كورونا

 هجار بوطاني
في صراع على الزعامة العالمية بين الدول العظمى يتم نشر كورونا، هذا الوباء الذي غزا العالم في دول لها تناقضات وخلافات سياسية واقتصادية، وباء يستلم الدول تباعا وتتزايد فيها الإصابات وتتفاقم أعداد المرضى مع كل ثانية ، مع كل نشرة إخبارية وكل حالة جوية ، تزايد الخوف والهلع لدى البشرية وحكومات العالم عامة، أغلقت المحال والمدارس بكل مراحلها والشركات و النوادي الليلية والرياضية ، تزايدت الحالات المرضية حتى بات العطس بمثابة قنبلة يتم انفجارها ومن هذه الحالات السيدة هارتمان هذه المرأة السبعينية التي أصيبت بمرض كورونا .
ذات صباح أحست هارتمان بارتفاع في درجة الحرارة وصداع قوي في الرأس تملكها الخوف بعدما سمعت بتفشي مرض كورونا ، أخذت في تناول بعض الأدوية المعالجة لكن المرض كان نال منها وحالتها كانت تزداد سوءا يوما بعد يوم لذلك اضطرت الاتصال مع قسم الإسعاف الذي لم يتوان عاملوه  لحظة في الحضور وأخذها عبر نقالة، رغما عن كلبها ( فاني ) الذي لم ينقطع عن النباح واللحاق بهم إلى باب المستشفى.
أدخلت هارتمان إلى الحجر الصحي وبقى صديق أيامها ينتظر عودتها ، ينظر إلى كل خارج عله يطمئنه على صحتها وبين الفينة والأخرى ينظر إلى السماء متوسلا إلى الخالق أن يشفي المرأة التي رافقته طوال سنوات ، في هذه الأثناء جاء ابنها توماس ووقف بجانب الكلب فإني الذي نظر إليه يئن في صمت ، الكلب الخائف والمنكمش على نفسه مطأطأ الرأس داسا ً ذيله بين ساقيه ، ينظر إلى الأرض ، يبدو مشتتا لا يعرف ماذا يفعل يبدأ بالنباح أم لا ، ثم يعلق شفته ويشم الأرض ، هل يركض نحو بناء المستشفى في حركة كردة فعل استباقية ، ينظر إلى الابن ، يرجوه أن يدخل في زيارة لوالدته ليطمئن عليها ويطمئنه بدوره غير أن الشاب بقي متمركزا في مكانه ،لا يجرؤ الدخول والاقتراب من المرأة التي ولدته وقامت على تربيته لسنوات ، بقيا على هذه الحال يقضمان ساعات القلق والانتظار حتى المساء حيث قال توماس الابن للكلب فاني : هيا بنا نذهب إلى البيت ونعود غدا صباحا لنطمئن سويا على صحتها ، جر فاني ذيله بصعوبة وبخطوات ثقيلة ملؤها الحزن والقلق .
وصلا إلى البيت منهكين ، الشاب قام بتغيير ملابسه وأخذ حمام يزيل عنه بعض من الأرق وجلس فاني بجانب الصوفا مادا رأسه على الأرض وعيناه دامعتان ، رافضا لكل ما قدمه توماس من أكل وشراب ، حاول توماس أن يخفف عنه ويواسيه بأن والدته امرأة قوية وحتما ستتغلب على المرض ، ستعود كما كانت جميلة ونشيطة ونلعب سويا كما كنا سابقا ، لكن هاجس الفراق كان مسيطرا على فاني لذلك كان أكثر قلقا من ابنها .
في صباح اليوم التالي استيقظ توماس ومرارة الأحلام تسيل مع لعابه ،قذى اليتم قد طغت على عينيه وعلى روحه ،ترك فراشه متثاقلا ، نفض عن نفسه الأفكار وخرج ليرى ذاك الذي لم تغفى عيناه لحظة في ليلة أمس ، الكلب فاني الذي ترك البيت متوجها نحو المستشفى ليطمئن على حالة مربيته وصديقة أيامه ، خرج توماس على عجلة ٍ من أمره بعد أخذ في يده شطيرة تسد شتات أفكاره ، تزيل غمائم حيرته أمام هذا الوباء الذي يغزو العالم بكل هيمنته ،يقطف الأرواح من حدائق الدول في كل لحظة دون رحمة دون تمييز بين أي فئة اجتماعية .
وصل توماس إلى المستشفى ليرى فاني يقبع في زاوية من الحديقة وحوله أشجانه وآلام شتى ، ذهب إليه ، مسح رأسه زيادة في المعنويات وتخفيفا للهموم التي لازمته من يوم أمس غير أنها لا تشتت إلا برؤية سيدته ثانية .
بعد أسبوع من آلام فاني خرج أحد الدكاترة، وطلب توماس ليخبره بأن والدته قد فارقت الحياة والجثة لن تسلم له ولكن يمكنه رؤية والدته للمرة الأخيرة قبل أن يتم حرق جثتها ، في اللحظة هذه تملكه الخوف والهلع واكتفى باستلام حوائجها من أوراق ثبوتية ثم غير رأيه في ذلك وقال للدكتور:
 من الأفضل أن يتم تسليم أوراقها إلى الجهات الرسمية، وتراجع في خطوات من الأسى إلى الوراء حينها أدرك الكلب فاني أن سيدته قد رحلت وتركته يتيما، فانطلق نحو مبنى المستشفى مقتحما كل الأبواب،  وغرف الكادر الصحي، حتى وصل إلى غرفة هارتمان نظر إليها نظرته الأخيرة والدموع تنهمر من عينيه في صمت خفي ……
التف حول الكلب فاني بعض أشخاص من الكادر الصحي يريدون إخراجه من المستشفى إلا الدكتور أوعز إليهم أن يتركوه لدقائق …….
نظر إليهم الكلب فاني وكأنه يخبرهم بأنها ماتت ، أنها تركته وحيدا يعاني آلام فراقها ثم خطا نحو الباب مطأطئ الرأس وخرج إلى الحديقة ، استظل بشجرة وراح يبكي حرقة
جاءه توماس وأخبره بأنها الحياة فيها الحلاوة والمرارة وكلانا نشرب كأس مرارتها اليوم ، علينا الذهاب إلى البيت ولم يعد الانتظار يجدي نفعا ً ، هي قد رحلت إلى السماء
ذهب الكلب فاني مع الابن توماس وهو بالكاد يحمل يرى أمامه .
الأيام تمضي وأحزانه لا تفارقه حتى بات عبئا على الابن توماس ،كثيرا ما أتى به من أمام باب المستشفى و أحيانا يراه وقد تمدد أمام بيت أمه ، ينظر إلى نافذتها والوردة التي ذبلت من الوحدة ، يأخذه إلى البيت يقول له الحكايا عن الموت والحياة وأن أحدا لا يخلد أبد الدهر ، الكل سيموت ، حتى أنا سأموت ، كل النصائح والأحاديث لم تخرجه من كآبته ولم تجبر خاطره .
في نهاية الأسبوع الثالث من رحيل هارتمان ذهب الكلب فاني إلى وسط المدينة ، نظر من حوله إلى البيوت والعمارات ، إلى المارة وكأنه يريد مسامحتهم ، ينظر إلى المحلات التي علقت في ذاكرة مروره لها مع سيدته ، حتى ذاك المقعد الذي يتوسط الشارع ، كثيرا ما جلس بقربه ينتظر استراحة سيدته ، ينظر إلى الكلاب المارة به وكأنه يعاتبهم على عدم مواساته فيما ألم به ، لما فقده من عزيز ، في نهاية تأملاته وقعت عيناه على بناء عال ، طوابقه تعدى العاشرة ،ذهب إليه وقرع أحد الأجراس بأرجله الأمامية ، فتح الباب الرئيسي ، دخل على عجلة وصعد السلالم حتى وصل إلى سطح البناء تراءت له السيدات هارتمان وهي فاتحة ذراعيها والابتسامة تعلو وجهها ، بدا العالم من حوله ربيعا ، يفوح منه رائحة الياسمين
نظر إلى المدينة مودعا . نظر إلى السماء مُرحبا ً وقفز من البناء ليهوى صريعا ً ، يعانق روح سيدته في عناق أبدي ….

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…