. دموع أمي لا تفارق عينيها! تجلس كل يوم، تبكي…